رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا نخاف الموت؟

كل عام وكل مصر بخير، غدا يحتفل الأقباط بعيد القيامة وهو عيد الخلود وهزيمة الموت، ويأتى هذا العيد والعالم كله مرتعب من الموت، بل مرتعب من مجرد سبب يؤدى إلى موت البعض،أصبح الموت قريبا وصار العالم منزعجا وكأنه فوجئ بأن الموت حقيقي. وكأن الإنسان لا يدرك أن الموت قادم لا محالة، وأن وقت الرحيل من الأرض لا يعرفه أحد ولا يعرف أسبابه أيضا.

ومع انتشار الفيروس انتشرت أيضا أفكار كثيرة منها ما تراه غضبا إلهيا وأن الرب الغاضب أرسل سيفه ليقتل العالم الشرير. وكأن الأرض هى الفردوس الذى سيحرم منه الإنسان، وكأن الحياة الأرضية هى كل قصة الحياة. وإن كان الموت هو غضب الرب على الشر فلماذا يموت الأطفال؟ ولماذا يمرض الأبرار؟ فهل كل من يمرض فى الحياة يكون شريرا؟ وهل الطفل الذى يموت بعد ولادته قد حمل لعنة أيضا؟. كل هذه الأفكار وغيرها كشفت عن أفكار غريبة طالما شبعت منها البشرية، ولكنها تتحطم على صخرة الإيمان بالإله الذى لم يجعل الموت الأرضى هو نهاية قصة الإنسان المأساوية. فكل المشكلة هى فى رؤية الحياة والموت.

يقول سليمان الحكيم فى سفر الجامعة الإصحاح الثاني: بنيت لنفسى بيوتا، غرست كروما، عملت لنفسى جنات، جمعت لنفسى فضة وذهبا، اتخذت لنفسى مغنين ومغنيات وتنعمات البشر، ومهما اشتهته عيناى لم أمسكه عنهما. ثم التفت أنا إلى كل أعمالى التى عملتها يداي، فإذا الكل باطل وقبض الريح ولا منفعة تحت الشمس، وكيف يموت الحكيم كالجاهل؟ فكرهت الحياة لأنه رديء عندى العمل تحت الشمس، لأن الكل باطل وقبض الريح.

هذه مشاعر الحكيم لأنه أراد أن يخبرنا بالحقيقة التى قالها فى ختام الكلام: فلنسمع ختام الأمر كله، اتق اللـه واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله، لأن اللـه يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفى إن كان خيرا أو شرا. أى أن الموت تجربة حياتية خاصة جدا هى نهاية الفصل الأول من الحياة، ولكن القصة لم تنته، بل الفصل الأخر هو الأهم، وهو ما بعد الموت. وهذه هى المشكلة أننا لا ندرك ما هى صورة الفصل الآخر أو الجانب الآخر من الحياة، وكأننا نلهو على جانب الشاطئ، متخيلين أن الحياة فى هذا الجانب، ولكن سمعنا عن الجانب الآخر من البحر ولكن لم يذهب أحدٌ منا وعاد ليخبرنا عن هذه الحياة. ولكن الكتب المقدسة وكلمات اللـه هى التى تخبرنا، لذلك من له إيمان بالكتب المقدسة وكلمات اللـه لا يخاف الموت ولا يخاف من العبور إلى الشاطئ الآخر من الحياة وهى الخلود والحياة الأبدية.

أما المشكلة الكبيرة فى عدم الإيمان باللـه، أو الإيمان المشوه لدى البعض، فقد يرى البعض عن الموت أنه تجربة الفناء والعدم واللاوجود. يقول جلال الدين الرومى: أيها اللاشيء الثقيل من أخبرك أن صدرى متين، وأن ظهرى لا يلين، من أخبرك أن روحى لا يتعكر لونها، وأن قلبى لا ينكسر كجرة طين. ويقول شكسبير: إذا تغنى البعض بسحر تلك الحياة المتناهية الفانية التى تجعل كل فرد منا عابرا قد شد رحاله، فإننا لا نصدق أن يكون المعنى الأوحد لحياتنا البشرية هو هذا الترحال... وترانا مضطرين أن نسأل أنفسنا قائلين أتكون حياتنا مجرد نور لا يكاد يضيء حتى تنطفئ، أو مجرد لحن ما يكاد يشجينا حتى ينقطع.

يقول شكسبير على لسان ماكبث فى الفصل الخامس: إنما الحياة ظلال شاردة، ممثل تعس يظل يهذى ويصرخ على خشبة المسرح إلى أن ينتهى دوره فلا يعود أحد يسمع صوته، استغفر اللـه، إنما الحياة أقصوصة يرويها أحمق، أقصوصة مليئة بالسعار والصراخ ولكنها لا تعنى شيئا. ويقول جوجان: إن وجودنا ما هو إلا آثار أقدام فوق الرمال، خطى حائرة فوق الجليد، وميض خاطف سرعان ما ينطفئ فوق محيط مظلم حالك السواد، إن مجهولا قد عاش دون أن يكون قد تطلب وجوده، وهو قد تألم ثم لم يلبث أن هوى إلى قاع الفناء، فلم تبق منه إلا حفنة صغيرة من الأملاح المعدنية وقبر لا يحمل اسما. ولكن قل لى بربك، لم وجد ذاك أو لم وجدت أنا وليس آخر؟.

الموت عند هوميروس هو اكتمال الحياة وتحقيقٌ للمصير فالموت هو الاكتمال. أما عند سارتر فقد رأى أن الموت لا يعنى شيئا على الإطلاق بالنسبة له، لأنه حين يأتى الموت لن يكون هناك اختيار شخصى له، لأنه لن يدركه، إذ سيكون قد مات، لذلك هو لا يدرك نفسه إلا باعتباره حيا. فالموت حادث فجائى يباغت الإنسان.

وبالرغم من هذا فهو فى مسرحيته الذباب تستطيع أن ترى مدى رعبه وخوفه من الموت وما بعد الموت فيقول: اليوم عيد الموتى تبدأ طقوسه بأن يتسابق الناس فى إبداء ندمهم والشعور بالذنب تجاه موتاهم. وفى أعلى المدينة يوجد كهف لهم لم يبلغ أحد نهايته ويشيعون أنه يفضى إلى الجحيم. وقد أوصده الكاهن الأكبر بصخرة ضخمة. وفى كل عيد يدفع الجنود الصخرة التى تسد فوهته فيصعد الموتى من الجحيم وينتشرون فى المدينة. هؤلاء الموتى أصبح لهم كل شيء، وعند صياح الديك يرجع الموتى إلى الكهف ويسد مدخله بالصخرة وينتهى كل شيء حتى يأتى العام المقبل.... أيها الموتى إنه عيدكم تعالوا وانشروا حقدكم على الأحباء لتجعلونا نندم أننا لسنا أمواتا.

إننا نسير فى هذه الحياة فى طريق نهايته موت، تلك حقيقة حتمية، ولكن من له إيمان حقيقى هو الذى يدرك أنه بعد هذه الحياة الأرضية سنحيا فى الأبدية وتنكشف أمامنا كل الأسرار. وإن كنا هنا سجناء فى أجساد ترابية سنتحرر ونلبس أثوابا نورانية... فكيف نخاف الموت؟.


لمزيد من مقالات القمص أنجيلوس جرجس

رابط دائم: