رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإلحاد فى زمن الكورونا

يخيم الليل على الأرض كلها ويلقى بستار أسود على المسكونة من الخوف، ليتحكم فى النور الداخل إلى القلوب، ويفرض قانونا ثقيلا من الرعب والموت. وفى ظل عنفوان البشرية المتغطرسة والتى تظن أن سباق التسلح يحميها ويعطيها القوة يأتى فيرس لا يُرى بالعين وخارج حسابات البشر ليتحكم فى الشعوب برؤسائها وجيوشها ويفرض طريقة للحياة بلا حياة.

وقد مرت على البشرية أزمات أوبئة وأمراض كثيرة، على سبيل المثال ما حدث عام 165ق.م حين انتشر وباء فى الشرق وانتقل إلى الجيش الرومانى. وكانت حالات الوفاة حسب كلام المؤرخ الرومانى «كاسيوس ديو» (235-155ق.م) وصل لألفى حالة يوميا ومات فيها خمسة ملايين شخص، وسُمى الطاعون الأنطونى نظراً لأنه فى عصر السلالة الأنطونية لأباطرة روما.

ثم عام 1347 حتى عام 1352م انتشر ما يسمى بالطاعون الأسود أو الموت الأسود، وتسبب فى موت ثلث سكان القارة الأوروبية. ثم انتشر فى آسيا وأفريقيا، وظل أربعة عشر عاما يحصد أرواح البشر. وهاجم مصر ومات منها مائتا ألف وكانت الجثث تتناثر فى كل مكان على طول الطريق ما بين القاهرة وبلبيس، وكان يدفن يومياً فى القاهرة فقط ثمانمائة مصرى، وكانوا يدفنون دون تغسيل أو صلاة حتى لا ينتقل الوباء.

وفى أبريل 1918م وعقب الحرب العالمية الأولى انتشرت نوعية من الأنفلونزا القاتلة سميت الإسبانية تتميز بسرعة انتشارها، وأصابت مليار شخص، ومات فيها مائة مليون أى أكثر مما قتل فى الحرب العالمية الأولى، واستمرت عامين، واختفى فجأة كما جاء فجأة.

وفى رواية الطاعون للكاتب الملحد «ألبير كامى» التى تصف حال مدينة وهران الجزائرية على لسان طبيب ملحد اسمه «ريو» يقول قد صار سكان المدينة يأخذون العبر من حاضرهم، أعداء لماضيهم، محرومين من مستقبلهم. فكان الطاعون ينصب حراسا على الأبواب ليغلق المدينة، والحيوية المألوفة ماتت بالطاعون. وبدأ الناس فى إغلاق الأبواب والشبابيك فقد كان الطاعون نفيا وتفريقا، وانتزع من الجميع القدرة على الحب بعد أن أدرك الجميع أن المستقبل لم يعد باقيا.

وقد طرح «كامي» على لسان الطبيب أفكاره الإلحادية حين سأل أحدهم الطبيب لماذا تظهر هذا القدر الكبير من الإخلاص ما دمت لا تؤمن بالإله؟، فأجاب: «لو كنت أؤمن بالإله القدير لكففت عن شفاء الناس تاركا له هذا الأمر، ولما كان نظام العالم محكوماً بالموت. فربما خيرا لهذا الإله ألا يؤمن به الناس ويكافحون الموت بكل قواهم دون أن يرفعوا أعينهم إلى السماء حيث هو صامت». وهنا ندرك مغزى القصة التى تتكرر فى كل زمن.

وبعيداً عن النظريات والتحليلات التى قد تكون حقيقية من نظريات المؤامرة فى انتشار الميكروب، أو قد لا تكون حقيقية وأنه من فعل الطبيعة. ولكنى أرى إن هذا أو تلك بسماح من اللـه الذى يرى تدهورا إيمانيا واضحا على كل المستويات. وتكون هذه الحالة بمنزلة غربلة ومحك واضح فى رؤية كل واحد حقيقة إيمانه.

وبنظرة عابرة على حالات انتشار الموت الحادث من الأوبئة نرى أنها تأتى دائما فى أزمنة شعر فيها الإنسان بغروره وسيطرته على الكون، فكان الموت الخفى هو بمنزلة غربلة لكل البشرية لكى ترفع عيونها نحو السماء وتدرك أن الأرض ما هى إلا وقت مؤقت. فبينما الإلحاد المباشر الذى يعنى رفض وجود الإله أو غير المباشر الذى ينادى بعدم جدوى وجوده فى حياتنا ينتشر ويطالب الإنسان بالبحث عن مصيره وبنفسه بعيداً عن الإله، نجد الموت يضع علامات استفهام حادة لمعنى الحياة ومعنى الإنسانية.

فالحالة الإلحادية المنتشرة هذه الأيام تتمثل فى غرور الإنسان وشعوره بأنه قادرً أن يحل محل الرب فى إدارة شئون الحياة. فهناك مؤسسات وكيانات سياسية تضع خططا لقيادة العالم تقسم وتسقط دولا وتنشر أفكارا وتحاول أن تحول البشرية إلى عبيد لديها بالسيطرة على أفكارهم وطريقة حياتهم وتهميش دور اللـه والأديان والإيمان.

كما قال «فويرباخ» الفيلسوف الألمانى (1872م) الذى كتب كتاب «الإله والحرية والخلود» وكتاب «الجوهر الحقيقى للدين» قد قال: «الإنسان الشقى يبحث عن السعادة المنشودة وإذا لم يجدها فى ذاته وعلى الأرض أوهم نفسه أنه وجدها فى شخص غريب عن الدنيا اختلقته مخيلته وسماه اللـه». ويقول أيضا: «أن نقطة التحول فى التاريخ ستكون حينما يدرك الإنسان إنه إله نفسه». ويقول أيضاً: «الإنسان الذى يؤمن باللـه لا يؤمن بنفسه، فالإله الحقيقى هو الإنسانية. والدين يجب أن يموت لكى يقوم على أنقاضه عالم على مقاييس الإنسان الذى يلزم أن يكون هو إله نفسه».

ويقول «سارتر»: «إذا انفجرت الحرية فى روح الإنسان لم يبق للآلهة أى سلطان على الإنسان» ويقول أيضا: «المخلوق لا يمكن أن يؤكد ذاته إلا ضد الخالق، فإذا كان اللـه موجود فالإنسان عدم».

ويقول «نيتشه»: «سأفتح لكم قلبى يا أصدقائى لو كان هناك إله فكيف أطيق ألا أكون أنا إلها». تلك هى الأفكار التى انتشرت فى القرن الماضى وسط المفكرين والمثقفين ولكن لم تجد سبيلاً فى الأوساط الشعبية المتمسكة بالإيمان فى سلوكهم اليومى.

ولكن هذا الإيمان الشعبى أحيانا يكون سطحيا ومجرد كلمات أو طقوس دينية تحتاج إلى غربلة حقيقية هى تجربة وأزمة لكل البشر ليرى الرب من يؤمن حقيقية ومن لا يؤمن؟ من يظن أن الموت والحياة فى يد بشر وعلماء، ومن يؤمن أن الموت والحياة فى يد اللـه فقط؟

فقد تكون هذه المأساة التى نعيشها قاسية ولكنها إيجابية إذ تنكشف الوجوه الزائفة، ويرى كل منا ما يؤمن به حقيقة وليس مجرد كلمات. من يرى أنه مخلوق لإله هو الذى يعتنى، ومن لا يثق إلا فى المادة والأرض وأحكام البشر. من كانت صلاته مجرد كلمات، ومن يصلى وهو له إيمان بأن الرب يسمع وينظر ويحكم لأنه ضابط الحياة وربها وإننا خليقة صنعته ونحتاج إليه.


لمزيد من مقالات القمص أنجيلوس جرجس

رابط دائم: