رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ألمٌ خفيف

ألم خفيف كريشة طائر تتنقّل بهدوءٍ من مكان لآخر، عنوان الرواية الأولى للشاعر المصرى السكندرى علاء خالد الصادرة عن 2009، بعد خمسة دواوين شعرية صدرت له بين عامى 1990 و2007، ليغلب عليه فى العقد الثانى من هذا القرن الإنتاج الروائي؛ إذ بعد صدور ديوانه السادس تحت شمس ذاكرة أخرى (شرقيات 2012)، أصدرت له روايتين هما بيت أشباح هاينريش بُل (2018)، ثم «بيت الحرير (2019). وفى ألم خفيف..، التى شهدت تحوله من قصيدة النثر إلى شكل أكثر تركيباً واحتشادا بالنفوس الإنسانية يسمح به اتساع الفضاء الروائى، يُفسِح علاء خالد المجال لمن شاركوه السُّكنى والعيش فى الشارع والبيت الذى وُلد وشبّ وتزوج فيه، فى أحد أحياء الإسكندرية الراقية، يفسحه لأفراد الأسرة وجيران الشارع والبقال تحت البيت، ليشاركوه الوجود والسيرة، لتتحول من سيرة ذاتية لسيرة مكانية، دور البطولة فيها للفيللا التى سكنتها العائلة منذ منتصف القرن الماضى حتى مشارف هذا القرن، ثم للشارع وأهله وجيرانه والبيوت المحيطة بهذه الفيللا، ومعظمها ِفلل تشبهها، تسكنها حكايات وزّع عليها علاء خالد الحق فى الحديث عن نفسها، بعَدْل يندر فى كثير من السير الذاتية التى عادة ما تسيطر عليها وتحتكرها ذات الكاتب الراوى، ولهذا العدل تُذكرنا ألم خفيف.. والمساحة التى يشغلها الكاتب فيها، بثلاثية محفوظ وشخصية كمال أحمد عبدالجواد، وإن كان كمال ليس صورة مرآة لمحفوظ بل يحمل بعض الشبه؛ ومن قبلها «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، وشخصية محسن التى تحمل لكاتبها شبهاً أكبر. كما يأتى التشابه بين ألم خفيف.. وهذه الأعمال أن البطولة للمكان، وهو أمر تكرر فيما قبل وفيما بعد: فى «عمارة يعقوبيان لعلاء الأسوانى، على سبيل المثال، وفى أعمال سابقة وتالية للثلاثية كتبها محفوظ، كزقاق المدق وميرامار. وفى ألم خفيف..، كما فى هذه الأعمال، يشارك الزمن المكان فى البطولة. فنرى ونحن نقرأ كيف اختفت فلل الإسكندرية وقامت الأبراج مكانها، فى التحول التاريخى الذى بدأ فى السبعينيات وتفاقم مع الزمن. كما تنتمى ألم خفيف.. كنوع أدبى، مع ثلاثية محفوظ وبعض كلاسيكيات الرواية عالمياً، إلى طائفة رواية الأجيال، لأنها تحكى عن عائلته، وبالتحديد عائلة أمه، منذ عودة مؤسسها الجد إبراهيم من مغامرته الصحراوية خاوى الوفاض فى نهايات القرن التاسع عشر أو مطالع العشرين، ولكنه استطاع ان يسترد ما فقد ويضاعفه ليصير من الأثرياء، حتى الجيل الخامس للعائلة الذى ينتمى إليه الكاتب الراوى، وهو الابن الأصغر لفتاة يبدأ اسمها بحرف الياء، وقد يكون يسرية إلا أن اليُسر اختفى من فرعها من العائلة، ولمحمد المدرس محدود الدخل الذى ينتمى لأسرة بالمقارنة أكثر شعبية كانت تسكن حى بحرى السكندرى.

تبدأ الرواية بعودة الجد المؤسس إبراهيم المفاجئة، ثم تقفز جيلين فى صفحات قليلة لتستقر عند رئيفة وزوجها عبدالحكيم، ابنيْ العمومة اللذين زوجتهما إرادة الآباء ومزقهما استبداد حلومة أم الجدة رئيفة. وفى صفحات قليلة أخرى نشهد ارتفاع وسقوط الجد عبدالحكيم فى مجال التجارة، وكيف دمره نُبله، حين ضَمَن أخا زوجته وابن عمه الذى كان يمر بمشكلة مالية، فأفقده هذا الضمان ثروته، لتبدأ حكاية البيت الجديد، حيث وُلد الكاتب وسجَّل لنا أحداث هذا البيت، وهو فيللا متواضعة إذا قيست بالبيت الذى يشبه القصور حيث عاشت، أيامَ اليُسر، رئيفة وزوجها عبدالحكيم وابنتها الوسطى الذى يبدأ اسمها بحرف الياء، وكان زوجها يدللها باسم يويو، بعد أن تزوجته فى البيت الجديد، المكون من ثلاثة أدوار عاشت فيها رئيفة وبناتها وأزواجهن والأحفاد الذين تربوا فى هذا البيت، وكان منهم كاتب العمل وراوى أحداثه.. التى سنتأملها معا فى السطور القادمة بإذن الله.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: