رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

استخدام الأسلحة البيولوجية عمل إرهابى

ذهب كثيرون من منظرى العولمة إلى وصف العالم الذى نعيش فيه بأنه عالم اللايقين. ويؤشر هذا الوصف على أمور عديدة من أهمها الغموض، وعدم القدرة على تمييز الصواب من الخطأ والحق من الباطل. وأحسب أن ظروف جائحة كورونا قد عبرت بشكل كبير عن هذه الحالة. فهى ادخلتنا فى دائرة من الغموض الذى لا نهاية له. فقد طفق الناس من جميع أصقاع الأرض فى طرح التكهنات حول الطريقة التى بدأ بها الفيروس فى الانتشار من مدينة ووهان بالصين. وقد أخذت هذه التكهنات أشكالا من الظنون والفرضيات بدءا من الحديث عن الخفافيش وحتى الحديث عن تسرب الفيروس عن طريق الخطأ من أحد المعامل فى هذه المدينة. ويلاحظ المتتبع للأحداث منذ بدء الجائحة وحتى الآن أن كل الخطابات حولها لم تشر من قريب ولا من بعيد إلى إمكانية أن تكون هذه هجمة إرهابية، رغم أن كثيرين يصفون سلوك الدول والحكومات على أنهم يسلكون وكأنهم يواجهون حربًا، ويصفون الأطباء (الجيش الأبيض) بأنهم الخطوط الأمامية وكأنهم فى حرب حقيقية. وتكاد تكون الإشارة الوحيدة إلى الإرهاب فى هذا الخطاب هى تلك التى جاءت فى حديث السكرتير العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، والتى حذر فيها من إمكانية أن تستخدم الأسلحة البيولوجية فى المستقبل من قبل جماعات مختلفة إرهابية وغير إرهابية.

ورغم أنه يمكن أن نتأول أسبابا وراء هذا الصمت حول إمكانية الدور الإرهابى إلا أننا سنتركه جانبًا، للدخول إلى السؤال الأهم: هل تحول الإرهاب إلى كائن فضائي؟ يوحى السؤال ضمنيا بإمكانية ان يكون للإرهاب يد قوية فى صناعة جائحة كورونا. والحقيقة أن هذا السؤال لم يظهر من فراغ. فثمة مقدمات يمكن أن تؤدى فى النهاية إلى طرحه. وسوف أسرد ست مقدمات كانت السبب وراء ظهور هذا السؤال فى أفق التفكير فى الموضوع. أولى هذه المقدمات الهزيمة التى لحقت بالقواعد الإرهابية مع استخدام الأسلحة التقليدية، فهذه القواعد إما أنها هُزمت مثل تنظيم داعش فى شمال العراق وسوريا، وإما أنها لا تحقق انتصارات قوية على الأرض، كما هو الحال مع طالبان فى أفغانستان أو تنظيم القاعدة الذى تناثر فى أماكن متفرقة من العالم. والثانية أن الإرهاب قد تعود لفترات طويلة من الزمن على استخدام أسلحة غير تقليدية واللجوء إلى أساليب تتسم بالفجائية. ولعلنا نتذكر فى هذا السياق أساليبه القديمة فى خطف الطائرات واحتجاز الرهائن، ولعلنا نتذكر أيضاً هجوم الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 والذى استخدمت فيه أساليب مبتكرة فى عمليات خطف الطائرات وتفجيرها فى الهدف المقصود تدميره. وثمة مقدمة ثالثة ترتبط بالمعتقد الإرهابى نفسه والذى تتشكل اتجاهاته حول ميول تدميرية قوية، ويألف إسالة الدماء ويستمرئ عذابات الآخرين ويستعذبها؛ كما أن بث الخوف والذعر وعدم الطمأنينة تعد من أهدافه الرئيسية. ولقد أحدثت الجائحة قدرا كبيرا من كل هذا، وأدخلت الإنسانية جمعاء فى خوف لم نشهد له مثيلا من حيث استمراره ومساحة انتشاره الأفقي. أما المقدمة الرابعة فتأتى من الطريقة التى انتشر بها الوباء، والتى سارت بشكل غير متوازن وغير متسق؛ ثمة علاقة عكسية هنا بين حجم انتشار الوباء وقوة تأثيره وبين مستوى الرعاية الصحية وسياسات الحماية والوقاية المتجذرة فى الثقافة وفى السياسات العامة للدولة. أما المقدمة الخامسة فتتعلق بطبيعة الجرائم المستحدثة، خاصة فى المجال الرقمي، والتى أدخلت مفاهيم وأساليب جديدة إلى عالم الجريمة. لقد أصبحت هذه الجرائم تدار من خلال مجرمين غير ظاهرين يعملون بشكل فردى او داخل منظمات وشبكات معروفة، ولكنهم يمارسون جرائمهم فى اختطاف الحسابات والاستيلاء على البيانات وبث الفيروسات الإلكترونية دون أن يراهم أحد. وبعض هؤلاء أو حتى كثيرين منهم ليسوا من المجرمين، ولكن ما يتاح لهم من قدرة ومهارة فى استخدام الحاسب، وما يتاح لهم من معلومات يخلق أمامهم إغراءات ويتيح لهم فرصا للانحراف تبدأ على سبيل التجربة أو المزاح ولكنها ما تلبث أن تتحول إلى جريمة يعاقب عليها القانون. وأخيرا فقد دخلت دول عديدة على خط الإرهاب وأصبحت تساند الإرهاب وتموله علناً، وسمح لها النظام العالمى غير العادل بأن تمارس هذا الدور.

إذا كانت كل هذه المقدمات تدعونا إلى طرح السؤال حول دور الإرهابى فى الجائحة، فإن السؤال الأهم يتعلق بالمنطق الذى يؤدى إلى اختيار هذا الطريق، وما طبيعة الفاعل الإرهابى الجديد؟ قد نحتاج إلى مزيد من الخيال للإجابة. فإذا صح هذا الافتراض فإنه يعنى أن الفاعل الإرهابى قد قرر أن يتحول إلى ما يشبه الكائن الفضائى Alien (فى أفلام الخيال العلمي) الغامض الذى يحمل قدرات تتفوق على قدرات البشر، ويحمل أسلحة من نوع مختلف. لقد أصبح الوجه المكشوف للفاعل الإرهابى معروفا، وأضحت أساليبه مدحورة، فلماذا لا يضع قناعاً على هذا الوجه ولماذا لا يحمل قوة يصعب مقاومتها، وسرا يصعب كشفه. وسبيله إلى ذلك هو أن يتخفى، ويطلق سلاحه من مكان لا يعرفه أحد تماما، مثلما يعمل المجرم الخفى فى الجرائم الرقمية، ثم يجلس ويتفرج ويخطط للمزيد. وإذا صح هذا الظن فإن الفاعل الإرهابى يكون واحدا من أربعة: منظمة إرهابية قديمة تطل على العالم بوجه جديد؛ فاعل إرهابى جديد تسانده دولة إرهابية، أو دولة إرهابية جاهلة لا تدرى ما طبيعة السلاح الذى بأيديها، أو ذئب منفرد يقبع هناك فى أحد المعامل وتلعب الأهواء والضلالات برأسه. وسواء كان الفاعل هذا أو ذاك فإنه يبدو وكأنه يصنع أسطورة جديدة، طروادة جديدة، مليئة بعوالم السحر والغموض، يجلس ليتفرج ويترك العالم فى بحث محموم عن كعب أخيل. وسواء صحت الظنون أو كذبت فإن استخدام الأسلحة البيولوجية بأى نوع كان يجب أن يصنف على أنه عمل ارهابي، وأن على البشرية أن تتخلص من هذا السلاح الذى أثبت أنه أشد فتكا من الأسلحة الذرية.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: