رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الايمان الاعمى واضطراب البوصــلة

محمل بوجهة نظر مغايرة تعارض بقوة محاولات طمس الحدود بين الدين والممارسة الطبية؛ يأتى كتاب «الإيمان الأعمى : التحالف غير المقدس بين الدين والطب» للدكتور ريتشارد سلون، أستاذ الطب السلوكى بجامعة كولومبيا، بعيدا عن العاطفة ليعالج ما يعتبره توازنا هشا وتحالفا خطيرا بين الدين والطب. ورغم أنه لا ينفى حقيقة أن الدين يمكن أن يجلب الشعور بالراحة فى الأوقات الصعبة، إلا أنه يعتقد، ويثبت أنه لا يوجد دليل مقنع على أن الإيمان يوفر علاجا حقيقيا لأى مرض.

يتتبع الكتاب التاريخ الطويل لفكرة أن الفرد لديه سلطة على صحته فى الثقافة الشعبية الأمريكية استنادا إلى حركات «علاج العقل» بالقرن التاسع عشر. وبعد خمسين عامًا، عبرت حركة الفكر الجديد، التى أطلق عليها عالم النفس والفيلسوف ويليام جيمس «دين العقل السليم»، عن وجهة نظر متشابهة من خلال التركيز على الأفكار الإيجابية وتجنب الأفكار السلبية، حيث يمكن للناس إبعاد المرض فاستمرت فكرة التحكم فى الصحة من خلال «قوة التفكير الإيجابى» لنورمان فنسنت بيل الذى تحول إلى كتاب شعبى اليوم، وكذلك كتاب «السر» بقلم روندا بيرن، والذى يقوم على أنه لاكتساب صحة جيدة كل ما لدينا القيام به هو توجيه طلباتنا إلى الكون.

صحيح أنه فى بعض النواحى لدينا سيطرة على صحتنا. من خلال ممارسة الرياضة وتناول الأطعمة الصحية وعدم التدخين، فإننا نقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والسرطان. لكن الاعتقاد بأن الروحانيات تساعدنا على التعافى من الإصابة أو المرض يتجاوز السلوك الصحى. إنه يعكس الرأى المستمر بأن الشخصية أو طريقة التفكير يمكن أن ترفع أو تقلل من احتمالية المرض. وعلى الرغم من أن الأطباء المعاصرين رفضوا هذه المعتقدات، إلا أنه فى العشرين عاما الماضية، تضمنت الأدبيات الطبية بشكل متزايد دراسات تبحث فى إمكانية ارتباط الخصائص الإيجابية مثل التفاؤل والروحانية بالصحة الجيدة. ولاتزال الكتب عن الفوائد الصحية للسعادة والنظرة الإيجابية هى الأكثر مبيعا.

يقدم سلون هنا دراسة نقدية من خلال الكشف عن الأبحاث المعيبة والتلاعب بالاحصاءات، موضحا كيف يتم تخريب العلوم الطبية الجيدة بل وإفساد الدين والإيمان نفسه، وذلك من خلال محاولته الإجابة عن ثلاث أسئلة: هل تمثل الجهود لربط الدين بالصحة علما جيدا؟ هل تمثل وتقدم دواء جيدا؟ هل تعد نموذجا صالحا للدين والتدين؟ يشير إلى أننا نواجه الآن طوفانا من الاهتمام بربط الدين بالطب، كاشفا السبب خلف الاهتمام المتصاعد بتلك الدراسات بما فى ذلك التمويل من منظمات مثل مؤسسة تمبلتون وغيرها، ووسائل الإعلام التى تفتقد للرؤى العلمية النقدية، والاهتمام الشعبى النشط بالدين. كما يبرز دور من يصفهم بالباحثين المتحيزين دينيا كقوى دافعة وراء الكثير من الأبحاث فى هذا المجال، مثل د.ويليام ويلسون، د.ويليام هاريس، المدافع الدائم عن دمج الدين والطب، ود.ديفيد لارسون، وهو لاعب رئيسى فى مجال الروحانية والصحة. وكذلك كل من جيفرى ليفين وهارولد كونيج. يؤكد سلون توفير المزيد من التمويل لأبحاث الدين والرعاية الصحية من قبل المجموعة المسيحية المحافظة، الأمر الذى يثير القلق عندما نتبين كيف أن بعض الأبحاث التى ينشرها الكثير من المجلات العلمية وتتلقفها الصحف تكون بالأصل مدفوعة بأجندة طائفية وأن العديد من الشخصيات المهمة سيكونون على استعداد لتعليق حكمهم على أساس حقائق تبدو «موضوعية» فرضتها بعض الاتجاهات الدينية التى لها تأثير على الحكومات، لافتا إلى أن الحكومة الأمريكية أنفقت أكثر من 3٫5 مليون دولار على أبحاث الشفاء بالصلاة منذ عام 2000.

ويشتبك سلون مع تلك الحجة مبرزا الطريقة العلمية الصحيحة لتصميم البحث وأهمية المجموعة الضابطة، حجم العينة، وغيرها من العناصر التى تساهم فى إخراج دراسة محكمة، مفندا الادعاءات القائلة بأن أغلب الدراسات قد «وجدت أن المشاركة الدينية والروحانية ترتبط بنتائج صحية أفضل». من خلال إلقاء نظرة فاحصة على أجزاء مختارة من مجموعة الدراسات التى تم الاستشهاد بها كدليل. وكأحد الأمثلة يكشف كيف أن دراسة كبيرة خضع لها 1800 مريض - بلغت تكلفتها 2.4 مليون دولار، وجاءت معظم الأموال من مؤسسة جون تمبلتون، التى تدعم البحث فى الروحانيات - توصلت إلى أن الصلوات لم يكن لها تأثير على تعافى الأشخاص الذين خضعوا لجراحة فى القلب. كانت المشكلة أن الباحثين فشلوا فى مراعاة حتى أكثر العوامل المحتملة وضوحا، بما فى ذلك المؤشرات الصحية الأخرى مثل التدخين وارتفاع ضغط الدم، أو المتغيرات الاجتماعية ذات الصلة مثل الحالة الاجتماعية. وحاولت دراسة مماثلة ربط نقص التدين بالوفاة. ومع ذلك، كان ضعفها القاتل هو أنها ركزت على عامل التدين وحده دون عوامل أخرى. وينطبق الشيء نفسه على الجهود المبذولة لاستخدام تقنيات التصوير العصبى الحديثة لالتقاط «صورة الله»، على النحو الذى اقترحه أندرو نيوبيرج، طبيب الأعصاب فى جامعة بنسلفانيا، وهذا ما يعتبره سلون يمثل بالضبط الوثنية الزائفة التى تحذرنا العديد من الأديان لتجنبها.

وبعيدا عن الجوانب العلمية المقلقة فى تلك الدراسات المعيبة فإن سلون يبرز هنا مخاطر هذا التوجه على الدين والتدين ومهنة الطب وتوصيف دور ومهمة الأطباء، فهو يصف الدين بأنه متعدد الأوجه ويشعر أن اختزاله فى الدراسات العصبية، التى تحاول ربط التجارب الدينية مع نشاط الدماغ كطريقة سلوكية، مثل التمارين، يعد تجاوزا على قيمة الدين الحقيقية وقد يثير صراعا محتملا من فحص الآثار المقارنة من مختلف الأديان والطوائف، مضيفا «الدين والعلم يختلفان اختلافا جوهريا، حيث يعتمد الأول على الإيمان كمصدر للحكمة والأخير يطلب الأدلة. لهذا لا يمكن لمحاولات فهم التجربة بالوسائل العلمية أن تكون مرضية للدين. يمكنها فقط إرضاء العلم. ومن خلال تطبيق الاختزال العلمى، تتضاءل الجوانب المتسامحة للتجربة الدينية إن لم تُفقد تماما. فمتطلبات القياس للعلم تقلل من الدين والروحانية إلى شيء لا يمثلهما بشكل كامل ونتيجة لذلك يسيء إليهما».

ومن القضايا المهمة التى يثيرها أيضا سعى بعض تلك الدراسات لاستكشاف ما إذا كانت الصلاة المسيحية أكثر صحة من الصلوات بالاديان الاخرى وأفضل تأثيرا على صحة المريض، مما قد يؤدى لتعميق الاختلاف وإثارة فتن لا حاجة لها. وكذلك المشاكل الأخلاقية التى يمكن أن تنشأ عندما يحاول الأطباء إدخال الدين فى الممارسة الطبية، مثل نقص تدريب الأطباء فى المجالات الدينية، والتلاعب بإيمان المريض الذى يكون خائفا وضعيفا فى مواجهة السلطة التى يتمتع بها الطبيب، بل وإساءة الحكم على كفاءة الأطباء من قبل المرضى أحيانا الذين قد يفضلون الاستعانة بطبيب تبدو عليه علامات الورع والتدين أكثر من غيره رغم عدم كفاءته وهو أمر شائع جدا فى الوعى الدينى الشعبى الذى يجنح للحكم وفق المظهر أكثر من الجوهر. يرى سلون أن الأطباء يخاطرون بتجاوز الحدود الأخلاقية أيضا عندما يخبرون مرضاهم أن الممارسات الدينية يمكنها أن تحسن صحتهم. 

جميعنا، عاجلاً أم آجلاً، سوف نستسلم للمرض والموت. بالنسبة للكثيرين، سيثير المرض مخاوف دينية وروحية مهمة، بينما سيوفر الراحة للبعض والقلق للبعض الآخر.لا أحد يجادل فى أهمية هذه المخاوف، لكن إدراك أنها تنشأ فى أوقات المرض لا يعنى بالتأكيد أن الأطباء يجب أن يتحملوها كمهمة روحية وكجزء من مسئوليتهم. هذه الأمور يجب أن تخص المرضى وأسرهم ورجال الدين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق