رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تَذكَرونا فى عصر ما بعد كورونا!

العالم بعد كورونا لن يكون مثل ما قبله، سوف يتوقف المؤرخون كثيرا عند أفاعيل هذا الفيروس، الذى أصبح علامة يؤرخ بها ليس فقط فى كتاب التاريخ، وإنما أيضا بكتاب الجغرافيا، بعد غلق الحدود بين بلدان الاتحاد الواحد مثل ما حدث فى دول الاتحاد الأوروبى، وتعليق حركة السفر، وغلق المدارس والجامعات لينحصرغالبية الناس داخل حدود جغرافية جديدة لا تتجاوزأبواب المنازل.

هذا الحدث جلل بات حديث كل الدنيا، لدرجة أصبحنا نحن الصحفيين نعانى الأمرين فى الحصول على أخبار أخرى بعد أن باتت غالبية الأنباء لا تكاد يخلو أحدها من تأثيرات هذا الفيروس. فلم تعد أخباره مقصورة على أرقام الإصابات والوفيات والإجراءات الاحترازية للمواجهة، ولا حتى توقف الأنشطة الجماهيرية مثل المباريات الرياضية أو المهرجانات، وإنما أصبح متداخلا مع حركة البورصات وأسواق المال والأعمال وأحوال السياحة والسفر وأنظمة التعليم والامتحانات، والعمل بالقطاعات العامة والخاصة بل اصبحنا نسمع أغانى موضوعها هذا الفيروس ومكياج كورونا وطرق تنظيف الموبايل فى عصر كورونا!.

وصارت معدلات الإصابة به وأرقام ضحاياه تتصدر نشرات الأخبار والصفحات الأولى للصحف يوميا،على الرغم من أن ما نتج عنه من إصابات ووفيات أقل بكثير من الأويئة التى ظهرت قبله، فنسبة الوفيات إلى عدد المصابين بكورونا لم تبلغ 5 % .بل إن حصيلة الذين ماتوا بهذا الفيروس فى العالم، حتى كتابة هذه السطور، لم تتجاز 47ألف وفاة، والإصابات فى حدود 922ألفا، فى حين تتسبب الإنفلونزا العادية سنويًّا فى إصابة نحو خمسة ملايين شخص بالعالم، وموت 646 ألفا آخرين، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية. بل إن التغذية غير الصحية تتسبب فى وفاة 11 مليون شخص سنويا. فلماذا كل هذا الفزع؟

ربما لأن الدول المتقدمة ليس لديها وسيلة للحماية منه، حيث تزايد الخوف عندما اقترب الفيروس من قلب العالم المتقدم الذى ظل لقرون يصدر الرعب للغير (احتلال وحروب ونفايات نووية) دون أن يخشى رد الفعل. جائحة كورونا سوف تنتهى كما انتهت الأوبئة التى سبقته، وكل ما سوف يتبقى من هذه الكارثة هو دروسها.. فما أبرزها؟

لعل أهم ما تعلمه العالم من كورونا، هو ضعف الإنسان وإدراكه أن القوة وحدها لا تكفى ،وأن دوام الحال من المحال، وأن الله هو المغير الذى لا يتغير، وأن فيروسا صغيرا قد يفعل بالمتجبرين ما لا تفعله القنابل النووية.

وربما يتعلم الأقوياء أن أسلحة الدمار الشامل لن تحميهم من فيروس أصغر من أن تراه بالعين المجردة، وقد تبعث مشاهد نقل الجثث فى شاحنات لحرقها بعيدا عن السكان،برسائل مفادها أنهم لو أنفقوا على أنظمة نظم العلاج ربع ما أنفق على السلاح لما بشروا بالمزيد من الحزن على الأحبة فى قادم الأيام كما قال رئيس وزراء بريطانيا.

تعلمنا من جائحة كورونا ان النجوم الحقيقيين ليس أولائك الذين يتقاضون ملايين الدولارات، فقط لأنهم يجيدون رفس الكرة أو يزعقون خلف الميكروفونات أو يلعبون أدوارا مصنوعة أمام الكاميرات، وإنما الأبطال الحقيقيون هم من عينة الجيش الأبيض الذى يتقدم الصفوف لحماية الإنسانية اليوم، هم أولئك الذين لولا عملهم لعجزت البشرية عن الاستمرار فى الحياة، مثل الطبيب الذى يقدم العلاج أو الباحث الذى يخترع دواء أو آلة تجعل حياتنا أفضل، والفلاح الذى يزرع الغذاء وعامل النظافة الذى يحاصر الأوبئة القاتلة، والجندى الذى يحرس الأوطان، لمثل هؤلاء يجب أن تقام المنافسات المتلفزة وليس فقط أصحاب الأصوات الجميلة فقط!.

ومما تعلمه العالم أن العولمة ليس نهاية التاريخ فها هى الدول تنغلق على نفسها، وربما يجد دعاة الحمائية الاقتصادية فى هذا الوباء حجة قوية لمصلحتهم، عندما لمسوا أن العولمة الهائلة تسقط بضربة كائن مجهرى.

فهل يتعلم أصحاب رأس المال والشركات العملاقة التى تكسب المليارات على حساب الغلابة والفقراء أن الحقوق الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم ليست للمتاجرة، وأن العلم للبشرية وليس للاحتكار، هل يتعلمون الرحمة من الشركة الأيرلندية التى تعد أشهر مصنع لأجهزة التنفس الصناعى، والتى أسقطت حقوق الملكية الفكرية الخاصة وشاركت التصميمات مع الدول للبدء فى تصنيعها فورا مساهمة منها فى مواجهة كورونا. نتمنى أن يولد من رحم تجربة كورونا نموذج اقتصادى عالمى جديد، يحمى غيرالقادرين بكل مكان، ليس فقط من باب الأخوة الإنسانية، وإنما أيضا لأن فى ذلك مصلحة للجميع. فهل يحدث ذلك؟ لا أظن.. وإذا حدث ذلك، فتذكرونا فى عصر ما بعد كورونا!.


لمزيد من مقالات د. محمد يونس

رابط دائم: