رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نقطة تحول

يتسابق المفكرون والسياسيون على استشراف المستقبل بعد انقضاء أزمة وباء كورونا, لما سيكون لها من تداعيات عميقة الأثر على المجتمعات والدول والنظام العالمي, ومن أحدث المساهمات الفكرية فى هذا السياق, مقال هنرى كيسنجر مستشار الأمن القومى ووزير الخارجية الأمريكية الأسبق وهو واحد من أهم مُنظرى السياسة على الصعيد الدولي, والذى نُشر الأسبوع الماضى بصحيفة وول ستريت جورنال يقدم فيه رؤيته حول شكل العالم بعد تجاوز الأزمة الحالية.

ينطلق المقال من نفس الأرضية التى يُحذر منها الكثيرون, وهى الاضطرابات السياسية والاقتصادية المتوقعة والتى ستكون عنوانا للسنوات المقبلة, وإن لم يخلص لنفس النتائج والحلول, خاصة ما ذهب إليه البعض من انتقال القيادة العالمية من الغرب إلى الشرق وتولى الصين الريادة بديلا عن الولايات المتحدة. فبلغة الأرقام ستعانى اقتصادات أغلب الدول, بغض النظر عن مدى تقدمها أو تأخرها الركود, إذ ستشهد انخفاضا فى حجم الناتج المحلى والاستثمارات وحركة السياحة والصناعة والتجارة والطيران وقطاع النفط, وستهبط أنشطة القطاع الخاص والشركات بسبب إجراءات الحظر التى فرضتها سرعة انتشار الوباء, كما أن اضطرار الحكومات المختلفة لتعويض خسائر العديد من قطاعاتها الانتاجية والخدمية وتقديم دعم اجتماعى للفئات الأكثر تضررا سيرهق موازناتها, وبالتالى سينعكس كل ذلك على مجمل الاقتصاد العالمى الذى سيعانى بدوره الانكماش لفترة طويلة قادمة.

وليس الجانب الاقتصادى هو المؤشر الوحيد الذى تقاس به حجم الأزمة ولكن سيكون لها جوانبها السياسية أيضا, وأكثر ما يلفت الانتباه فيها هو أثرها السلبى على الديمقراطية, فبحكم القرارات المتعلقة بمكافحة كوفيد 19, ستتسع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب باقى السلطات, وقد تُلغى الانتخابات والاستفتاءات وأى مظاهر للمشاركة الشعبية, فضلا عن تعليق عمل البرلمانات واستبدال دورها بإصدار تشريعات استثنائية مقيدة للحريات الفردية والعامة, وهو ما حدث بالفعل فى دول عديدة, بما فيها وسط وشرق أوروبا بدأت من المجر التى أقرت تشريعا يعزز من قبضة رئيس الوزراء على السلطة ويعطيه حق اصدار أى مرسوم حكومى دون الرجوع للبرلمان، فضلا عن عدم تحديده جدولا زمنيا لإنهاء هذا الإجراء الاستثنائي, المفارقة أنه لم يكن هناك رد فعل من الاتحاد الأوروبى الذى طالما لعب دور الرقيب على عمليات التحول الديمقراطى فى الدول الشرقية منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتى اثر انهياره وتفككه فى تسعينيات القرن الماضي, وهذا ليس سوى مثال ضمن أمثلة أخرى كثيرة فى مختلف المناطق, ويعنى باختصار أن المناخ العالمى أصبح أكثر تقبلا لهذا النمط غير الديمقراطى فى الحكم, والأخطر أن الوضع المؤقت قد يتحول بحكم الاعتياد إلى وضع دائم.

هذه هى ملامح وعناصر الأزمة التى تستند إليها معظم التحليلات وتمثل قاسما مشتركا بينها, وهى لا تختلف عما يقول به كيسنجر, الذى شبه الأزمة الراهنة بما صاحب الحرب العالمية الثانية عام 1939 ــ 1945, إنما الفارق الرئيسى من وجهة نظره بين المرحلتين يكمن فى دور بلاده, ففى الحالة الأولى كانت الولايات المتحدة ملتفة حول أهداف وطنية كبرى وقادرة على تحمل أعباء ما بعد الحرب ما أهلها للخروج منها كقوة عظمى تمتلك جميع مقومات القيادة الدولية, فضلا عن تمثيلها لما يعرف بـ «الأمة النموذج» الذى تأسس على الفكر الحر, ومن ثم أسهمت فى نشر قيم الديمقراطية كمقوم اضافى لتلك الزعامة, أما اليوم فيراها منقسمة سياسيا على نفسها تعتريها الخلافات الداخلية وتفتقد إلى الكفاءة فى إدارة الأزمات, وهو ما يؤثر بشدة على دورها العالمي, ولكنه -بخلاف من سبقوه- مازال يراهن على هذا الدور, ويقترح للخروج من تلك الأزمة, أن تسعى لتطوير مشروع شبيه بمشروع مارشال الذى مولته ورعته وقدمته لأوروبا لتعبر به محنتها بعد خروجها محطمة من الحرب, وكذلك عليها أن تدعم الجهود الدولية فى البحث العلمى لمقاومة الأوبئة والأمراض المعدية, والأكثر من ذلك أن تعمد إلى تضميد جراح الاقتصاد العالمى مثلما حدث فى الأزمة المالية 2008 باعتبار أن الاقتصاد المأزوم سيُفضى إلى عدم الاستقرار والفوضى هذا من ناحية, ومن ناحية أخري, عليها أن تحمى -حسب ما يؤكده- مبادئ النظام العالمى الليبرالي, أى الجانب القيمى للغرب عموما فى الحرية والديمقراطية والإعلاء من مكانة الفرد.

بعبارة أخرى يقوم الطرح الذى يقدمه على مركزية الدور الأمريكي, وتفرده فى قيادة العالم والأخذ بزمام المبادرة لتحقيق الريادة على عكس المقولات التى تعتقد فى قرب أفوله مخليا الساحة للقيادة الصينية.

أما الشق الثانى من فرضيته, فتختص بالعلاقات بين الدول, إذ يُسلم بأن المحن والأزمات العابرة للحدود يصعب على أى دولة, حتى لو كانت الدولة العظمى, أن تواجهها بمفردها أو بجهود محلية محضة, ولكن لا بد من التعاون على مستوى قيادات العالم, ليكون نواة لما سماه بالمشروع الموازى للنظام القديم المملوء بالصراعات, وتشييد فى المقابل دعائم نظام جديد يحقق المنافع المتبادلة, وربما يُفهم من هذا الطرح ضرورة انفتاح واشنطن على بكين, وهو أمر ليس مستغربا إذا أخذ فى اطار مجمل أفكاره التى سبق أن طرحها أكثر من مرة.

ففى كتابه الأشهر النظام العالمى الذى صدر 2014 رصد التحولات الكبرى التى جعلت العالم على الصورة التى هو عليها الآن, وتوقف عند محطات رئيسية اعتبرها مفصلية فى تشكيله, بدءا من اختراع الطباعة فى منتصف القرن الخامس عشر التى أدت إلى تقريب المسافات بين شعوب الأرض وأتاحت على نطاق واسع نشر المعرفة وتدفق المعلومات, إلى معاهدة صلح وستفاليا 1648 التى أنهت قرنا من الحروب الدينية فى أوروبا, ورسخت للمرة الأولى مبدأ سيادة الدول, وأعطت الهوية الحديثة للدولة القومية, وهى مرحلة تاريخية عدها البداية الفعلية لتشكل النظام العالمي, مرورا بحقبة التنوير التى وضعت الفواصل المستقرة بين الدولة والكنيسة وحقوق الأفراد, وفض التداخل بين ما هو دينى وسياسي, وهى المكتسب الانسانى الأهم الذى أعاد تأكيده فى مقاله الأخير, والذى يجب صونه والدفاع عنه تحت أى ظرف من الظروف, وفى السياق ذاته تعتبر أزمة كورونا نقطة تحول جديدة فى هذا النظام.

وبالنسبة للعلاقة مع الصين التى تعُتبر المنافس الرئيسى لأمريكا فى الوقت الحالي, فهو من أنصار اتباع سياسة التقارب معها واحتوائها فى مواجهة صعود النفوذ الروسي, حيث يعتقد أنها تمثل خطرا أقل, وهو ما يُستنبط من مقاله أيضا.

هذه كلها أفكار أولية, لكن لا أحد يعلم بدقة إلى أين سيمضى العالم بعد كورونا.


لمزيد من مقالات د. هالة مصطفى

رابط دائم: