رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثلاث زهرات صفرا

ريمـوند كارڤـر ترجمة: بسام حجار

بادنفايلر هى منتجع حمامات معدنية صغير تقع على الطرف الغربى للغابة السوداء على مسافة غير بعيدة من بال. ومنها، من أى موضع من أرجاء المدينة، تبدو امتدادات الفوج بوضوح، والهواء، فى مثل ذلك الوقت من أوقات السنة ينسم صافيا ومنعشا. ولطالما كان لهذا المنتجع الجبلى زواره الأوفياء من الروس الذين يرتادونه دورياً للتمتع بمياهه وفسحاته. وفى حزيران عام 1904 قدم إليه «تشيخوف» لقضاء أيامه الأخيرة.


كان فى الأيام الأولى من ذاك الشهر، قد قام بالرحلة المضنية فى القطار بين موسكو وبرلين. وكان يسافر برفقة زوجته، الممثلة «أولغا كنيبر»، التى التقاها لأول مرة فى العام/ 1898/ أثناء التدريبات على مسرحية «طائر النورس». وكان الكتاب فى تلك الحقبة يصفونها بأنها ممثلة من الدرجة الأولي. كانت جميلة وموهوبة وتصغر المؤلف المسرحى بعشرة أعوام. وقد لفتت انتباه «تشيخوف» من النظرة الأولى إلا أنه كان شديد البطء فى التعبير عن مشاعره. فهو، على جارى عادته، يؤثر المغازلة على الزواج. وفى ختام مرحلة من الإعجاب والغزل دامت ثلاث سنوات وتخللها الكثير من مواقف الجفاء والرسائل والخلافات الحتمية، صمم أخيرا على الزواج منها وتم لهما ذلك فى 25 أيار 1901 بموسكو خلال حفل اقتصر على المقربين. كان «تشيخوف» فى ذروة سعادته. وكان يخاطب «أولغا» بعبارة «يا مهرتى الصغيرة» أو أحيانا «يا كلبتى الصغيرة». كما كان يسر أيضا بأن يناديها: «يا ديكى الرومي» أو ببساطة، «يا بهجتي».

فى برلين قصد «تشيخوف» أحد الأطباء الاخصائيين بمرض السل هو البروفسور الشهير «كارل إيفالد». وحسب ما قاله شاهد عيان فإن الطبيب بعد معاينة «تشيخوف» رفع ذراعيه مبتهلا إلى السماء وغادر الحجرة دون أن يتفوه بكلمة واحدة. فقد كانت حالة «تشيخوف» مستعصية على أى نوع من العلاج: وكان الدكتور «إيفالد» يلوم نفسه لأنه عاجز عن اجتراح المعجزات، ويلوم «تشيخوف» لشدة مرضه.

وفى برقية أرسلها صحفى روسى إلى رئيس تحرير مجلته بعد أن جاء لزيارة الزوجين «تشيخوف» فى فندقهما، كتب يقول: «لقد أيقنت أن أيام تشيخوف باتت معدودة. فقد بدا لى شديد المرض: هزيلا ويسعل كأنه يسابق أنفاسه لأدنى حركة ولا تفارقه الحرارة المرتفعة». وهذا الصحفى نفسه رافق «تشيخوف» و«أولغا» إلى محطة بوتسدام عندما استقلا القطار الذى أوصلهما إلى بادنفايلر. فكتب: «كان تشيخوف يجد صعوبة بالغة فى صعود درج المحطة الصغير. وجلس بضع دقائق محاولا استرداد أنفاسه». وبالفعل، فقد كان «تشيخوف» يتألم فى كل خطوة» من خطواته: ويشعر بوخز فى ساقيه وأوجاع فى أحشائه، فقد تفشى السل فى جسده حتى الأمعاء والنخاع الشوكي. ولم يكن أمامه، فى ذلك الوقت سوى شهر واحد ليحياه. وكان حين يذكر حالته فى كلامه، على ما تقوله «أولغا»، «فبطلاقة تكاد توازى الغيبوبة». كان الدكتور «شفورر» واحدا من أطباء بادنفايلر العديدين الذين يتمتعون بحياة رخاء لإشرافهم على علاج الميسورين الذين يأتون سعيا للتخفف من أوجاعهم المختلفة. وبعض هؤلاء كان مريضا ومقعداً بالفعل أما بعضهم الآخر فكان لا يعانى إلا الشيخوخة ومرض الخوف من المرض. إلا أن «تشيخوف» كان يمثل حالة على حدة: فحالته مستعصية وواضح أنه كان يحيا أيامه الأخيرة. هذا بالإضافة إلى كونه أحد مشاهير تلك الحقبة. وحتى الدكتور «شفورر» كان يعرف اسمه وقرأ عددا من قصصه المنشورة فى إحدى المجلات الألمانية. وحين عاين الكاتب، فى الأسبوع الأول من حزيران، أسر إليه بمقدار إعجابه بكتاباته، ولكنه، فى المقابل، احتفظ بنتائج التشخيص لنفسه، واكتفى بأن وصف له حمية ملائمة: كاكاو، وحساء الشعير مع كثير من الزبدة والشاى بالفراولة، الذى من شأنه أن يسهل نوم المريض.

فى 13حزيران، أى قبل وفاته بثلاثة أسابيع، كتب «تشيخوف» رسالة إلى والدته يطلعها فيها على تحسن فى حالته الصحية: «الأرجح أننى سأتماثل للشفاء خلال أسبوع واحد». ما الذى دفعه إلى كتابة مثل هذا الكلام؟ وهل نستطيع أن نعرف ما الذى يراود أفكاره فعلاً؟ فلا يعقل، وهو نفسه طبيب، أن يكون جاهلا لحقيقة وضعه الصحي. كان مشرفا على الموت، ببساطة ولا سبيل لمغالبة المحتوم، ومع ذلك، كان يمكث على شرفة غرفته فى الفندق ساعات وساعات وهو يدقق فى مواقيت السكة الحديد، ويطلب أن يتم إبلاغه بمواقيت إبحار السفن التى تقوم بالرحلات البحرية بين مرسيليا وادويسا. لكنه كان يعلم. لابد أنه كان يعلم فى مثل حالته المستعصية. ومع ذلك كان يؤكد، فى إحدى رسائله الأخيرة إلى شقيقته أنه يتعافى بسرعة لم يكن يتوقعها.

فى ذلك الوقت كانت قد جافته، ومنذ وقت طويل، أى رغبة فى الكتابة، حتى أنه، لسنة خلت، كان على وشك التخلى عن إنجاز بستان الكرز . فقذ كان تأليف هذه المسرحية إحدى أصعب التجارب وأشقاها فى حياته الأدبية . وحين لم يبق عليه إلا أن ينجز الخاتمة كان لا يستطيع أن يكتب أكثر من خمسة أو ستة أسطر فى اليوم . وكتب آنذاك فى رسالة إلى أولغا : باتت تنقصنى الجرأة . ويبدو لى أن زمنى ككاتب قد ولى فكل عبارة أدونها تبدو لى بائسة ولا طائل فيها . ومع ذلك ثابر على الكتابة . وأنهى كتابة بستان الكرز فى شهر تشرين الأول عام 1903 ولم يكتب بعدها أى شيء باستثناء بعض الرسائل وحفنة ملاحظات فى كراساته الخاصة .

فى 2 تموز 1904، بعد انتصاف الليل بقليل، أرسلت أولغا بطلب الدكتور شفورر على جناح السرعة : فقد كان تشيخوف يهذى . وشاءت المصادفات أن تكون الغرفة المجاورة لطالبين روسيين فى إجازة، فهرعت أولغا لتشرح لهما الوضع، كان أحد الطالبين غارقا فى نومه أما الآخر فلا يزال مستيقظا . كان يقرأ وهو يدخن غليونا . فغادر الفندق مسرعا لإحضار الطبيب . مازلت أسمع صدى خطاه وهى تبتعد على الحصى الذى يحدث صريفا فى صمت تلك الليلة الخانقة من ليالى شهر تموز ستكتب أولغا فى مذكراتها . كان تشيخوف غارقا فى هذيانه . يتحدث عن بحارة مجهولين، ويغمغم عبارات مشوشة يتردد فيها ذكر اليابانيين، ولكن حين أرادت أولغا أن تضع جرابا من الثلج فوق صدره صرخ بها قائلا : لا ! إياك والثلج على بطن طاو !

دخل الدكتور شفورر وأخرج أدواته من الحقيبة دون أن تغفل عيناه عن تشيخوف الذى يرقد لاهثا فى السرير . كان تنفس المريض متقطعا وحدقتاه متسعتين . وكان صدغاه يتصببان عرقا . ظلت ملامح الطبيب مغلقة لا تشى بأى انفعال ذلك أن التاثر لم يكن من طباعه ولكنه أيقن أن أجل تشيخوف قد حان . إلا أنه كطبيب أدى القسم الذى يحتم عليه أن يفعل كل ما بوسعه، حاول المستحيل خاصة أن تشيخوف كان لا يزال حيا ولو أن الخيط الذى يربطه بالحياة أصبح واهنا . هيأ الدكتور شقورر حقنة كافور وحقنه بها فى محاولة لإنعاش القلب . ولكن الحقنة لم تأت بأى نتيجة : وبدا أن حالته لم تعد تستجيب لأى محاولة إنقاذ ومع ذلك قال الطبيب لـ أولغا انه سيرسل فى طلب قارورة أوكسيجين . وفجأة استعاد تشيخوف وعيه، وبيقظة كاملة قال بنبرة اعتراض واهنة : وما الفائدة منها؟ فحين سيأتون بها لن أكون سوى جثة هامدة.

تفرس الدكتور شفورر فى وجه تشيخوف وهو يمسد بحركة آلية شاربيه المرفوعين كمقود دراجة . كان شاحبا بلون الشمع وأنفاسه تشبه الحشرجة . وأدرك الدكتور شفورر أن حياته باتت معدودة بالدقائق . ودون أن يتفوه بكلمة أو يتشاور مع »أولغا« بهذا الشأن، اتجه نحو الزاوية التى تخفى الهاتف المعلق على الجدار . قرأ بتمعن إرشادات طريقة الاستعمال . كان عليه فقط أن يضغط على الزر وأن يبرم المساك المثبت على أحد جانبى الآلة للاتصال ببدروم الفندق حيث المطابخ . رفع السماعة وألصقها على أذنه وتبع ما تقوله الإرشادات حرفيا . وحين سمع صوتا يرد عليه أخيرا طلب الدكتور شفورر زجاجة من أفخر أنواع الشمبانيا المتوافرة فى الفندق . وحين سئل عن عدد الكؤوس التى يريدها.صرخ فى بريق الهاتف: »ثلاث كؤوس! وعلى جناح السرعة، أسمعت؟ لقد كانت واحدة من لحظات الإلهام تلك والتى لا تلبث أن تطوى بعد الأوان، ذلك أن مثل هذا التصرف يلائم الحدث على تمامه حتى يكاد يكون من تفاصيلة المكملة .

جاء بالشمبانيا أحد صبيان الفندق وقد بدا عليه الارهاق. كان شعره الأشقر مشعثا وبنطال بزته مدعوكا وقد امحت ثنياته، ولعجلته كان زرر سترته فى العرى غير المناسبة. ويبدو جليا من مظهره أنه كان أغفى من شدة التعب على أريكة حين يا إلهى العلى القدير! شق رنين الهاتف سكون الليل. وما كان من رئيسه المباشر إلا أن هرع لايقاظه بلكزة مشحونة من يده وأمره بأن يوصل زجاجة «مويت» إلى الغرفة 211 («وعلى جناح السرعة، أسمعت؟!).

دخل الصبى إلى الغرفة حاملا صينية فضة وضع عليها سطلا خاصا بزجاجة الشمبانيا من الفضة أيضا وثلاث كؤوس من الكريستال المنقوش، وضع السط والكؤوس على منضدة متلفتا من حوله محاولا أن يتبين ما الذى يجرى فى الغرفة المجاورة التى تترامى منها أصوات نشيج يائس. كانت الأصوات مخيفة ومؤثرة.

تضاعفت حدة الحشرجات واستدار الفتى مطرقا حتى التصق ذقنه بياقة سترته. سرح نظره فى اتجاه النافذة وراح يحذق بشرود فى الكتلة المعتمة للمدينة النائمة. ثم جاء رجل طويل القامة ضخم الجثة بشاربين كثين ودس فى كفه عددا من القطع النقدية (وبمجرد اللمس، أدرك أنه بقشيش سخي) ثم وجد نفسه أمام الباب المفتوح. فتقدم بضع خطوات وتوقف عند صحن الدرج، فتح يده ونظر إلى النقود التى تحتويها بذهول.

عمد الدكتور «شفورر» إلى فتح زجاجة شمبانيا. وشأنه فى كل ما يفعله، حاول فى انهماكه أن يراعى الأصول جاهدا فى كتم الفرقعة المبتهجة التى تصدر عنها. ملأ الكؤوس الثلاث. ثم، بحركة آلية أعاد السدادة إلى عنق الزجاجة ودفعها إلى الداخل براحة يده. وعندئذ تقدم نحو السرير حاملا الكؤوس الثلاث. أفلتت «أولغا» على الفور يد «تشيخوف» (تلك اليد التى كانت تلهب أصابعها، كما ستكتب لاحقا). ووضعت وسادة أخرى خلف رقبته ثم وضعت الكأس المثلجة فى يده وأطبقت له أصابعه على ساق الكأس برفق. «تشيخوف» و «أولغا» والدكتور «شفورر» تبادلوا النظرات ولكنهم لم يتبادلوا الأنخاب. نخب ماذا عساهم يشربون. بحق السماء؟ نخب الموت؟ وتمتم «تشيخوف» مستجمعا ما تبقى له من قوة وقال: «لم أشرب شمبانيا منذ وقت طويل». ثم رفع الكأس إلى شفتيه وشرب. وبعد مضى لحظات تناولت «أولغا» الكأس الفارغة من يده ووضعتها على المنضدة قرب السرير. استدار «تشيخوف» وتمدد على جنبه، أغمض عينيه وتنهد. وفى اللحظة التالية انقطعت أنفاسه.

كانت يد «تشيخوف» قد تراخت فوق الشرشف. فأمسكها الدكتور «شفورر» وضغط بأصبعين على المعصم وأخرج من جيب صدرته ساعته الذهب وفتح غطاءها بحركة من ابهامه. كان العقرب الكبير يدور ببطء شديد. وانتظر حتى تمام دورته الثالثة متحسسا ولو لنبضة واحدة. وعلى الرغم من أن الساعة كانت تقارب الثالثة فجرا فقد كانت الحرارة خانقة داخل الغرفة، وكانت بادنفايلر تشهد أسوأ موجات الحر التى لم تشهدها منذ سنوات طويلة. كل نوافذ الغرفة مشرعة على مصاريعها ولكن نسمة واحدة لم تهب منها. فراشة ليل ذات جناحين أسودين دخلت من النافذة وراحت تصطدم بهلع باللمبة المضاءة. «لقد انتهى الأمر»، قال الدكتور «شفورر» وهو يفلت معصم «تشيخوف». وأغلق غطاء ساعته وأعادها إلى جيب صديريته.

لم تلبث «أولغا» أن مسحت دموعها واتخذت سحنة هادئة. شكرت الطبيب على مجيئه. اقترح عليها الدكتور «شفورر» أن تتناول مهدئا. جرعة لودانم ربما أو بضع قطرات من الناردين. رفضت اقتراحه بحركة من رأسها ولكنها قالت له، بالمقابل، انها تود أن تسأله معروفا: فهى تود أن تمكث لبعض الوقت بمفردها إلى جانب «تشيخوف» قبل أن يتم إخطار السلطات، وقبل أن تستولى الصحافة على الخبر ويصادر جثمانه منها. فهل تطمع فى خدمة يسديها لها؟ وهل بمقدوره أن يرجيء، لبعض الوقت على الأقل، إعلان نبأ الوفاة؟

مسد الدكتور «شفورر» شاربيه الكثين بطرف ابهامه. با، لم لا؟ فأى أهمية لاعلان النبأ على الفور أو إرجاء هذا الاعلان لبضع ساعات أخري؟ إذ لم يبق عليه سوى أن يحرر وثيقة الوفاة ويوقعها وباستطاعته أن ينجز هذا الأمر، فيما بعد، فى الصباح، فى عيادته بعد أن يأخذ قسطا من الراحة. وبحركة من رأسه أبدى موافقته على ما تطلبه «أولغا» واستأذنها بالمغادرة بعد أن تمتم بعض عبارات العزاء فأحنت «أوليغا» رأسها. «كان شرفا لي» قال الدكتور «شفورر». ثم تناول حقيبته وغادر الغرفة والتاريخ فى وقت معا. وفى تلك اللحظة بالذات فرقعت سدادة قنينة الشمبانيا وطارت فاندلقت الرغوة على المنضدة.

عادت «أولغا» إلى غرفة «تشيخوف» وجلست بقرب سريره على مقعد واطيء. كانت تمسك بيده ومن حين لآخر تمسح وجهه براحة يدها الأخري. «لم تكن تترامى إلينا أى أصوات بشرية»، كتبت فى مذكراتها. كان اضطراب الحياة اليومية غائبا. ولم يبق إلا الجمال والدعة وجلال الموت».

مكثت بجانب «تشيخوف» حتى الصباح. وعندها راحت طيور السمان تغرد فى حديقة الفندق. ثم سمعت صخب توضيب الطاولات والكراسي. وبعد ذلك بقليل ترامت إلى مسامعها بعض الأصوات، وفى الأثناء قرع الباب. حسبت بالطبع أنه لابد أن يكون أحد الموظفين الحكوميين: الطبيب الشرعى أو أحد رجال الشرطة الذى سيعمد إلى استجوابها ويطلب منها أن تملأ استمارة ما. حتى خطر لها أنه ربما كان الدكتور «شفورر» وقد جاء برفقة أحد المشرفين على موكب الدفن الذى سيقوم بترتيبات جثمان «تشيخوف» ويشرف على إعادة وفاته إلى روسيا.

إلا أنّها حين فتحت الباب لم تجد أمامها سوى صبى الفندق الأشقر الذى كان أحضر لهم الشمبانيا لساعات قليلة خلت. ولكن بنطال بزته، هذه المرة، كان مكوياً لتوه وثنيته لا شائبة فيها أما سترته الخضراء فمزررة بعناية كل زر نحاسى فى عروته. بدا لها مختلفاً عن الشخص الذى رأته من قبل. ليس فقط لأنه يتمتع بحيوية من نام ملء جفنيه بل أيضاً لأنه يبدو، بذقنه الحليقة وشعره المسرح، كمن يود فعلاً أن ينتزع الإعجاب. كان يحمل بين يديه مزهرية من الخزف الصينى وفيها ثلاث زهرات صفراء ذات سيقان طويلة. قدمها لـ «أولغا» مفرقعاً كعبيه فى وقفة عسكرية. أفسحت له «أولغا» ليدخل. قال لها أنه جاء لأخذ الكؤوس والسطل والصينية بالإضافة إلى أنه مكلف بإبلاغهم بأن طعام الفطور سيقدم هذا الصباح فى الحديقة بسبب موجة الحر التى تشهدها المدينة. وعبر لها عن أمانيه بأن لا تكون الحرارة قد أزعجتها كثيراً وبأنه آسف لمثل هذا الطقس الردئ.

كانت المرأة تبدو ساهمة. فبينما كان صبى الفندق يتكلم كانت مطرقة تحدق فى نقطة ما فى السجادة التى تغطى الأرض. شبكت ساعديها وأمسكت مرفقيها بجماع كفيها.

وانتظر الصبى الذى كان لا يزال يحمل المزهرية، إشارة منها بفارغ الصبر وراح يجيل بنظره فى أرجاء الحجرة. كان نور الشمس يتدفق من خلال النوافذ المفتوحة، والغرفة موضبة على أكمل وجه كما لو أن أحداً لم يقض ليلته فيها. لا ملابس ملقاة على الكنبات ولا أحذية بادية للنظر، ولا جوارب أو مشدات أو مخصرات أو حقائب مفتوحة. أى باختصار لا أثر للفوضى العادية ولاشيء سوى الأثاث المعتاد لغرف الفنادق، الثقيل والذى لا سمة تمييز فيه. ولما مكثت المرأة مطرقة أطرق الخادم بدوره ورأى السدادة على الأرض تكاد تلامس حرف حذائه. لم تلاحظ المرأة وجودها من قبل فقد كانت ساهمة مشوشة الأفكار أراد الخادم أن ينحنى ليلتقط السدادة إلا أنه كان لايزال ممسكاً بالمزهرية ويخشى لو فعل ذلك أن يثير انتباهاً أكثر مما ينبغي.

حاول جاهداً إذن أن يترك السدادة حيث كانت وأن يرفع عينيه. كان كل شيء مرتباً فى مكانه باستثناء زجاجة الشمبانيا المنزوعة السدادة، ونصف الفارغة التى وضعت على المنضدة وإلى جانبها كأسا الكريستال. ومن جديد جال الخادم بأنظاره فى الأرجاء. وعبر الباب المفتوح قليلاً لغرفة الوسط لمح الكأس الثالثة على السرير! لم يستطع أن يرى وجهه إلا أن كتلة جسمه كانت بلا حراك تحت الشرشف. وإذ تحقق من وجوده جال الخادم بعينيه نحو مواضع أخري. وعندها أحس بضيق لا يعرف مصدره بالضبط. فتنحنح وأرخى ثقل جسده على ساقه الأخري. كانت المرأة لاتزال مطرقة متحصنة خلف صمتها. وأحس الخادم بأن الدماء تلهب خديه. وخطر له فجأة أنه ربما كان عليه أن يقترح بديلاً للفطور فى الحديقة. فتنحنح مرة ثانية ليسترعى انتباه المرأة ولكنها لم ترفع عينيها. فقال إن نزلاء الفندق المميزين من الأجانب بإمكانهم، أن أرادوا، أن يتناولوا طعام الفطور فى غرفهم هذا الصباح. وأضاف الصبى (لم نعثر على ذكر لاسمه والأرجح أنه هلك خلال الحرب الكونية الأولي) ان من دواعى سروره أن يحضر لهم صينية الطعام بنفسه. أقصد صينيتى الطعام، فى النهاية، قال مستدركاً وهو يلقى بنظرة حائرة فى اتجاه الغرفة الأخري.

مكث صامتاً ومرر إصبعه تحت ياقة سترته. كان لا يفهم من الأمر شيئاً. وبدت المرأة وكأنها لم تسمعه. وارتبك فى وقفته ولم يعرف إلى أى قديس يبذل ابتهاله. كان لا يزال ممسكاً بمزهريته. وعطر الأزهار العذب يعبق فى منخريه، ويحس، دون أن يعرف لماذا، يضيق ما يعتصر فؤاده. منذ وصوله إلى هذه الغرفة والمرأة لا تفارق شرودها مستغرقة فى أفكارها الغامضة. حتى يكاد يحسب أنها طوال مكوثه أمامها وهو يتكلم ويبدل لهم من وقفته فى تناوب ساقيه على حمل ثقل جسمه، كانت فى مكان آخر وبعيدة جداً عن بادنڤايلر. ثم بدت وكأنها تعود إلى وعيها وأمحت من وجهها ملامح الشرود. رفعت عينيها نحوه، ونظرت إليه وهزت برأسها. بدت وكأنها لا تفهم ما الذى جاء بهذا الصبى إلى غرفتها وفى يده تلك المزهرية التى وضعت فيها ثلاث زهرات صفراء. ورود؟ هى لا تذكر أنها طلبت ورودا.

بعد أن تمالكت نفسها ذهبت لإحضار حقيبتها وتناولت منها بعض النقود ومعها بعض الأوراق النقدية. مرر الصبى لسانه على شفتيه. فهو سيحظى من جديد بإكرامية سخية. ولكن لأى سبب؟ ما الذى تريده هذه المرأة؟ إذا لم يسبق له أن رأى زبائن من هذا النوع فى الفندق. ومرة أخري، تنحنح بصوت مكتوم.

قالت له المرأة إنها لا تريد طعام الفطور. ليس اليوم على أية حال . فهناك ما هو أهم من طعام الفطور . ولكنها، فى المقابل، تريد أن تسأله معروفاً . فهى تطلب منه أن يذهب لإحضار منسق موكب الدفن . أجل، دفان الموتى . فهل يفهم ما تقول ؟ لقد توفى السيد « تشيخوف »، أتفهم ما أقول ؟ هل تفهم ايها الفتى ؟ لقد مات « انطون تشيخوف » . والآن اسمعنى جيداً، قالت . فهى تطلب منه أن ينزل إلى ردهة الاستقبال وأن يسأل الموظف هناك عن أشهر دفان فى المدينة، على أن يكون موثوقاً ودقيقاً فى عمله وأن يراعى اللياقة الضرورية فى مثل هذه الأمور . أى باختصار، دفان يليق بفنان كبير . خذ، قالت وهى تدس الدراهم والأوراق النقدية فى يد الصبى . وقل لموظف الاستقبال اننى مصرة على أن تقوم أنت نفسك بما أطلبه منك . أتسمعنى ؟ أتفهم ما أقول ؟

لقد كان الخادم يبذل ما بوسعه لالتقاط معنى كلامها . وكان يتجنب النظر فى اتجاه الغرفة الأخرى . إذ ينتابه الشعور بأن هناك ما ليس على ما يرام . انتبه إلى أن قلبه يخفق بضربات سريعة تحت سترته وأن جبينه يتصبب عرقاً . وكان حائراً لا يعرف إلى أين يحيد بعينيه ويود فعلاً لو يتخلص من تلك المزهرية .

أرجوك، قم بهذه المهمة إكراماً لي، قالت المرأة . ولن أنسى صنيعك ما حييت . قل لموظف الاستقبال إنى ألح على طلبى هذا . قل له هذا ولكن أرجو أن لا تبالغ فى استرعاء انتباه الآخرين إليك أو إلى الموقف الذى تكابده الآن . قل له إن الأمر ملح واننى أصر على ذلك ولا شيء أكثر. أتسمعني؟ إذا فهمت ما أقصد أشر برأسك أن لا أو نعم . وعلى الأخص لا تطلع أحداً على هذا الأمر . فباقى الأمور والتوابع والصخب كل هذه لن تلبث أن تحل فى وقت قريب . أما أقسى ما فى الأمر فقد انقضى الآن . أحسب أنك تدرك ما أقول ؟

كان وجه الصبى قد أصبح شاحباً، يقف منتصباً بلا حراك كوتد ويداه ممسكتان بالمزهرية . وبصعوبة . بالغة استطاع أن يجيب بإشارة من رأسه .

بعد أن يحظى بالإذن لمغادرة الفندق كان يتوجب عليه أن يتجه بحزم وهدوء ودون عجلة لا طائل فيها نحو بيت دفان الموتى . وينبغى أن يتصرف تماماً كمن كلف بقضاء مهمة بالغة الأهمية، ولكن ليس أكثر . والواقع أن ما كلف به مهمة بالغة الأهمية، قالت المرأة . ولكى تكون له مشية تلائم ظروف ما أوكل إليه فليس عليه سوى أن يردد فى سره أنه ينبغى أن يسير على رصيف مزدحم وهو يحمل بين ذراعيه مزهرية ورد مزهرية من الخزف الصينى كلف بإصالها إلى شخص ذى مكانة ( كانت تكلمه بصوت خفيض جداً، كأنها تسر بأمر ما لصديق أو قريب ) . حتى أن هذا الرجل ينتظره ويتلهف لتسلم هذه الورود . ومع ذلك فلا ينبغى أن يشعر الصبى بالتوتر ولا أن يركض ولا حتى أن يسرع مشيته . وينبغى ألا ينسى أنه يحمل مزهرية ! عليه أن يسير بخطى ثابتة ومتوازنة مضيفاً على مشيته أكبر قدر من المهابة . وسوف يسير على هذا النحو حتى يصل إلى بيت الدفان . وما أن يصبح أمام باب داره عليه أن يرفع مطرقة البرونز ويرخيها ثلاث مرات على التوالى وعندئذ سيأتى دفان الموتى ليفتح له الباب بنفسه .

لا بد أن يكون رجلاً أربعينياً أو ربما أكبر من ذلك بقليل، أصلع، قوى البنية، ويرتدى نظارتين من معدن تنزلقان حتى طرف أنفه . رجل متواضع ومنزه عن أى غرور لن يطرح سوى الأسئلة المباشرة والضرورية . ومئزر . بلي، من المؤكد أنه يرتدى مئزراً . وربما مسح يديه بفوطة سوداء وهو يصغى إلى شروحات الصبى

ومن ثيابه تنبعث روائح فرمول خفيفة . ولكن الأمر لا يخلو من أن يكون عادياً وعلى الفتى أن لا يتوقف عنده . فهو يكاد أن يكون رجلاً الآن ولا ينبغى أن تثير لديه مثل هذه الأمور لا الخسية . ولا التقزر . سيصغى الدفان إليه بصبر وأناة . فهو رجل بارد الطباع بالغ اللياقة، رجل يعرف جيداً كيف ينبغى أن يتصرف لكى يخفف من اضطراب المعنيين فى مثل هذه الظروف بدلا من أن يؤججه . إنه يحيا ومنذ وقت غير قصير فى صحبة الموت . ويعرفه فى كل وجوهه وتجلياته ولم يعد يرى فى هذا المضمار لا مفاجأة ولا سراً . ومثل هذا الرجل هو ما تحتاج إليه المرأة فى مثل هذا الوقت .

يأخذ الدفان المزهرية . ومرة واحدة فيما الصبى ينهمك فى إطلاعه على الأمر، تلتمع فى نظراته شبهة اهتمام ما، يظهر لمحدثه انه يرى فى كلامه أمراً يختلف عن أمور الحياة العادية . بلي، لقد جحظت عينا الدفان حين ذكر الصبى اسم المتوفى لأول مرة . هل قلت « تشيخوف » ؟ حسناً، لحظة واحدة وأكون معك .

أتفهم ما أقول ؟ سألت « أولغا » الصبى . دع هذه الكؤوس . لا تتشغل بها . انس كؤوس الكريستال وكل الباقى . دع الغرفة كما هى . فكل شيء بات جاهزاً الآن . ونحن أيضاً . فهل تذهب ؟

ولكن الصبى لم يكن يفكر عندها إلا فى السدادة التى لا تزال على الأرض بجانب حرف حذائه . ولكى يلتقطها كان عليه أن ينحنى دون أن يسقط المزهرية . وهذا ما فعله . أمال جذعه ودون أن يخفض عينيه التقط السدادة برؤوس أصابعه وأخفاها فى قبضة يده .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق