رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الصحفية الوحيدة التى التقته قبل وفاته بـ 33 يوما تكتب..
هكذا قابلت جمال حمدان

نادية منصور;

لم يكن لقاؤه بالأمر السهل، ولا محاورته بالأمر الهين، فجمال حمدان ليس مجرد عالم فذ، أو أكاديمى متمرد على بيروقراطية الجامعة، أو مفكر صاحب بصمة، لكنه - إضافة لكل ما سبق - علامة على طريق النهضة والوعى، وصاحب نظرة تستشرف المستقبل وتحلل الآنى بعقل باحث موسوعى وقلم أديب متمرس وروح فنان عاشق لهذا الوطن.. بأرضه وناسه، بتضاريس وجوههم وسهول أرواحهم.

وحين آثر حمدان الوحدة، وفرض على نفسه سياج العزلة والصمت، التزم حدود مملكته، وصارت شقته الصغيرة قلعة يصعب اقتحامها، ويستحيل على محبيه أو غيرهم عبور أسوارها الحصينة.

لذلك فحين وفقنى الله لهذا الحوار الذى أجريته لمجلة الشباب مع الدكتور جمال حمدان فى شهر فبراير عام 1993، وكان الحوار الوحيد الذى تم مع « راهب الفكر» إذ لم يسبق ان سمح باجراء حوارات صحفية معه،عددت ذلك نصرا مهما واعتبرته أهم إنجازاتى المهنية خلال مسيرتى التى أمتدت منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضى، وقد جاء هذا اللقاء عقب سلسلة من المحاولات الطويلة الفاشلة، قبل أن تكلل تلك المحاولات أخيرا بالنجاح فى اقتناص هذا الحوار.. فكيف كانت بداية القصة؟






طلب الأستاذ عبدالوهاب مطاوع رئيس تحرير « الشباب» وقتها من زميل لى فى المجلة أن يحاول مقابلة الدكتور جمال حمدان ويتحدث معه، وبالفعل حاول هذا الزميل، وكان دءوبا بطبعه، وذهب لمنزله بالدقى، وطرق باب شقته، ولم يجد استجابة. تكررت المحاولة عدة مرات، ولم ييأس زميلى ثم هداه تفكيره لترك ورقة تحت عقب الباب يعرفه فيها بنفسه وغرضه من إجراء حوار معه لنشره بالمجلة، ولم تؤت المحاولة ثمارها، فكتب الأسئلة وبنفس طريقة عقب الباب لعله يجيب عليها، ولكن حتى هذا لم يحدث، ولذلك أضاف الأستاذ عبدالوهاب فى مقدمة حوارى فيما بعد أنه تم بعد 20 محاولة.

والحقيقة ان هناك بالفعل كانت محاولات من أكثر من زميل وكلها باءت بالفشل، حتى إنه صعب عليهم الحصول على تفاصيل عن حياته من جيرانه والمحيطين به وقد فوجئت بالاستاذ عبدالوهاب يكلفنى بإجراء تحقيق عن عالم الدكتور جمال حمدان يتناول معلومات عن نشأته وحياته مع الأقارب والجيران.. باختصار موضوع عنه وليس معه.. إذ فشلت محاولات سابقة للقائه.

كعادتى عند جراء تحقيق عن شخصية أو عن موضوع أن الجأ للأرشيف الصحفى ( لم تكن شبكة الإنترنت ظهرت فى مصر فى ذلك الوقت ).. فمن حسن حظ الجيل الحالى ان يدخل على محرك البحث على النت ليجد أى معلومة يبحث عنها. وقرأت ملف الدكتور جمال حمدان وكان لايحتوى تفاصيل كثيرة سوى شهاداته وجوائزه واسم مؤلفاته وبعض المقالات المنشورة له فى بداية حياته فى السبعينيات. كانت المعلومات التى طالعتها فى الأرشيف لا تتيح لى أى خلفية تساعدنى فى معرفة شخصيته، لذلك بدأت أتحرى عن علاقاته قبل أن يدخل صومعته بإرادته، والشخصيات التى كانت مقربه منه، وتواصلت معهم هاتفيا وتحدثت فى تفاصيل ساعدتنى كثيرا منهم الاديب الكبير يوسف القعيد وشقيق الدكتور جمال الأكبر الاستاذ محمد حمدان وهو أديب وشقيقه الأستاذ عبدالحميد بطل من أبطال حرب أكتوبر ورجل أعمال بعدها، كما تحدثت مع الدكتور صلاح الدين الشامى الذى كان أستاذا متفرغا بكلية الآداب جامعة القاهرة وزميل الدكتور جمال حمدان..

رب صدفة خير من ألف ميعاد

بعد هذه النقاشات أصبحت عندى مادة كافية تصلح لكتابة الموضوع الذى كلفت به لكن وجدت أنها ستكون بمثابة مادة بلا روح صاحبها غير موجود،مادة صماء لا تنبض بالحياة، والقارئ يتفاعل أكثر مع المعلومات الحية من أرض الواقع.

ذهبت لعنوان الدكتور جمال حمدان، ولم يكن فى بالى على الإطلاق أننى سأقابله وأتحدث معه..فقط سأتكلم مع الجيران وحارس العقار ربما أجد معلومات مهمة،سألت عن العمارة وشقته وعرفت أنها فى الدور الاول على اليمين وأمامها شقة. شقته لم يكن بها عين سحرية ولا جرس، ولذلك طرقت الباب من باب الفضول وأنا أعلم أنه لن يفتح بابه لى، وكذلك فعلت مع شقة الجار وانتظرت على أمل أن يستجيب لكنه هو الآخر لم يفتح.

نزلت للشارع أسأل صاحب المحل المجاور عن البواب، إذ لم يكن موجودا، أجابنى بانه ذهب لشراء أغراض لسكان العمارة وسيحضر، وطلب منى أن أنتظره، وانتهزت الفرصة وسألته عن الدكتور جمال لحين قدوم البواب لكنه لم يفدنى بشيء، والغريب انه مندهش من اهتمامى بهذا الساكن الذى يعيش بينهم،ولم يعرف أنه عالم كبير.

3 طرقات على باب راهب فكر

كان هذا هو عنوان الحوار الذى نشر فى الشباب، وللحوار قصة عجيبة، حضر البواب، وعرفته بنفسى، وسألته عن الدكتور جمال: كيف يتعامل معه؟ ومتى يخرج؟ ومن يزوره؟عدة أسئلة اجابنى عنها قائلا: إنه أغلق بابه منذ سنوات فى وجه الجميع، ولا يفتحه سوى لشقيقاته واشقائه واولأدهم، وهم يزورونه على فترات متقاربة.. غير ذلك لايفتح بابه لأحد ولايتعامل مع الجيران.

وأضاف: هو يخرج على فترات للمكتبات لشراء الكتب الجديدة او أغراض خاصه به، لكن مستلزمات البيت أقضيها له.

سألته: ولكنى طرقت على الباب ولم يرد؟ هل أنت متأكد أنه لم يخرج؟

أجابني: هو بالداخل ولن يفتح إلا اذا طرقت انا الباب.

وكيف يعرف أنك أنت الطارق وليس احدا آخر؟

قال: اتفق معى على 3 طرقات على الباب بطريقة معينة يعلم بها إننى على الباب

كان هذا الحوار أمام باب العمارة، قلت له « ممكن تيجى تورينى ازاى بتطرق على الباب «,, واستجاب وصعد درجات السلم وانا معه ووقف امام باب الشقة، وقام بطرق الباب، وتركنى وخرج من العمارة للمحل المجاور.

لحظات قليلة مرت، وفجأة فتح الباب، ووجدته أمامى مرتديا بيجامة، شعرت برهبة ومفاجأة كبيرة، لا أعلم اذا ما كنت سعيدة أو خائفة، مجموعة أحاسيس انتابتنى فى تلك اللحظة جعلتنى أتسمر فى مكانى، الى أن استجمعت شجاعتى وفتحت حقيبة يدى وأخرجت منها كارنيه نقابة الصحفيين قدمته له، وعرفته بنفسى إننى محررة بمجلة الشباب وأريد أن أتحدث معه، وذلك لأن كارنيه النقابة مكتوب فيه اسم مؤسسة الأهرام وليس المجلة.

رد لى الكارنيه ودعانى للدخول، واصطحبنى لحجرة الصالون وهى على شمال الداخل،، وبها كما وصفت بالحوار طقم صالون قديم، وترابيزة عليها نموذج للكرة الارضية، وعلى حائط الغرفة لوحات فنية ذات ألوان داكنة، وللحجرة بلكونة مفتوحة تطل على حديقة خلف العمارة.

لحظات قلق

استأذن للحظات وتركنى، وكنت فى موقف لا أحسد عليه، ضربات قلبى متسارعة، ويبدو على الاضطراب، لكن مع ذلك كنت فى غاية التركيز، وكأننى أسجل لحظات نادرة لم يفز بها غيرى.

كان على يمين الداخل للشقة يوجد المطبخ وبه بوتاجاز سطحى موضوع على تربيزة خشب وبجواره الأنبوبة وثلاجة صغيرة.

عاد الدكتور جمال مرتديا روبا فوق البيجامة ودخل المطبخ أحضر زجاجة مياه غازية قدمها لى، ثم جلس أمامي, ويبدو أنه لاحظ ارتباكى، فأراد ان يزيل الرهبة ويشعرنى بالطمأنينة، فبدأ الحديث وصمم ان اتناول اولا زجاجة البرتقال، وفتح النقاش كأنه يريد أن يعرف من تكون الإنسانة التى اقتحمت عالمه دون سابق انذار.

بادرنى بسؤال «انتى خريجة ايه»؟

أجبته: كلية الإعلام

ثم سأل دفعة ايه، وماذا ندرس بالكلية، ومن درس لى مادة الجغرافيا السياسية ورأيى فى هذا الأستاذ وفى المادة.. وهكذا هو يسأل وانا أجيب.. وشعرت حينها بأن الرهبة زالت وأصبحت اكثر ثقة، فتبادلنا الأدوار بدأت أنا فى سؤاله وهو يجيب، وقد لاحظت إننى أمام عالم عبقرى، وليس منعزلا عن المجتمع، هو يعلم كل صغيرة وكبيرة، متابع جيد، وعندما ابديت له هذه الملاحظة قال: إن ذلك بسبب انه قارئ ومتابع ومستمع جيد للإذاعة لديه راديو لكنه ليس بحاجة للتليفزيون.

سألته عن سبب انعزاله، فقال انا غير راض عن المجتمع وما يحدث فيه، ثم تطرقنا للحديث فى امور كثيرة نشرت بالحوار وقتها، ومنها رأيه فى الصحافة والصحفيين، وأشاد بالكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وبالعمالقة احمد بهاء الدين وصلاح الدين حافظ وسلامة أحمد سلامة وكامل زهيرى.

أذكر أإنه فور نشر الحوار قابلت الاستاذ صلاح الدين حافظ، وكان يعرفنى لانى كنت اكتب معه فى مجلة فصلية يصدرها كل ثلاثة أشهر عن الإعلام والاتصال، وسألنى عن الدكتور جمال حمدان وقد قرأ الحوار وهنأنى عليه.

مفكر متنوع المواهب

أعود لحوارى مع الدكتور جمال حمدان، وقد لاحظت انه لا ينفرد بالكلام، بمعنى انه لا يتركنى أمسك دفة الحوار، لكن كان من وقت لآخر يبادرنى بسؤال يعرف فيه رأيى فى النقطة التى نتناقش فيها.

وخلال الحوار اتضح مدى عشقه لشيئين، مصر والجغرافيا والأخيرة يوظفها لخدمة الاولى، مصر معشوقته التى كان مغرما بكل تضاريسها متمنيا لها كل عزة. جمال حمدان لم يكن عالم جغرافيا فقط، بل كان موسوعة متحركة نابضة بالحياة، عبقرية فذة، له فكر فى السياسة ورأى، حينما اختلف مع التوجه الموجود وقتها قرر الانسحاب فى هدوء فارضا حول نفسه سياجا شفافا يجعله يرى ويسمع كل شيء حوله دون أن يراه الجميع، كانت عزلته إيجابية استغلها ليبدع لنا كنوزا تزخر بها المكتبة العربية، لتستفيد منها الاجيال المتعاقبة.

إبداعاته

موسوعته «شخصية مصر» التى صدرت فى أربعة أجزاء كانت أهم اعماله، و«قناة السويس نبض مصر» و «6 اكتوبر فى الاستراتيجية العالمية» و«جغرافية المدن» «وخريطة الزراعة المصرية و«العالم الإسلامى المعاصر» وغيرها من المؤلفات. تحدثت معه عن طقوسه عند الكتابة، وكيف يقضى وقته بين جدران شقته الصغيرة.

أجاب: وقتى كله للقراءة والكتابة، ووصف نفسه بانه بطيء فى الكتابة احيانا، واحيانا يكتب بغزارة حسب ملكة الكتابة عنده، ثم حدثنى عن كتبه التى يعكف عليها وكاد ينتهى منها وهى ثلاثة: «جغرافية الإسلام»، وقال إنها ستكون فى مجلدين نحو الف صفحة على غرار شخصية مصر، وستخرج للنور قريبا، واضاف انه يختلف عن كتابه السابق العالم الإسلامى المعاصر.

كتابه الثانى عن علم الجغرافيا: ماهية هذا العلم بشكله الواسع والشامل، والكتاب الثالث كان عن اليهودية والصهيونية ودولة إسرائيل.. الكتب الثلاثة أخبرنى انها جاهزة ويضع لمساته الأخيرة عليها قبل تسليمها للناشر، حيث اعتاد ان يضع تصورا لأغلفة كتبه وكان يكتب الغلاف بخط يده الجميل. بكل أسف اختفت مسودات الكتب ولم أقل احترقت، فالنار كان مصدرها مطبخ الشقة، ولم تصل لمحتويات غرفته التى تضم كتبه وأوراقه.

عاشق الفن الأصيل

عندما تحدث عن الفن قال: أطرب لسماع أم كلثوم وعبدالوهاب ثم سكت لحظة قبل ان يكمل حديثه مبتسما: على فكرة انا صوتى حلو، زمان كنت بغنى اغانى عبدالوهاب فى جلساتى الخاصة مع اصدقائى. وأضاف: أتابع الحركة الفنية وقد خلت الساحة بعدهما، وأتعجب من الأصوات التى يسمعها الناس، وأندهش كيف يصفون انفسم بانهم مطربون، أصواتهم تخلو من اى طرب. ثم استرجع ذكرياته فى لندن.. هناك كان يعشق الرسم وهوايته ان يخرج للطبيعة ويرسم لكنه بعد عودته انصرف عن هذه الهواية وهجرها.

بالطبع لم أسأله عن حياته الخاصة وسبب عدم زواجه لأننى علمت من أحاديثه قبل مقابلته أنه اثناء دراسته فى بريطانيا ارتبط عاطفيا بزميلة له وعرض عليها الزواج والسفر معه للقاهرة بعد الحصول على الدكتوراه، لكنها طلبت منه أن يبقى فى لندن ليعيشا هناك سويا ورفض.

ظللنا نتحدث ساعة كاملة، ووعدنى بلقاء آخر بعد ان ينتهى من تسليم كتبه الجديدة للناشر، بل وعد بأن يخرج من عزلته ليبدأ صفحة جديدة من حياته.. لكن للأسف القدر لم يمهله، فقد توفى بعد 33 يوما من هذا اللقاء.

يعلم الله مدى حزنى عليه كما لو كنت أعرفه منذ سنوات، وعاهدت نفسى ألا أتاجر بهذا اللقاء مثلما فعل غيرى ممن لم تسنح لهم الظروف للحديث معه عن قرب، ورفضت حتى أن أصدر كتابا عنه رغم إلحاح الأصدقاء.

هذا هو جمال حمدان الذى عشق مصر وانتمى لها

وضحى من أجلها.


وعلى بلاج الاسكندريه فى الخمسينيات


وفى طفولته المبكره

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق