رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حجازى شاعر ملاحم الوطن وأحـــزان البســطاء

محمد البرغوثى;

  • نشــــــر ديوانه الأول وعمره 24 سنة فأحدث ضجة هائلة لأنه تعمد مفاجأة قارئه بما هو مألوف
  •  
  • قصائده تكتنز جماليات آسرة وتعتمد لغةً يتضافر فيها التوحش والرهافة فى آن واحد
  •  
  • دواوينه جدارية لأحلام العرب التى لامست السماء ثم حاصرتها الكوابيس حتى اعتصرتها
  •  
  • فتك بـ «العقاد» فى هجائية من عيون الشعر ثم اعتذر بعد عقود واعترف بالتطاول على عملاق الأدب العربى
  •  
  •  
  • وقف بجسارة ضد التيارات التى تنكر وجود المعنى فى الشعر ورفض أن يتخلى المبدع عن وظيفته التاريخية




من السهولة إذن أن نعثر فيما أبدعه حجازى من قصائد، وفيما كتبه من مقالات ودراسات على مادة وفيرة للكتابة، ولكن هذه المادة ذاتها تظل عصية على الإمساك بها فى يسر، لأن قصائده لمن لديه القدرة على تذوقها تكتنز جماليات آسرة، وتعتمد لغة يتضافر فيها التوحش والرهافة فى آن واحد، كما أن كتاباته النثرية، تشير إلى فيض هائل من الاطلاع الموسوعى على التراث الإنسانى كله، وعلى الإنتاج الفكرى والإبداعى فى التاريخ الحديث والمعاصر.ثم إن كتاباته السياسية تتسم بجموح شرس من شاعر ومفكر دخل فى مرحلة من العمر يجنح فيها أمثاله إلى التوافق والمصالحة، ويندر أن تجد مبدعا على مشارف الثمانين أو تجاوزها، يفاجئ متابعيه بانقلابات عاصفة، مثل انقلاب حجازى على القومية العربية قبل سنوات، وهو الذى عاش عمره الإبداعى كله فى طليعة المبشرين بها والمنشدين فى فضائها، ومثل انقلابه الجارح والصادم على الرئيس جمال عبدالناصر والمرحلة الناصرية بكاملها، وهو الذى كتب عن عبدالناصر عدة قصائد من عيون الشعر العربى الحديث، قال عنه فى إحداها: «رأيته الإنسان أصفى ما يكون/ ألصق ما يكون بالأرض وأبواب البيوت والشجر / أكثرنا حزنا، أشدنا تفاؤلا، أبرنا بنا/ أحن من صافى الندى على الثمر».. ثم يقول فى قصيدة أخرى عن عبدالناصر: «يظلمك الشعر إذا غناك فى هذا الزمان/ لأنه لا يستطيع أن يرى مجدك وحده/ بدون أن يرى مافى الزمان من عذاب وهوان».

وفى عام 2014، صدرت الأعمال الكاملة لأحمد عبدالمعطى حجازى عن الهيئة المصرية للكتاب، فإذا به يضع هامشا لإحدى قصائده عن عبدالناصر قال فيه: «لقد تغير موقفى تماما من عبدالناصر، حتى فكرت فى إسقاط القصائد التى كتبتها عنه من شعرى، لكننى قررت فى النهاية إثباتها، لأنها تعبر بصدق عن جانب من تاريخى، ولأن قيمتها الفنية لم تتغير فى نظرى». وفى لقاء طويل معه على إحدى الفضائيات عام 2017، سأله المذيع عمرو أديب بوضوح شديد: مَنْ مِن الرؤساء الثلاثة «ناصر، والسادات، ومبارك» ألحق ضررا بمصر والمصريين أكثر من الآخر؟.. فأجاب حجازي: عبدالناصر هو الأكثر ضررا لأنه دمر الديمقراطية تماما، وحطم كرامة المصريين.

ولكن هذه التقلبات العاصفة ذاتها كان لها شأن آخر عند من يعرف إنتاج حجازى فى الشعر والنثر، فأمام ظاهرة إبداعية ضخمة لا يمكن لقارئ واع أن يتعامل مع تقلبات الرجل بخفة أو استهتار، لأنها جزء أصيل من تكوينه، وملمح فارق فى قصائده المسكونة بالعواصف والمشاعر الجياشة، وفى لغته التى تتبدى أحيانا كما لو كان يحفرها على الورق بخنجر مسنون، ثم تتكشف فى اللحظة ذاتها عن جدول رقراق شديد العذوبة، وعن روح معذبة بالحب والحرية والكرامة، لا تريد من هذا العالم الموبوء بالقبح والكراهية غير شيء قليل: «لى مطلب بسيط / أن تصبح الحياة عش حب/ به رغيف واحد وطفلة ضحوك».

ولد أحمد عبدالمعطى حجازى فى 5 يونيو عام 1935 بمدينة «تلا» فى محافظة المنوفية، وتعلم فى كتّاب تحفيظ القرآن، مثل كل الريفيين آنذاك، وقرأ وهو لم يزل طفلا بعض الكتب فى مكتبة والده، وبالتحاقه بمدرسة المعلمين فى شبين الكوم، عثر بجوارها على مكتبة ضخمة، منحها كل وقته. كان عمره آنذاك 16 عاما فقط، وكان قد جرب كتابة القصائد العمودية، متأثرا إلى حد كبير بالشعراء الرومانسيين، أمثال: على محمود طه، وإبراهيم ناجى، ومحمود حسن إسماعيل، ولكن الأخير وخصوصا ديوانه «أين المفر»، كان بالنسبة له اكتشافا ارتج له وجدانه، ووضعه أمام حساسية جديدة فى التعامل مع اللغة والصورة والمجاز، وقد ظل حجازى مسكونا لعدة سنوات بمحمود حسن إسماعيل، وعندما صدر ديوانه الأول «مدينة بلا قلب» عام 1959، لم ينكر حجازى أن شيئا من ظلال محمود حسن إسماعيل قد تسرب إلى بعض قصائده، رغم حرصه البالغ من الوهلة الأولى على ألا يشبه غير نفسه.

كان حجازى قبل صدور الديوان قد نشر بعض قصائده هنا أو هناك، وكان شعوره بنفسه بعد انتقاله إلى القاهرة عام 1955، أنه «مغلق على إحساس فادح بالموهبة والاضطهاد».. لم يكن هناك أحد سبقه إلى نشر تجربة جديدة مكتملة غير صلاح عبدالصبور «الناس فى بلادى عام 1957»، ويقول حجازى عن تجربة صلاح: «كنت قد قرأت لصلاح الذى يكبرنى بأربع سنوات قصائده الطليعية التى بدت لى آنذاك نثرا بالمقارنة بشعرى الرمزى».. وبصدور الديوان مكتملا انتبه الجميع إلى أنهم أمام صوت لا يمكن إنكاره أو تجاهله.. إنه واضح وجارح.. شاب صغير فى الرابعة والعشرين فقط من عمره، لكنه يلقى بحجر ضخم فى بحيرة مستقرة، وعلى الرغم من أنه استبعد إحدى قصائده التى أثارت كثيرين ضده وجرّت عليه تهمة الإلحاد قصيدة بكاء الأبد فقد حمل ديوانه المطبوع أكثر من دليل على جموحه وقلقه الوجودى. فى قصيدته «الطريق إلى السيدة» يكتشف قسوة العاصمة وغربة الإنسان الريفى فيها: «كأننى طفل رمته خاطئة/ فلم يعره العابرون فى الطريق/ حتى الرثاء».. وهو يخاطب المدينة فى نهاية القصيدة: «يا قاهرة/ أيا قِبابا متخمات قاعدة/ يا مئذنات ملحدة/ يا كافرة/ أنا هنا لا شيء، كالموتى، كرؤيا عابرة/ أجر ساقى المجهدة/ للسيدة».

بعد ذلك بسنوات عديدة سيعرف كثيرون أن حجازى لايخطط للصدام،ولايعنيه إطلاقا أن يدهش القاريء بشيء غريب،فشعره كما يقول هو عن نفسه «يضرب بجذوره فى العطش وفى تجربتى المباشرة..إننى أتلقى اللغة باقتصاد وأستعملها بورع.نعم هذا هو شعرى.لاأجيد اللعب باللغة،لاأدهش قارئى بالغريب،لكن أفجؤه بالأليف».

لكن،أيا كان مايقوله هو عن نفسه،فقد ظل ديوان «مدينة بلا قلب»،ومازال،يمثل لأجيال متلاحقة صوتا آسرا،وخصوصا لهؤلاء القادمين من القرى البعيدة للإقامة فى العاصمة..وأغلب الظن أنه لايوجد ريفى هجر عالمه البسيط إلى القاهرة ووقع فى يده ديوان «مدينة بلا قلب» إلا وخطفه ورع اللغة، وفاجأه الإحساس الأليف بالغربة الكامدة التى تدهس بوحشية فاجرة أرواح الريفيين فى المدن الكبيرة.

فى قصيدة فاتنة بعنوان «كان لى قلب»، تتجلى قدرة حجازى على استحضار أدق تفاصيل المشهد الريفى الذى عاشه الملايين، ثم راح يتفلت من بين أيديهم وهم يعيشون غربتهم الموحشة فى المدن: «وجاء مساء/ وكنت على الطريق الملتوى أمشي/ وقريتنا بحضن المغرب الشفقي/ رؤى أفقِ/ مخادع ثرة التلوين والنقشِ/ تنام على مشارفها ظلال نخيل/ ومئذنة تلوى ظلها فى صفحة الترعة/ رؤى مسحورة تمشى».. وهو إذ يرصد بروح شاعرية معذبة كل ما فى العاصمة من قسوة وانهيار أخلاقى لا ينسى أبدا أن يستدعى عالمه الريفى الطيب: «فأنا ابن ريف/ ودعت أهلى وارتحلت هنا/ لكن قبر أبى بقريتنا هناك يحفه الصبار/ وهناك مازالت لنا فى الأفق دار».. وفى مقابل الأهل والدار وقبر الأب يتبدى لنا الضياع الكامل فى المدينة، وها هى سيارة تدهس صبيا فى أحد الميادين فلا يلتفت إليه أحد: «وأقبلت ذبابة خضراء/ جاءت من المقابر الريفية الحزينة/ ولولبت جناحها على صبى مات فى المدينة/ فما بكت عليه عين».

فى هذه المرحلة التى سبقت وأعقبت ديوانى عبدالصبور وحجازى، كانت المعركة دائرة بالأساس حول قصيدة التفعيلة التى كسرت عمود الشعر التقليدى، وكانت معظم الكتابات النقدية موزعة بين الدفاع عن جدارة هذه الكتابات بأن تُسمى شعرا، وبين تحليل النصوص الجديدة لإظهار ما فيها من جماليات مغايرة. وكان المفكر العملاق عباس محمود العقاد ما زال حيا، ينشر ظله الجبار على الحياة الثقافية، وكان يرى فى كل ما يكتبه حجازى وصلاح عبدالصبور مجرد كلام فارغ.. إنه فى أفضل الأحوال نثر مفكك، لا شعر فيه، ولا إيقاع ولا جمال. وعندما تقدم الشاعران الشابان بقصائدهما فى مسابقة لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، أحالها العقاد فورا «إلى لجنة النثر للاختصاص».. ثم استفحلت الخصومة عندما اعترض العقاد على وجود الشاعرين فى دمشق عام 1961 لحضور مهرجان شعرى، كان العقاد يرأسه، وهدد بأنه سيغادر المهرجان إذا صعد حجازى أو صلاح على المنصة لإلقاء شعرهما. وفى حين عاد صلاح من دمشق حزينا كسيرا، عاد حجازى ليكتب واحدة من أجمل وأعذب وأجرأ هجائيات الشعر العربى فى كل عصوره، واختار لها عنوانا لا يمكن لعين أن تمر عليه دون أن تتوقف لترى ما بعده: «إلى الأستاذ العقاد».

لم ينتظر حجازى حتى تظهر القصيدة فى ديوانه المقبل، لكنه أرسلها فورا إلى جريدة الأهرام، فنشرتها لتقوم الدنيا ولا تقعد، ويضطر العقاد وهو مالئ الدنيا وشاغل الناس إلى النزول من عليائه، ليرد على هذا الشاب الذى لم يتجاوز عمره آنذاك ستة وعشرين عاما. وفى القصيدة تبدى للجميع، أن هذا الشاب يملك ناصية الشعر، وأنه مقتدر على كتابة شعر عمودى موزون، كما يريد العقاد وكل أنصار الشعر القديم.. وهو يبدأ القصيدة مخاطبا العقاد:

من أى بحر عصى الريح تطلبه إن كنت تبكى عليه.. نحن نكتبه

يا من يحدّث فى كل الأمور ولا يكاد يحسن أمرا أو يقرّبه

أقول فيك هجائى وهْو أوله وأنت آخر مهجو وأنسبه

تعيش فى عصرنا ضيفا وتشتمنا أنّا بإيقاعنا نشدو ونطربه

ثم يقسو حجازى على العقاد بقوله:

وتدّعى الرأى فيما أنت متهم فيه، وتسألنا عما تخربه

وإنه الحمق، لا رأى ولا خُلُقُ يعطيك رب الورى رأسا فتركبه

بعد ذلك لن يتذكر من رد العقاد عليه، غير أنه قال: «أنت وأمثالك الذين تعيشون ضيوفا على عصر العقاد».. لكنه بالإضافة إلى ذلك ظل يردد فى كل مناسبة بعد رحيل العقاد أنه ارتكب خطأ فادحا فى حق هذا العملاق. وفى الأعمال الكاملة التى صدرت لحجازى، اضطر إلى كتابة مقدمة نثرية لقصيدة «إلى العقاد»، قال فيها: «فى القصيدة تطاول على مكانة العقاد، دفعت إليه حماسة الشاعر، وإيمانه برسالة التجديد، التى لم يستطع العقاد على تحرره وسعة أفقه وسبقه للتجديد أن يقدّرها حق قدرها».. وإمعانا فى التراجع عن موقفه الحاد، صدر ديوانه الأخيرا «طلل الوقت»، وفيه قصدية بعنوان «الكروان»، مهداة إلى عباس محمود العقاد، تتجلى فيها ضراوة الأسئلة الجارحة، وطراوة اللغة الشاعرية فى ضفيرة واحدة: من أين يأتى كل هذا الموت؟/ أى خطيئة عمياء لوثت المدينة/ فاستحقت أن تُعاقَب بالظلام السرمدي/ تعيشه والشمس طالعة/ تُزَف له وتنجب منه نسلا شائها/ وجه ولا عينان/ وفم ولا شفتان/ لغو ولا لغة/ وأشعار بلا معنى ولا ميزانِ.... الملك لك... وأنا وأنت هنا على أطلالها/ شيخان مغتربانِ».

ولكنه بين التطاول على قامة بحجم العقاد، وبين كل هذا الاعتذار، ينتج أهم وأجمل دواوينه:أوراس 1963ـ لم يبق إلا الاعتراف 1965 مرثية للعمر الجميل 1972 كائنات مملكة الليل 1978 أشجار الأسمنت 1989. ومن يطالع تجربة حجازى فى كل دواوينه لابد أنه سيتوقف طويلا أمام هذه التجربة المخضبة بزهو الانتصار ومرارة الانكسار، بالأحلام التى لامست السماء ثم حاصرتها الكوابيس حتى اعتصرتها وحطمت معها قلوب الحالمين. فى هذه الرحلة الطويلة لم يتعب هذا الرجل أبدا من الزحف جريحا خلف التماعات السراب فى هذه الصحراء العربية الممتدة من الخراب إلى الخراب مثل جيفة خالدة. إنه فى كل ما كتب كان يعاقر جنونا خطرا، فهو منذ الوهلة الأولى التى قرر فيها أن يشتبك مع العالم بالشعر يعلن انتماءه دون مواربة، ويتحرق شوقا إلى أن يسمعه «الإنسان فى الريف البعيد»: «كلماتنا مصلوبة فوق الورق/ لمّا تزل طينا ضريرا/ ليس فى جنبيه روح/ وأنا أريد لها الحياة على الشفاه/ تمضى بها شفة إلى شفة فتولد من جديد».

ومن يعرف تاريخ العرب الحديث والمعاصر يندر أن يجد هزيمة أو كارثة أو ثورة عربية إلا وكان حجازى هو منشدها الأول، وفى الوقت الذى ضربت فيه المباشرة والركاكة معظم شعر المناسبات والكوارث القومية، أفلتت قصائد حجازى من كل هذه المثالب وحلقت بلغة وحشية مدببة وبعذوبة صافية فى فضاء مغاير. وعندما جاءت أزمنة تحول فيها معظم الشعراء إلى كائنات عدمية تنسج من الكلام الميت أكروبات لغوية غامضة، ظل حجازى وما زال هو المحارب الأكثر شراسة عن «محراب المعنى فى الشعر»، وها هو يقول فى كتابه «الشعر رفيقى»: إن تجربتى المتواضعة فى الكتابة تدلنى على أن القصيدة لا يمكن أن تبدأ من فراغ. ثم يقول: «وأنا فى هذه الاعترافات أقف دون تحفظ ضد التيارات الشكلية والعدمية التى تنكر وجود المعنى فى الشعر. ثم إنه فى مناظرة له مع أدونيس عام 1986 آنذاك كان أدونيس هو عرّاب خروج الإبداع بكامله من التاريخ واستقالته من أى وظيفة اجتماعية يجابه أدونيس بقوة: «إن الإبداع لا يتحقق إلا داخل الشروط.. ويستحيل أن أقدّر شاعرية امرئ القيس دون فهم روح عصره، ويستحيل أن أدرك قدر البارودى إذا كنت أجهل صراعه الظافر ضد ثقافة الانحطاط».

واللافت أن أنصار الكتابة عن فطريات أمعائهم عثروا هنا أو هناك على أدلة كثيرة تسند رؤيتهم العبثية.. ولكن شعر حجازى ظل عصيا عليهم، حتى وهو يكتب قصيدة عن بناء السد العالي: «وفلاحون نحن هنا بلا أرض ولا أبناء/ نسير جماعة فى الشمس/ يقصر ظلنا ويطول/ ونحن نسير نبحث فى بلاد الله عن بلد/ ننام بظل مسجده/ ونشرب شاينا فى باب مقهاه».. ثم وهو يكتب عن ملحمة الجنود المصريين الفقراء فى جزيرة شدوان بالبحر الأحمر: «بكر سماء الفجر، صوت البحر، أنفاس المياه/ والرمل مبتل وريح البحر مغسول/ بكر كأن الله منذ هنيهة خلق الحياة/ بكر مواويل الجنود/ تنساب من أحلامهم فى الفجر/ تصبح أوجها وقرى صغيرة».

ولكن حجازى قبل ذلك وبعده يعرف جيدا أن جماليات الشعر تتحقق أيضا فى اصطياد اللحظات المراوغة والمشاعر اليومية العابرة.. وهو فى خطاب قديم أرسله إلى أمل دنقل من باريس، وأمل على فراش الموت، يقول له معلقا على عدد من قصائده: «أراهن أنك تجن فرحا بنجاحك فى وصف القطة الواثبة من داخل صندوق القمامة، وتعده أكبر من نجاحك فى نظم الصور البطولية والعواطف النبيلة». وأنا هنا أراهن أيضا أن أحمد عبدالمعطى حجازى يُجنُّ فرحا حتى الآن كلما تصفح دواوينه وتذكر كيف فتنته عيون الحزانى، وأنه ذات قصيدة تمكن من اصطياد عيون حبيبته فى مقطع لا يمكن نسيانه: «عيناك يا لكلمتين لم تقالا أبدا/ خانهما التعبير حتى ظلتا كما هما/ راهبتين تلبسان الأسودا/ تنتظران ليلة العُرس.. سُدى».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق