رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الصراع المفترض .. جدل لن ينتهى

خلال إعداد هذا الملف لم أستطع تجاهل دراسة مررت بها بالصدفة العام الماضى جاءت ضمن استطلاع عالمى ضخم أجرته مؤسسة «ويلكم» عام 2018 وهى من أبرز المؤسسات المعنية بدراسة كيف يفكر الناس حول العالم بالعلوم والتحديات الصحية - حيث سئل أكثر من 140 ألف شخص حول العالم عما إذا كان العلم قد تعارض مع تعاليم دينهم. أجاب 29 % فقط بالإيجاب.

وكانت المفاجأة فى التناقض بين الشرق والغرب، حيث أجاب 32% من المشاركين بالشرق الأوسط بالإيجاب، بينما فى الولايات المتحدة أجاب 59 % بالإيجاب، وكذلك 53% من الأوروبيين. وبشأن مدى تفضيلهم للدين أو العلم إذا ما شعروا بأنهما يتعارضان معا؛ أجاب 58% من المشاركين بأمريكا الشمالية بأنهم سيفضلون الدين على العلم، وفى أوروبا فضل 49% العلم على الدين، بينما فضل 55% من المشاركين بالشرق الأوسط الدين على العلم.

 

لطالما كانت الفكرة المسيطرة على النقاش الفكرى العالمى هى وجود صراع حتمى بين العلم والدين، واحتل ذلك جزءاً كبيراً من الخيال الشعبى إلا أن هذه الدراسة تكسر تلك الصورة النمطية المعتادة حيث لا يرى كثير من الناس حول العالم صراعا بين معتقداتهم الدينية والعلم، لكنها تثير أيضا تساؤلات حول واقع هذا الصراع المفترض وتموضعه بالمركزية الفكرية الغربية وكيف ينظر له فى الشرق والتأثير المتبادل لتاريخ التفاعل بين العلم والدين ونظرية الصراع بينهما بالثقافتين العربية والغربية. يتجدد هذا الجدل مرة أخرى فى ظل جائحة فيروس كورونا المستجد حيث يصر البعض على إحياء الصراع بين الدين والعلم فى التعامل مع تلك الأزمة. وربما يكون ذلك كله مدخلا مناسبا لمناقشة ما يطرحه كتاب «الصراع بين العلم والدين.. الفكرة التى لن تموت»، الذى شارك فيه 22 عالما بارزا من تخصصات متنوعة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث ناقشوا وتتبعوا أطروحة الحرب أو الصراع بين العلم والدين، والأطر التفسيرية للعلاقات التاريخية بينهما، مبرزين كيف ظل نموذج الصراع مسيطرا فى ذهن الجمهور ومن ثم على الخطاب العام، رغم القراءات الفكرية المختلفة.

بعض الأسئلة التى تم استكشافها فى الكتاب تتضمن: ما هى الظروف والخصوصية الدينية التى أثرت على كبار المفكرين ممن دافعوا بلا هوادة عن أطروحة الصراع؟ كيف أثرت أطروحة الصراع على الطوائف الدينية المختلفة، بما فى ذلك الإنجيليون والبروتستانت الليبراليون والكاثوليك والمسيحيون الأرثوذكس الشرقيون واليهود والمسلمين؟ وما هو التراث التاريخى والاجتماعى لأطروحة الصراع فى الثقافة الشعبية والخطاب الفكرى اليوم؟. يؤمن العلماء المشاركون بالكتاب بأنه «لم تكن هناك أبدا حرب منهجية بين العلم والدين»، مؤكدين صعوبة القضاء على فكرة الصراع بين العلم والدين، محللين كيف ترسخت بالإنتاج الفكرى من خلال بعض المفكرين المتطرفين الذين استماتوا للدفاع عن تلك الفكرة كما أسهم فى ترسيخها رجال الدين غير العقلانيين. وتعود فكرة الحرب المنهجية الغربية إلى القرن التاسع عشر ، وتحديدا إلي تاريخ ويليام دريبر للصراع بين الدين والعلم (1874)  وتاريخ أندرو ديكسون وايت لحرب العلم مع الدين فى العالم المسيحي(1896) عممت هذه الكتب التى تمت إعادة طباعتها كثيرا قصة الصراع من خلال قراءة جزئية وانتقائية لتاريخ معقد للغاية، باعتمادها على كليشيهات قديمة لا تخلو من التبسيط والمبالغة. يكشف الكتاب كيف تم تكييف هذا الصراع لأهداف مختلفة نتيجة لمجموعة من الظروف الشخصية والمهنية والاجتماعية والكنسية والسياسية الأوسع التى عاصرت تلك الأفكار. ويبحث فى الجذور التاريخية للصراع بالديانات الإبراهيمية الثلاثة والعصر الحالى ليناقش أطروحة الحرب التى تبناها الملحدون الجدد، مبرزا كيف أسهم انشغال الجمهور بالأسئلة والقضايا الاجتماعية والأخلاقية أكثر من الأسئلة والقضايا المعرفية أو المنهج العلمى فى تدعيم تلك الأطروحة لتصبح فكرة لن تموت كما ذكر فى العنوان الفرعى للكتاب.

ولا يختلف ذلك مع ما طرحه الفيلسوف التحليلى البارز ألفين بلانتينجا فى كتابه «العلم والدين والمذهب الطبيعي: أين يكمن الصراع حقا» حيث يؤكد خلاله أن الصراع بين العلم والدين سطحى بينما الصراع بين العلم والمذهب الطبيعى أكثر عمقا، مؤكدا أن العلم يمكنه دعم العقائد الإلهية . ويعزى هذا الصراع المزعوم إلى نجاح المشروع العلمي. لأن العلم أثبت نفسه كطريقة موثوقة للتعرف على العالم ، لذا استغل البعض ذلك لتصوير أن الدين يتعارض بشكل مباشر مع العلم ، من أجل تشويه سمعة الدين. وفى مناقشته لأحد أوجه الخلاف يفرق بلانتينجا بين مفهوم التطور والداروينية، هو يرى الأول متسقاً مع المسيحية فيما يتعلق بتنوع الحياة، بينما الأخير لا يتفق معها لأن جوهرها أن عملية التطور غير موجهة. يؤمن بلانتينجا بأن الصراع أقوى بين العلم والمذهب الطبيعى نظرا لأن الطبيعيين ماديون ، فلا توجد طريقة لديهم لفهم المعتقدات الدينية،  وهكذا «إن الصراع ليس بين العلم والدين الإلهي. إنه بين العلم والطبيعية. هذا هو المكان الذى يكمن فيه الصراع حقا. حيث تعمل الطبيعية كشبه دين بالنسبة لبعض الناس» حيث يرى أن هذا «الدين شبه الطبيعي» هو الذى يتعارض مع العلم ، وليس المسيحية.

يؤكد بلانتينجا أن العلم يعتمد على افتراضات إلهية مختلفة من أجل نجاح أساليبه. وتشمل هذه «الصورة الإلهية» التى يكون فيها البشر قادرين على التفكير العقلانى فى تنظيم الله الدقيق للكون وقوانين الطبيعة والرياضيات، وغيرها. حتى إن الإيمان بالتدخل الإلهى والمعجزات ، لا يتعارض مع «العلم الكلاسيكي» ويتوافق أحيانا بشكل أفضل مع ميكانيكا الكم كما يراه نيوتن وغيره من العلماء ممن يعتقدون أن قوانين الفيزياء تنطبق على الأنظمة المغلقة سببيا.  بينما يأتى التدخل الإلهى من خارج النظام ، وبالتالى، لا ينتهك قوانين الفيزياء - لأنه عندما يحدث التدخل ، لا يتم إغلاق النظام سببيا.

بالتأكيد ستظل القضية تثير جدلاِ لا ينتهى وقد يعود جزء كبير من قناعتنا بوجود صراع بين العلم والدين إلى جانب نفسى وعقلى كما أثبتته دراسة بجامعة كيس ويسترن ريزيرف حيث توصلت إلى أن الصراع بين العلم والدين قد تكون له أصوله فى بنية أدمغتنا، حيث يقمع الناس شبكة الخلايا العصبية المستخدمة في التفكير التحليلى عندما يتعلق الأمر بإيمانهم بالله، ويشركون شبكة عواطفهم، على عكس ما يفعلون تماما عند التفكير التحليلى فى العالم المادي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق