رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك الأيام
تاجر القماش واكتشاف الميكروبات

لعبت الصدفة دورا كبيرا فى الوصول إلى العديد من الاكتشافات العلمية، وكانت حاكما لمسارات الإنسانية وقفزاتها على طريق العلم والتقدم التكنولوجي.


وإذا كان سقوط التفاحة العامل الحاسم فى اكتشاف نيوتن للجاذبية الأرضية فإن اكتشاف عالم الميكروبات لعبت فيه الصدفة الدور الكبير بعد أن عاشت البشرية آلاف السنين لاتعرف ولاتدرك وجود هذه الكائنات التى تشاركها كل لحظات الحياة.

ويرجع الفضل فى اكتشاف وجود الميكروبات إلى رجل هولندى ولد عام 1632 يدعى انتونى فان ليفينوك.

عاش حياة قاسية بعد وفاة والده وهو دون العاشرة من عمره، وتعهدته أمه بالرعاية وألحقته بإحدى المدارس، ولكنه كره الدراسة، وكان دائم الهرب من المدرسة حتى فصل منها وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره ماتت أمه وأصبح لزاما عليه أن يبحث عن عمل ليكسب قوت يومه، فهاجر إلى أمستردام العاصمة، وهناك عمل فى أحد محلات الأقمشة، وكانت مهمته أن يتحقق من درجة جودة المنسوجات عن طريق فحصها بعدسة يدوية.

كان هذا العمل بداية ارتباط ليفينوك بالعدسات التى ارتاح إليها، وراح مثل أى طفل يمسك العدسة بيده ويضعها فرحا على جميع مايحيط به ليصبح كبيرا.

وبعد خمس سنوات من العمل فى هذا المحل عاد إلى مسقط رأسه ليفتتح محلا خاصا به لبيع القماش، لكن الأهم من ذلك أنه أصبح حرا فى ممارسة هوايته، أصبحت العدسات هى حبه الأثير، تعلق بصناعتها وصقلها. كان يضع العدسة فوق العدسة ليصنع مجهرا.

وقد صنع 419 عدسة ركب منها 247 مجهرا بسيطا لها قوة تكبير تتراوح بين 40 إلى 270 مرة كما يذكر دكتور محمد صابر فى كتابه حكاية أول ميكروب.

وعلى الرغم من أن مجهر ليفينوك يعتبر بسيطا إذا قورن بالعدسات والتلسكوبات الحديثة إلا أنه ساعد ليفينوك على أن يرى ما لم تره عين بشر من قبل.

كان يخرج فى الصباح إلى الحدائق والغابات ليفحص بمجهره البسيط أوراق الشجر والحشرات الصغيرة والزهور والحياة الراكدة.

وفى يوم من الأيام خطر فى ذهنه أن يعرف سبب الطعم اللاذع الذى يظهر فى الطعام بعد «تخليله»، واعتقد أنه لو «خلل الفلفل» وأخذ قطرة من محلوله وفحصها تحت مجهره فسوف يرى سبب هذا الطعم اللاذع.

وبالفعل أخذ قطرة من محلول التخليل وراح يفحصها تحت مجهره، ولكن بدلا من أن يرى سبب لذعان الفلفل فوجيء بعالم الميكروبات الذى ظهر أمام عدساته، وعقدت المفاجأة لسانه فكتب عنها: إن قطرة الماء لتزخر بوحوش دقيقة مسحورة تتحرك كالشياطين ثم تتوقف فجأة عن الحركة وكأن على رؤوسها الطير، ثم تدور حول نفسها بسرعة مثل النحلة التى يلعب بها الأولاد، والغريب أن الحيز الذى تشغله هذه المخلوقات الغريبة، لا يزيد على حبة دقيقة من الرمل الناعم رغم تكبير العدسات لها.

فى ذلك الوقت من القرن السابع عشر كان ينظر إلى العلم بشكل مزر، ومثل هذه التجارب تجرى خلف الأبواب المغلقة بعيدا عن أعين الكنيسة التى كانت تبيع صكوك الغفران، ولاتلقى أى أهمية للعلم ورجاله.

وعندما راح ليفينوك يصف ما رآه للأصحاب والجيران اتهموه بالجنون وأصبح مثار سخرية وتندر أينما حل، باستثناء صديق له كان من المقربين لسكرتير الجمعية الملكية الإنجليزية فى لندن صاحبة أكبر مجلة للعلوم فى هذه الآونة، وتولى تقديمه إلى هذه الجمعية التى قامت برعايته ونشر آرائه الجديدة.

وفى عام 1677 أقامت له الجمعية الملكية معرضا تضمن جميع اكتشافاته وأبحاثه، ورأى الجميع بأعينهم روعة ماكشفه تاجر القماش، وتيقنوا من أن ماينادى به هذا الرجل لم يكن حلما من خياله المريض أو مسا من الجنون، ولكن كان اكتشافا لعالم الميكروبات الذى يحيط بنا فى كل مكان دون أن يراه أحد قبل هذا الرجل.

كشف ليفينوك عن هذه العوالم ومات سنة 1723 فى عامه الحادى والتسعين دون أن يدرك خطورتها، ليقوم علماء آخرون باكمال المسيرة العلمية بعد عشرات السنين ويكشفوا علاقتها بالتخمر والتعفن وإفساد الغذاء وأمراض الإنسان والحيوان.

ورغم التقدم المذهل الذى خاضته البشرية فى العلوم والطب والفلك والصعود إلى القمر والمريخ، وصنع القنبلة الذرية و«الهيدروجينية» وامتلاك بعض الدول القدرة على تدمير العالم مرات ومرات. فإن مجرد فيروس صغير جعل العالم كله بعلمائه وأساطيله وجيوشه يقف عاجزا تماما فى مواجهته وهو يحصد الأرواح فى كل مكان بلا هواده. والجميع يفر ويهرب طالبا الأمان خلف الأبواب المغلقة فى انتظار أن يصل أحد العلماء بالعقل أو بالصدفة إلى علاج لمواجهة فيروس كورونا القاتل كما قادت الصدفة تاجر القماش إلى اكتشاف عالم الميكروبات المرعب والغريب.


لمزيد من مقالات محسن عبدالعزيز

رابط دائم: