رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى الحقول

جى دو موباسان - ترجمة حسام أبو سعدة

الكوخان متلاصقان تحت التل، بالقرب من قرية صغيرة. القرويان يعملان بجدية فى الأرض المريضة لتربية أطفالهما. فى كل مسكن أربعة أطفال يجتمعون أمام البابين المتجاورين ويلعبون من الصباح إلى المساء. الكبيران فى السادسة من العمر بينما الصغيران حوالى خمسة عشر شهرًا. مواعيد الزواج والإنجاب متشابهة فى الكوخين.

ما أن تنتهى الوالدتان من طهو الطعام حتى يقوم الوالدان بإعداد المائدة. الأسماء الثمانية تختلط دائمًا فى العقول. عندما نحتاج النداء على أحدهم، ينادى الرجال على ثلاثة أسماء قبل أن يصلوا إلى الاسم الصحيح.

أول الكوخين قادم من محطة المياه فى «رولبورت» يشغلها «توفاش» الذى لديه ثلاث بنات وولد واحد. المنزل الآخر تشغله أسرة «فيلان» وله فتاة واحدة وثلاثة أولاد.

كل هؤلاء يعيشون على المرقة والبطاطس فى الهواء الطلق. يجتمعون فى السابعة صباحًا ثم فى الثانية عشرة ظهرًا ثم السادسة مساءً ليقدموا العجائن للصغار. الكبار يجمعون الصغار مثل مربى الدجاج. يجلس الأطفال فى صف حسب السن حول المنضدة العتيقة المصنوعة من خمسين عامًا. الأصغر منهم يصل فمه بالكاد إلى سطح المنضدة. يضعون أمامهم أطباقًا مليئة بالخبز المنقوع فى المرقة المطهوة بالبطاطس ونصف كرنبة محلاة بالزبد وثلاث بصلات وينهمك الجميع فى الطعام حتى الشبع. الأم تعاون الصغير على الطعام. فى يوم الأحد يضعون القليل من اللحم على النيران. إنه يوم عيد بالنسبة للجميع و الأب فى هذا اليوم يتأخر قليلًا وهو يقول: لقد عملت كثيرًا طوال الأسبوع.

فى إحدى أمسيات شهر أغسطس توقفت فجأة عربة خفيفة أمام الكوخين تقودها سيدة صغيرة بنفسها وقالت للسيد الجالس بجوارها:

- آه! انظر «هنرى» هؤلاء الأطفال. أليسوا فى غاية الجمال و هم ملطخون بالتراب؟!

الرجل الذى اعتاد هذه الكلمات لم يرد. كلماتها مؤلمة ولائمة. استكملت السيدة الصغيرة:

يجب أن أحتضنهم. آه! أحلم أن يكون لدى طفل واحد مثل هذا الصغير جدًا.

قفزت من العربة وجرت نحوهم تحتضن أحد الصغيرين، إنه الصغير «شارلو» الذى ينتمى إلى أسرة «توفاش». قبلته فى وجنتيه الملطختين بالتراب وربتت على شعره الأشقر المتسخ وعلى يديه الصغيرتين العابثتين.

ثم صعدت إلى العربة ورحلت و هى تحث الحصان على الإسراع. لكنها عادت فى الأسبوع التالى. جلست بنفسها على الأرض، أخذت «شارلو» فى أحضانها وأعطته الجاتو ومنحت البونبون كل الآخرين. لعبت معهم كأنها سوقية مثلهم بينما زوجها ينتظر بصبر فى العربة الفاخرة.

عادت مرة أخرى وتعرفت على الأهل ثم أصبحت تأتى كل يوم وجيوبها ممتلئة بالحلويات وقطع النقود الصغيرة. اسمها حرم «هنرى هوبيار».

فى ذات صباح هبط زوجها من العربة. لم تتوقف بين الأطفال الذين أصبحوا يعرفونها الآن، بل اتجهت هى وزوجها إلى المنزل. كان الفلاحان يعدان النيران لصنع المرقة. هبا واقفين وقدما لهما المقاعد وظلا صامتين. قالت السيدة بصوت مرتجف:

أصدقائى الأعزاء، جئت لأطلب منكم... أطلب منكم... أطلب... ابنكم... ابنكم الصغير.

الفلاحان ذهلا، توقف عقلهما تمامًا ولم يجب أى منهما. أكملت السيدة فى تلعثم:

- ليس لدينا أطفال، نعيش فى وحدة، زوجى وأنا... سنأخذه... هل توافقان؟

فهمت الفلاحة ما تقصده و سألت:

- هل تريدين أخذ هذا الصغير «شارلو»؟ لا بالتأكيد.

تدخل زوج السيدة قائلًا:

- هناك سوء فهم سيدتى. نرغب فى أن نتبناه لكنه سيأتى لزيارتكم. حتى لو صارت الأمور بشكل جيد كما نريد سيصبح وريثنا. على سبيل المثال لو أنجبنا أطفالا فيما بعد سيصبح وريثًا متساويًا لهم و لو رفض الطفل طاعتنا سنمنحه عشرين ألف فرنك وسنقوم بتسجيل هذا المبلغ باسمه فى المحكمة.

ولأننا نفكر بكم سنظل فى خدمتكم حتى الممات بمبلغ مائة فرنك فى الشهر. هل فهمتهم قصدى؟

هبت الفلاحة واقفة فى غضب وقالت:

- هل تريد أن أبيع لك «شارلو»؟ لا، مستحيل أن تطلب من الأم ذلك. لا طبعًا، هذا فُحش.

لم يقل السيد شيئًا، تفكر بجدية وهو يرقب زوجته التى فقدت صوابها وراحت تبكى وهى ترنو إليه وتغمغم بصوت طفولى مفعم بالأسي:

- لا يريدون يا «هنرى». لا يريدون.

قام السيد بالمحاولة الأخيرة و هو يقول:

- فكروا يا أصدقائى فى مستقبل الطفل، فى سعادته، فى...

قاطعته الفلاحة بغضب:

- لقد سمعت كل شىء وفهمت كل شىء وفكرت جيدًا. اذهبا بعيدًا، لن أبيع ابنى بهذه الطريقة أبدًا.

خرجت السيدة وهى تبكى. تذكرت أن هناك طفلًا آخر صغيرًا فسألت من بين دموعها:

- هل الطفل الآخر ابنك؟

الأب « توفاش» قال:

- لا، إنه ابن جيراننا. من الممكن أن تذهبا إليهما إن أردتما.

قال ذلك ثم دخل بيته و أغلق الباب بينما مازالت الأم تصيح فى غضب.

فى أسرة «فيلان» كان الزوجان حول المائدة يتناولان الخبز المطهو بالقليل من الزبد فى طبق واحد بينهما. بدأ السيد «هنرى» فى تقديم عرضه بحرص شديد ولباقة.

القرويان هزا رأسهما بالرفض لكن عندما علما بمبلغ مائة فرنك فى الشهر راح كل منهما يرنو إلى الآخر وهو يتفكر. التزما الصمت فترة طويلة، يتفكران، يترددان و أخيرًا سألت الأم:

- ماذا يقول هذا الرجل؟

أجاب زوجها بصوت مضخم:

- هذا الرجل يحدثنا باحتقار.

السيدة «هوبيار» التى ترتجف من الألم راحت تتحدث عن مستقبل الطفل وسعادته وعن المال الذى سيحصل عليه بعد ذلك. سأل القروي:

- ألن نُثبت مبلغ الألف ومائتى فرنك فى العام عند المحامى؟

قال السيد «هوبيار»:

- بالتأكيد، من الغد.

الفلاحة التى تفكر بجدية قالت:

- مائة فرنك ليست كافية من أجل هذا الصغير. إنه سيعمل بعد بضع سنوات ويأتى لنا بالمال. يجب أن يكون الراتب مائة وعشرين فرنكًا.

السيدة «هوبيار» ارتجفت فى صبر نافد لكنها وافقت على الفور ولأنها تتعجل الأمر منحتها مائة فرنك على سبيل الهدية بينما بدأ الزوج فى كتابة العقد. ولأن المحافظ جارهما أتى بسرعة وأحضرا الشهود.

الزوجة الثرية حملت الطفل مبتهجة كما لو كان دمية اشترتها من المتجر.

وقفت أسرة «توفاش» على الباب تتأمل الأثرياء وهم يرحلون. ربما نادمان على الرفض.

لم يعد أحد يذكر اسم «جون فيلان». والداه يذهبان إلى المحامى كل شهر للحصول على المائة وعشرين فرنك. دب الشجار بين الكوخين المتجاورين لأن أسرة «توفاش» تتهم «فيلان» بالقذارة والحقارة. من حين لآخر تلتقط أم «شارلو» ابنها فى حضنها و هى تقول:

- لم أبعك، لم أبعك يا صغيرى. لا أبيع أولادى. لست ثرية لكننى لا أبيع أولادى.

مرت أعوام وأعوام و الأزمة تشتد بين الكوخين. الأم «توفاش» تشعر بالفخر لأنها أرقى وأعظم من جيرانها لأنها رفضت بيع «شارلو». كل من تتحدث معهم يحمدون فعلها ويمدحون نبل أخلاقها.

أصبح «شارلو» فى الثامنة عشرة من العمر وهو يشعر بالفخر والتعالى بين أصدقائه لأن أهله لم تبيعوه.

أسرة «فيلان» تعيش فى بحبوحة بينما أسرة «توفاش» بقيت تعانى البؤس. ابنهما الأكبر رحل للخدمة العسكرية، ابنهما الثانى توفى وأصبح «شارلو» وحيدًا مع والديه العجوزان لإطعام والدته وأختيه الصغيرتين.

أصبح فى العشرين من العمر. وفى ذات صباح توقفت عربة تتلألأ بين الكوخين وهبط منها شاب صغير يتفاخر بساعته الذهبية وهو يتأبط ذراع سيدة عجوز بيضاء الشعر. قالت له السيدة:

- هنا يا بنى. هنا بيتك الثانى.

دخل الشاب إلى بيته فى أسرة «فيلان». كانت أمه العجوز تغسل ثوبها بينما الوالد ينعس فى الفراش. رفع العجوزان رأسيهما و قال الشاب الصغير:

- صباح الخير يا أبى. صباح الخير يا أمى.

وقفا مذعورين. سقطت قطعة الصابون من الفلاحة فى المياه و غمغمت:

- هل أنت ابنى؟ هل أنت ابنى؟

احتضنها الشاب وهو يكرر: صباح الخير يا أمى.

بينما ارتجف الأب وهو يقول بصوته الهادئ دائمًا كأنما قد مر عليه شهر واحد فقط دون رؤية ابنه:

- ها أنت قد عدت يا «جون».

بعد أن تم التعارف بينهم أراد الوالدان الخروج بصحبة ابنهما ليقدماه إلى أهل البلدة بفخر. ذهبوا إلى الخورى ومسئول البلدية و كل الجيران.

وقف «شارلو» أمام كوخه يرقب ما يحدث وعندما هبط المساء، وهو يتناول العشاء مع أهله قال:

- هل تعلمان أنكما كنتما غبيين لأنكما سمحتما للسيدة بأخذ «فيلان» الصغير؟

قالت الأم فى استياء:

- أنا لا أبيع أولادى أبدًا.

لم يقل الأب شيئًا. قال «شارلو»:

- أليست حياتنا بائسة؟

اندفع الأب فى غضب:

- هل تلومنا لأننا حافظنا عليك.

قال الابن:

- نعم ألومكما لأنكما غبيان. أمثالكما يدفعان أولادهما للحياة فى بؤس. ما الذى سأرثه منكما.

بكت الأم الطيبة وسقطت دموعها فى الطبق ثم قالت:

- أنتحر إذًا لتربية الأطفال؟

قال الابن الثائر:

- أفضل الموت على هذا البؤس. عندما رأيت الآخرعلمت قدر نفسى و قدرمعاناتى.

ثم هب واقفًا وقال:

- أعتقد من الأفضل ألا أبقى هنا لأننى سأظل ألومكما طوال الليل والنهار على هذا البؤس. لن أسامحكما أبدًا.

صمت العجوز وعاد الابن يقول:

- حياتنا قاسية جدًا. سأرحل بحثًا عن نصيبى.

كانت أسرة «فيلان» تحتفل بابنها بينما خرج «شارلو» واختفى فى عتمة الليل.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق