رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مؤشرات للأمل وسط غابة من الأرقام

تبدو الأرقام فى علم الإحصاء أحياناً حمّالة أوجه. فبرغم ظاهرها المجرّد فإنه بالوسع تطويعها لاستخلاص دلالات بعينها تتغيّر بحسب زوايا النظر إليها. وحينما يتأمل المرء الأرقام اليومية الخاصة بفيروس كورونا المستجد التى تصدرها منظمة الصحة العالمية أو جامعة جونزهوبكنزالأمريكية أو موقع worldmeters يكتشف أن المشهد رغم قتامته لا يخلو من بعض مؤشرات للأمل كفيلة بالحد ولو قليلاً من حالة الفزع التى تجتاح العالم. جوهر فكرة تدوير الزوايا فى قراءة هذه الأرقام أن المعيار الأكثر تداولاً عبر وسائل الإعلام على مدى الساعة هو أعداد الإصابات والوفيات بالفيروس، وهى أعداد مفزعة بكل تأكيد، لكن التركيز الإعلامى عليها يستقطب معظم الاهتمام فتتراجع إلى الخلف أرقام أخرى تعكس نجاحاً ولو نسبياً فى الصمود أمام الوباء وإمكان الانتصار عليه.

أول هذه الأرقام يتمثل فى أعداد شفاء المصابين بالفيروس (حتى كتابة هذه السطور فجر الأربعاء الماضي)، ففى دولة مثل الصين مثلاً تبلغ نسبة التعافى من الفيروس 94.5% من إجمالى حالات الإصابة، وفى كوريا الجنوبية 72%، وفى ألمانيا 51.5%. والمفارقة التى تثير الدهشة أن نسبة التعافى فى اليابان تبلغ 11% فقط! لكن نجاحها الأكبر كان فى وقف انتشار الفيروس فى بداياته وعدم تجاوز سقف العشرة آلاف إصابة حتى الآن. وفى مصر بلغت نسبة التعافى 24% من إجمالى حالات الإصابة، وهى نسبة تزيد على مثيلتها فى دولة الإمارات 18.9%، والكويت 12.9%. يمكن تفسير هذه المقارنات بعاملين أولهما إمكانات منظومة الرعاية الصحية والتى مكّنت دولاً مثل الصين وكوريا الجنوبية وألمانيا من تحقيق نسبة شفاء كبيرة لدى المصابين بالفيروس. ففى ألمانيا مثلاً خامس أسوأ دولة فى العالم من حيث حالات الإصابة بالفيروس لكنها ثالث أفضل دولة فى العالم من حيث حالات التعافى يوجد أكبر معدّل لأسرّة العناية المركّزة بالمستشفيات مقارنةً بالدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية نفسها التى كان انكشاف منظومتها الصحية كبيراً ومفاجئاحيث تبلغ نسبة التعافى فيها حتى الآن 6% فقط قبل قيامها أخيراً بالتوسع الطارئ فى تجهيز مستشفيات ميدانية وإلزام بعض شركات السيارات والآلات بصناعة أجهزة التنفس الاصطناعي.أما العامل الثانى فى ارتفاع معدلات التعافى من الفيروس فهو سرعة الاستنفار الصحى والانضباط الإدارى والأمنى عقب الغزو الفيروسى فى الصين وكوريا الجنوبية وألمانيا. وسواء اعتبرنا أن عدد حالات التعافى مرده الشفاء التلقائى لدى المصابين بالفيروس أو نتيجة لتدخل وإمكانات منظومة الرعاية الصحية فالدلالة واحدة وهى أن فيروس كورونا المستجد ليس بالشراسة أو درجة الفتك التى عرفتها البشرية فى فيروسات سابقة، لكن الجديد والمقلق فيه هو سهولة انتقاله وانتشاره المريع وسط الناس، ولهذا ثارت مخاوف البعض من احتمال كونه فيروساً تسرّب بطريق الخطأ من تجارب بيولوجية.

وجه آخر للتأمل فى الإحصاءات الخاصة بفيروس كورونا المستجد من خلال الربط بين أعداد المصابين أو المتوفين فى كل دولة وعدد السكان فيها على ضوء التفاوت فى الأحجام النسبية للسكان فى دول العالم. ولو أخذنا بمثل هذا المعيار فإن الترتيب الحالى للدول المنكوبة بالفيروس يمكن أن يتغيّر بشكل كبير. فدولة مثل ألمانيا سوف تتحوّل من الترتيب الخامس وفقاً لمعيار أعداد الإصابة بالفيروس إلى المركز 21 عالمياً وفقاً لمعيار عدد الوفيات (45 حالة وفاة لكل مليون نسمة)، وستصبح الصين فى المركز 80 عالمياً بدلاً من المركز السابع (بحالتى وفاة فقط لكل مليون نسمة)، وستتراجع مصر كدولة متضررة إلى الترتيب 81 عالمياً بدلاً من 53 حالياً (بحالتى وفاة فقط لكل مليون نسمة). والولايات المتحدة الأمريكية نفسها ستصبح الدولة المتضررة رقم 15 على مستوى العالم وليس الدولة الأولى وفقاً لمعيار إجمالى حالات الإصابة (86 حالة وفاة لكل مليون نسمة). وستهبط اليابان إلى الترتيب 105 عالمياً بدلاً من الترتيب 24(حالة وفاة واحدة فقط لكل مليون نسمة).

تتواصل هذه المؤشرات الدلالية المهمة وسط غابة الأرقام التى تتصدرها حالات الإصابة والوفيات حيث ينزوى الرقم الخاص بأعداد الإصابات الحرجة، وهو رقم يبعث على شيء من الأمل فى السيطرة على الفيروس الغامض وكبح جماحه. فحينما نقارن بين حالات الإصابة الحرجة serious critical cases وإجمالى حالات الإصابة بالفيروس يبدو المشهد أقل قتامة حتى فى أشد البلدان المنكوبة به. ففى إيطاليا تبلغ نسبة الإصابات الحرجة إلى إجمالى الإصابات 1.8%، وفى أمريكا 2.1%، وفى إسبانيا 4% وفرنسا 4.3%، وألمانيا 3.1%، وفى كوريا الجنوبية نصف فى المائة، أما فى الصين فتهبط النسبة إلى واحد من عشرة فى المائة!

ما يمكن استخلاصه من هذه الغابة الكثيفة من الأرقام أن المعيار الأكثر تداولاً حالياً عبر وسائل الإعلام لتصنيف الدول المنكوبة بالفيروس وفقاً لمعيار مطلق أعداد الإصابة لا يعكس تماماً درجة جسامة أو فداحة الضرر لأن معدّل الوفيات بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من اندلاع الفيروس ما زال أقل بكثير من معدّل الوفيات فى العالم لأسباب أخرى كأمراض القلب مثلاً، أوحوادث الطرق التى وحدها يموت بسببها مليون و350 ألف شخص سنوياً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية نفسها. هذه المؤشرات الدلالية لا تعنى بحال من الأحوال التقليل من خطورة فيروس كورونا المستجد، ولا من أهمية الإجراءات الاحترازية للتباعد الاجتماعى أو إجراء فحوصات على نطاق واسع أو غيرها من التدابير، لكنها تعنى فقط أن رؤية هذا المشهد القاتم للفيروس من كل زواياه واستخلاص ما هنالك من روابط ودلالات مهمة فى قراءة معطياته يبث الأمل فى ترويضه حتى تحين لحظة الانتصار النهائى عليه باكتشاف لقاح أو دواء. وإلى أن يتحقّق ذلك فليس أمامنا سوى الانضباط والحذر والاستنفار الدائم فى التعامل مع الفيروس الغازي، والاستفادة من الدرس الإيطالى المؤلم، والتحلى بروح التضامن المجتمعى والعالمي، والانتظار بصبر وإيمان لحظة الانفراج الكبير وزوال هذه الحقبة التى سيفرد لها التاريخ يوماً فصلاً مثيراً وطويلاً من الحكايات والدروس والمراجعات. وأولها أن الصين تكاد تخرج من هذه المحنة كدولة منتصرة فى حرب عالمية كبري، وهى بالفعل حرب عالمية. تخرج الصين للعالم اليوم فى 2020، بعد خروجها الأول فى 1979، لتؤكد أن الإرادة والجدية والانضباط قيم تحتاج إليها الشعوب والحكومات فى كل وقت، وفى زمن المحن الكبرى على وجه الخصوص. درس الصين هنا لا يختلف عن درس اليابان أو كوريا الجنوبية أو ماليزيا. إنها آسيا أيها الذكي.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: