رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بين الرحمة والتوحش!

خلال قرون مضت، تراوح تاريخ الانسان بين موجات عارمة من الرحمة والتوحش. بين الرغبة فى تدمير وتحطيم وامراض واهلاك اكبر عدد من الكائنات، وبين من يحاربون من أجل انقاذ روح إنسانية بريئة وحمايتها والدفاع عنها بكل السبل. ورغم ان الخالق سبحانه وتعالى نبهنا انه سبحانه ألهم النفس البشرية فجورها وتقواها، ورغم أن الشيطان سأل الله جل جلاله لماذا يكرم الإنسان وهو الذى سيفسد فى الارض ويسفك فيها الدماء، الا أن الله خلق بالانسان كل آيات المحبة والرحمة والتعاطف لانه نفخ فيه من روحه.

وككل لحظة فارقة فى تاريخ البشرية، تظهر معادن الإنسان الجلية ويتم اختبار عمق ضميره. والحق أن أكثر ما آلمنى فى الأزمة الأخيرة هو الموقف الغربى وتحديدا الاوروبى من العجائز وكبار السن. كنت أتصور ان التراث الضخم من النصوص الأدبية والفلسفية فى المجتمعات الغربية والتشدق الدائم من قبل الأنظمة الغربية فى إدعاء الدفاع عن حقوق الإنسان، و حالة الانهيار التام التى حدثت لاوروبا كلها بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية، كل ذلك سيجعل هناك التزاما وعقيدة ودفاعا مستميتين عن كل فئات المجتمع خاصة الضعفاء. كانت صور العجائز الاوروبيين وهم يصرون على الحياة والحب معا فى الغرب بعد رحيل ابنائهم أو بعد تقاعدهم، تلهب خيالى وخيال كل الناس. أضف الى ذلك ما ادعته النظم الاجتماعية بالغرب من حماية لتلك الفئة من الاجداد بتوفير تأمين صحى لهم ومعاشات تقاعد و غيرها. أين ذهب كل ذلك عندما حدث ما حدث فى اسبانيا، عندما دخل الجيش دور المسنين ليجد العجائز قد ماتوا فى أسرتهم بسبب هروب أغلب من يعملون فى تلك الدور خوفا من العدوى بفيروس كورونا. ونقلت بى بى سى عن مارجريتا روبيل وزيرة الدفاع الإسبانية تبريرا لذلك انه تم ترك هؤلاء العجائز كذلك حتى يمكن التعامل معهم من طاقم الجنازة المجهز بشكل صحيح. وقد تناول تقرير للصحفية أريانا إيونجونج تشا بجريدة واشنطن بوست الامريكية المعضلة الأخلاقية والقانونية التى تواجه الأطباء والمستشفيات فى مواجهة فيروس كورونا المستجد، حيث يضطر الأطباء إلى الاختيار بين المرضى، ومنح الأولوية للأطفال والشباب على المسنين والمرضى بأمراض مزمنة، وذلك بسبب محدودية عدد أجهزة التنفس. وقالت كريستيان سالارولى، رئيس وحدة الرعاية المركزة فى مستشفى فى بيرجامو، الواقعة فى المنطقة الشمالية من مدينة لومباردى، لصحيفة كورييرى ديلا سيرا: إذا كان عمر الشخص بين 80 و 95 عاما ويعانى ضيقا تنفسيا شديدا، فمن غير المحتمل أن يحصل على العلاج، إنها كلمات بالغة الصعوبة، لكنها للأسف حقيقة. لسنا فى وضع يسمح لنا بتجربة ما يسمى معجزات.

هل خوف الانسان على نفسه وصل لهذه الدرجة من انعدام الرحمة وانمحاء الانسانية؟ وعلى نفس القدر من الاندهاش، نجد أن من أكثر الفئات دعما لكبار السن هم الاطفال. فعلى سبيل المثال قام مائتا تلميذ بالسنوات الرابعة والخامسة والسادسة من أكاديمية سيلفر سبرينجز الابتدائية بمنطقة ستاليبريدج بمانشستر الكبرى، بتخصيص حفل لكبار السن حسب صحيفة ديلى ميل البريطانية. وقاموا فى الحفل بغناء اغنياتهم المفضلة وهم يتوجهون لكبار السن تضامنا معهم لكونهم فى عزلة ذاتية خوفا من إصابتهم بالفيروس التاجى الخطير.ورفعوا العديد من اللافتات التى تؤكد ذلك. وهناك طفل مصرى يعيش بالنمسا اسمه ميسرة محمود قام بمبادرة شخصية فى نفس هذا الاتجاه الرحيم. فقد أقنع زملاءه واصدقاءه من الأطفال بشراء كل احتياجات كبار السن من سلع ومشتريات والذين لا يستطيعون القيام بها. وبالطبع لا يتقاضون أجرا عن هذا العمل التطوعى العظيم.

ودون أى تحيز، يستحق المصريون من أبناء شعبنا كل تبجيل واحترام بسبب أخلاقهم الرفيعة وإنسانيتهم الجمة فى أزمة كورونا تلك. وقد علق كل إنسان مازال بجوانحه قلب ينبض على الدور الفدائى الضخم لأطباء وممرضى مصر وكل من يساعدهم فى ادارة المنظومة الصحية فى بلادنا. ومعهم أيضا جيشنا العظيم درعنا الحامية والمؤسسة المحترمة للشرطة المدنية، وهما رمانتا الميزان فى الحفاظ على الأمن والأمان التى ننعم بها جميعا. فالكل يثنى على تعامل الضباط وصف الضباط بشكل راقى فى هذه الازمة. وغيرها من آيات الرحمة لكل أبناء شعب مصر. مما يجعلنا نطمئن إلى أنه مازالت بقلوبنا الشفقة، وان التحضر الحقيقى هو ما ينعم به أغلبنا وليس ما تصورناه فى بعض الشعوب الاخرى.


لمزيد من مقالات د. أحمد عاطف دره

رابط دائم: