رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحقيقة الغائبة

بريد الجمعة;

ترددت كثيرا فى الكتابة إليك, ثم قررت أن أشركك فى مشكلتى, فأنا رجل فى الثامنة والأربعين من عمرى، أنتمى إلى أسرة من الطبقة المتوسطة بإحدى محافظات الوجه البحرى, ولى خمسة إخوة, اثنان ذكور وثلاث إناث وكلنا متزوجون، وقد استقرت بى الحال فى القاهرة, وأنا ملتزم دينيا وأتقى الله فى كل تصرفاتي, وقد تخرجت فى إحدى كليات الأزهر, وأعمل بشركة حكومية،

وتبدأ قصتى قبل أربعة عشر عاما عندما أردت الزواج, حيث رشح لى أحد أصدقائى زوجة من القاهرة, وقال لى إنها حاصلة على دبلوم متوسط ومن أسرة بسيطة, فوافقت عليها من حيث المبدأ والتقيتها فوجدتها على قدر كبير من الجمال, وتزوجنا سريعا، ومر العام الأول على خير, ولم يحدث فيه ما يعكر صفو حياتنا، ثم ظهرت على حقيقتها، إذ افتعلت المشكلات مع الأهل والمعارف وراحت تؤذى الجيران, وعاملت أهلى أسوأ معاملة, وعندما تزورنى أختى تخفى عنها الطعام والشراب, وبالعكس تتعامل مع أهلها، إذ تقدم لهم كل شىء بوجه بشوش، وأريحية، فهى من نوعية النساء اللاتى يردن أن يجافى الابن أمه التى حملته وهنا على وهن، وكرّست له حياتها، وحرمت نفسها من كل شىء لكى تعطيه له.

وهكذا بدلا من أن يكون الزواج سكنا ومودة إذا به يصبح الجحيم بعينه, ومع ذلك تحاملت على نفسى وحاولت تقويم اعوجاجها على مدى سنوات حتى أنجبت ثلاثة أطفال، لكنها ماضية فى خطها الذى رسمته لنفسها بأنه لا سمع ولا طاعة إلا لأهوائها الشخصية, ولم تستجب لنصيحتى لها بالذهاب إلى طبيب نفسي, وترفض أى حديث عن هذا الكلام الفاضي, بل تتهمنى بالجنون لأن ما تفعله هو الصحيح!

ولقد وصل بها الأمر لدرجة أنها لا تنظف المنزل, ولا تهتم بشئونه، وكثيرا ما تنادى أبناءها أمامى بألفاظ سوقية يأبى حيائى أن يذكرها!، أما إذا وجدتنى أقرأ كتابا فإنها تسمعنى كلاما فجا, فهى عدوة القراءة والاطلاع بالرغم من أن بيتنا يضم مكتبة دينية وعلمية وثقافية وقانونية, وإذا رأتنى أقرأ جريدة تكاد تنزعها من يدى لكى تمزقها وتستريح!

لقد زادت علاقتها بأهلى سوءا فى السنوات الأخيرة, حتى إنها ترفض الرد على مكالماتهم الهاتفية, وتطالبنى بأن أدّعى لهم أنها فى الحمام أو بالخارج أو نائمة, أو غير ذلك من الأسباب والذرائع، وحدث أن مرضت والدتى مرضا شديدا اقتضى منى أن آخذ إجازة من العمل لكى أسافر إليها فى محافظتنا القريبة من القاهرة, فلم تكلف نفسها ولو مجرد نقل السلام إليها! أو أن تسألنى بعد عودتى: «أمك عامله إيه»؟.. وهى كلمات بسيطة لكنها تعنى الكثير, وبإمكان أى سيدة أن تقولها لأهل زوجها فتسعدهم وتقربهم منها وتكسبهم فى صفها.. أما زوجتى فلها فلسفة خاصة تختلف عن باقى البشر!

وأراها تفعل ما فعلته زوجة سيدنا إسماعيل عندما قابلت أباه سيدنا إبراهيم مقابلة غير لائقة, إذ قال لها: أبلغى إسماعيل بـ «أن يغير عتبة بيته», فلما نقلت ما سمعته من حماها إلى زوجها طلقها لهذا السبب.

إننى أتقى الله فيها, لكنها ليست كذلك, فلقد قلبت الأوضاع, وبدلا من أن تشكو منى لأننى «سى السيد» مثلما هى الحال فى زيجات كثيرة, إذا بى أنا الشاكى منها لتصرفاتها معي! فحياتى معها ثمار بلا رائحة, ومعاداة للذوق والجمال, حيث تعيش خارج المعايير وفوق المنطق، وتصبغ شفتيها بالأحمر بينما يخرج من بينهما كل ما هو أسود!

وإذا كانت الحياة الزوجية ميثاقا غليظا وشركة تقوم على المودة والرحمة لا يبخل فرد فيها على الآخر بما يحفظ دوام الحياة، فإن حق كفالة الرجل المرأة يقابله حق رعاية المرأة الزوج بتدبير شئون منزله من نظافة وطهو وغسل الملابس, ورعاية الأولاد.

وأنا مثل كل الرجال أحب أن تكون زوجتى على جميع الأنماط.. أحبها صديقة فى الوقت الذى أريد أن أفضفض فيه عما بداخلى من مشكلات أو منغصات, وأريدها أختا حينما أود أن أحكى لها بعض همومي, وأحبها أما عندما أحتاج إلى أن أضع رأسى على صدرها وأبكى وأمتص حنانها الذى يعيننى على تحمل متاعب الحياة, وأريدها حبيبة عندما أرغب فى السكن إليها وأرتاح بين يديها, ولكن بعد فقدى كل هذه الصفات فى شريكة حياتي, فإننى أرغب فى البحث عن زوجة جديدة بهذه المواصفات، فهل تشاركنى الرأي, وهل لديك حل لمن يعانين اعوجاج الشخصية ويحولن حياة أزواجهن إلى جحيم لا يطاق؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

 

لقد جعلت نفسك حكما وجلادا فى وقت واحد.. حكما بأن أصدرت فرمانا بعدم توافر المعايير الزوجية التى وضعتها حسب مزاجك الشخصى فى شريكة حياتك.. وجلادا بأن رحت تكيل لها الاتهامات دون دليل, وبغير أن تشرح مواقفك معها على مدى سنوات عمر زواجكما الأربع عشرة!

والحقيقة أن رسالتك تكشف عن ملاحظات أساسية تتعلق بشخصيتك وتركيبتك النفسية من قراءة سطورها الأولي, فلقد وصفت نفسك بأنك خريج جامعة الأزهر وملتزم دينيا فى كل تصرفاتك, وبأنك استجبت لترشيح أحد أصدقائك أخت زوجته لكى ترتبط بها, فإذا بك توافق على الفور لمجرد أنها على قدر كبير من الجمال.. وهكذا أفصحت عن شخصيتك منذ البداية فأنت تبحث عن الجمال, ولم تلتفت إلى الثوابت المعروفة عند اختيار الزوجة, ونسيت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع.. لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك».

وبالطبع فإن ذات الدين هى التى تتصف بالأخلاق القويمة والسلوك الحميد.. إذا نظر إليها زوجها سرته, وإذا أمرها أطاعته, وإذا أقسم عليها أبرته، وإذا غاب عنها حفظته فى ماله وعرضها، لكنك للأسف الشديد تغاضيت عن كل ذلك, وانجذبت فقط إلى الجمال الأخاذ, وهو جمال لا يدوم طويلا، إذ تتكشف الحقائق المرة فيمن تتصف به وحده بعد أن يكون قد أخذ غرضه الغريزى منها وتوارى الجمال الشكلى شيئا فشيئا!

وأتوقف عند عبارتك التى قلت فيها: إنها تغيرت بعد عام من الزواج وإنجابها الطفل الأول! وأستغرب كثيرا مما تدعيه عن اعوجاج شخصيتها ومرضها النفسي, فالطبيعى أن الإنسان لا يتخلى عن طباعه بسهولة, فكيف توارت عنك عصبية زوجتك ولسانها السليط وعدم نظافتها وأنانيتها لمدة عام كامل، ثم كيف كانت تعامل أهلك طوال ذلك العام؟

هناك بالتأكيد حقائق غائبة لم تكشف عنها, ولم تقل لنا ما الذى فعلته معها لكى تتغير بهذا الشكل, فكل فعل له رد فعل, وما تقوله عنها قد تكون له أسبابه ومبرراته.

وألمح بين سطور رسالتك شيئا من ذلك عندما تقول إنها حاصلة على مؤهل متوسط, وتتضايق عندما تراك وأنت تقرأ كتابا أو صحيفة إلى غير ذلك من المبررات الواهية التى تحاول بها إيهام نفسك قبل إيهام الآخرين بأنك انخدعت فيها, وبالتالى من حقك أن تتزوج عليها.

منتهى الأنانية أن يصل تفكير أى إنسان إلى هذا الحد من الاستئثار لنفسه بالقرار دون أن يتيح الفرصة للطرف الآخر لسماع أقواله.. هل تريد زوجة وأما وأختا وحبيبة وصديقة بغير أن تكون أنت لها كذلك؟!

يا سيدى إذا أردت أن تمضى بك الحياة هادئة ومستقرة, عد إلى رشدك وضع الأمور فى مكانها الصحيح, ولا تتهم زوجتك بما ليس فيها, وحاول أن تقترب منها وأن تكون لها سندا ومعينا على تجاوز الأزمة النفسية التى وضعتها فيها.. قل لها إنها أهم إنسانة فى حياتك, وأنك لن تستطيع الاستغناء عنها, وأنها أملك فى الحياة.. افعل ذلك وسترى النتيجة الإيجابية عليك وعلى أسرتك وأولادك وأهلك بعيدا عن الطبيب النفسى الذى لن يكون له دور ملموس فى مثل هذه المشكلة.

أما التفكير الأنانى فى زوجة ثانية مع الاحتفاظ بالزوجة الأولي، فلا أحبذه ولو فعلت ذلك فسوف تفتح على نفسك جبهة جديدة من الاضطراب وعدم الاستقرار، ثم الندم بعد فوات الأوان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق