رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الساعة والقنديل !

بريد;
بريد الاهرام

لا مراء أن العلم والخرافة ضدان لا يلتقيان فإذا انحسر أحدهما ساد الثانى وران، ولا شك أن هناك فرقاً بين الخرافة والخيال العلمي، ويذكر التاريخ فى هذا السياق أن خليفة المسلمين هارون الرشيد فى بغداد آنذاك أهدى شارلمان ملك فرنسا ساعة من النحاس الأصفر بارتفاع نحو أربعة أمتار وهى تتحرك بواسطة قوة مائية، وعند تمام كل ساعة يسقط عدد من الكرات المعدنية يتبع بعضها بعضاً - بحسب عدد الساعات - فوق قاعدة نحاسية فتحدث رنيناً جميلاً فى أرجاء القصر الملكى، وكانت الساعة مصممة بحيث يفتح باب من الأبواب الإثنى عشر المؤدية إلى داخل الساعة، فيخرج منه فارس يدور حول الساعة، ثم يعود إلى مكانه، وعندما تحين الساعة الثانية عشرة يخرج إثنا عشر فارساً مرة واحدة يدورون دورة كاملة حول الساعة، ثم يعودون من حيث أتوا، وتغلق الأبواب خلفهم .

لقد أثارت هذه الساعة العجيبة دهشة وتعجب، بل وذهول الملك وحاشيته، واعتقد رهبان الملك أن بداخل الساعة شيطاناً يسكنها ويحركها، فجاءوا بليل إلى الساعة وحطموها بالفئوس بحثاً عن “الشيطان” بداخلها، فلم يجدوا بالطبع سوى مكوناتها، ولقد حزن الملك شارلمان لذلك حزناً شديدا،ً واستدعى حشداً من الصناع المهرة لمحاولة إصلاح الساعة وإعادة تشغيلها، بيد أن كل محاولاتهم باءت بالفشل. ولقد اقترح بعض مستشارى الملك عليه أن يخاطب هارون الرشيد ليبعث بمن يستطيع إصلاح الساعة فقال شارلمان: “إننى أشعر بخجل شديد أن يعرف ملك بغداد أننا ارتكبنا عاراً باسم فرنسا كلها”.

وفى روايته الأشهر “قنديل أم هاشم” صور الأديب القدير يحيى حقى الصراع بين العلم والخرافة، فالرواية تتمحور حول الدكتور إسماعيل الذى ذهب إلى أوروبا ليتعلم طب العيون فى إحدى جامعاتها، ولما عاد إلى مصر وجد أن الناس يعالجون عيونهم بزيت قنديل مسجد السيدة زينب ( أم هاشم) تبركاً وأملاً فى الشفاء، ولقد اصطدم الدكتور إسماعيل بعلمه مع المجتمع بخرافاته، وكاد يفقد حياته لاعتقاد العامة أنه خرج عن صحيح الدين لرفضه استخدام زيت قنديل أم هاشم فى علاج عيونهم. ولأن بطل الرواية كان مؤمناً بأن المتعلم منوط به استيعاب الخرافة والتعامل معها بالإحتواء توطئة لوأدها، فلقد وضع العلاج الذى وجده العلم فى قنينات تشبه تلك التى يوضع بها زيت القنديل، واضطر للإيحاء للمرضى بأنه يعالجهم بزيت القنديل، فاطمأنوا إليه فلما تعافوا كان لزاماً عليه أن يصارحهم بأن العلاج الذى تعاطوه لم يكن زيت القنديل، ولكنه كان دواءً توصل إليه العلم.

فى قول واحد فإن مشكلات أى مجتمع لا تحل إلا بالعلم، فإذا كان هذا المجتمع لا يحترم العلم، صار من الصعب تحقيق ذلك، غير أن واجب العلماء ألا ييأسوا، وعليهم العمل بدأب لكى يقتنع الجميع أنه بالعلم وليس بالخرافة والفهلوة تحل مشكلات الناس. ولن يتأتى هذا إلا بتغيير “التركيبة” المجتمعية السائدة الآن بحيث يكون العلماء نخبة المجتمع باعتبارهم القيمة والقامة فى آن واحد، وليكن لنا فى جائحة وباء كورونا العبرة، فالعالم بأسره فى انتظار العلماء دون غيرهم لكى ينقذوه من هذا الفيروس اللعين الذى يحصد الأرواح بلا رحمة متخطياً كل الحدود، لا يفرق فى ذلك بين الأغنياء والفقراء، ولا بين الأمراء والخفراء، ولا بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، ولا بين عرق وعرق، ولا لون ولون.

د. محمد محمود يوسف

أستاذ بزراعة الإسكندرية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق