رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إعادة اكتشاف الذات مع كورونا

يحتاج المرء أحياناً لحدث استثنائى غير مسبوق لكى يعيد اكتشاف ذاته. لا يُتاح لنا غالباً خوض تجربة اكتشاف الذات وسط طاحونة الحياة اليومية وما تتسم به من رتابة وتكرار تعوّدنا الضجر بها بدعوى الملل، فإذا ما دهمتنا لحظة خطر وجودى مثل وباء فيروس كورونا نندم على شعورنا السابق بالتململ لكى تبدأ عملية اكتشاف الذات. فى هذه العملية ما هو إيجابى ومفيد، وفيها أيضاً ما هو سلبى مثير للتساؤلات والمخاوف، يحدث هذا على الصعيدين المحلى والدولي، للأفراد والحكومات معاً.

تبدّت فى مصر عملية اكتشاف الذات باستيقاظ الشعور بالتعاطف والتضامن مع ذوى الحاجة والأكثر تضرراً من العمال باليومية الساعين كل صباح إلى كسب رزقهم يوماً بيوم. هؤلاء اضطرتهم ظروف الحجر وحظر التجوال بسبب انتشار الوباء الفيروسى إلى البقاء فى منازلهم. أعرف من دفع لخدم المنازل رواتبهم بل وأكثر مطالباً إياهم بالبقاء فى بيوتهم. لكن هناك عمالة يومية كثيفة فى مصر تتجاوز بكثير أعداد خدم المنازل وتعانى الحاجة والحرمان. ظهرت مبادرات فردية نبيلة من بعض الرياضيين المصريين لمساعدة هؤلاء وتقديم تبرعات مالية أو عينية لهم. لم نسمع كثيراً حتى الآن عن مبادرات القطاع الخاص وكبار الأثرياء ورجال الأعمال لتقديم الدعم المادى للعمالة اليومية التى فقدت مصدر قوتها اليومى أو لدعم المستشفيات والقطاع الصحي. نتمنى أن يكون ذلك قد حدث ولم نعلم به مع أن إعلان هذه المبادرات الخيرية ضرورى لخلق حالة عامة فى المجتمع وتشجيع الآخرين على الاقتداء بها.

تابعنا خارج مصر تبرعات سخيّة لرجال أعمال ونجوم فن ورياضة لدعم القطاع الصحي. صحيحٌ أن الدولة قد تحركت وقدمت فى حدود إمكاناتها بعض الدعم المادى لفئات متضررة، لكن هذا لا يُغنى عن دور خيرى منتظر ومطلوب من جانب القطاعين الخاص والأهلى لدعم المتضررين والقطاع الصحي. وبمناسبة هذا القطاع فإننا وبقدر ما نحيى ونحنى الجباه عرفاناً بجهود الأطباء والممرضين الذين يعملون ويضحون لأجل أن يحيا الآخرون فإن التساؤل قائم ومشروع حول ما قدمه أو يقدمه القطاع الطبى الخاص، وهو قطاع واسع ومقتدر.

هل أعاد المصريون اكتشاف ذاتهم بالانضباط السلوكى والالتزام بقواعد حظر التجوال لمواجهة حركة انتشار الوباء؟ يصعب إعطاء إجابة محدّدة، إذ يبدو أن كل شريحة اجتماعية قد عبّرت عن سلوكها وذاتها لكن بطريقتها! فثمة شرائح اجتماعية تحلّت بالفعل بالانضباط السلوكى بينما انطلقت شرائح أخرى تمارس حياتها العادية فى الشوارع وكأن شيئاً لم يكن فى أجواء من المرح والسخرية والشعور بالتحدى والاستقواء فى مواجهة الوباء الفيروسي. ومع ذلك كانت إحدى إيجابيات السلوك المصرى هى عدم التكالب حتى الآن على تخزين السلع الغذائية وتفريغ أرفف المتاجر منها على نحو ما شاهدناه فى أكثر المجتمعات الغربية تقدماً.

مؤسساتياً، نجحت سلطات الدولة المصرية بشكل ملحوظ فى اكتشاف قدرتها على المبادرة وسرعة الحركة بقرارات حازمة وواعية فى كل القطاعات تقريباً ليس فقط على صعيد فرض إجراءات وقائية واحترازية وضبط حركة الحياة الاجتماعية إلى درجة إشادة منظمة الصحة العالمية بما سمته التجربة المصرية، ولكن الدولة نجحت أيضاً فى إصدار قرارات مهمة وسريعة بترشيد حركة التعاملات المصرفية، وصرف إعانة شهرية للعمالة اليومية غير المسجّلة، والتوزيع الاستباقى لأدوية الأمراض المزمنة على المواطنين لثلاثة أشهر مقدّماً، وإقرار زيادة لرواتب الأطباء والممرضين وأصحاب المعاشات قد لا تكون كبيرة لكنها لا تخلو من معان رمزية وإيجابية من جانب الدولة التى كانت ردود فعلها فيما مضى تتسم بالتردد والبطء.

الوباء الفيروسى يثير التأمل بشأن بعض الخصال وأنماط التفكير والسلوك وثقافة الإنفاق لدينا كمصريين. فالمطاعم الفاخرة ودور الترفيه السياحية وإمكانات السفر والاستمتاع بمباهج الحياة بما فيها رحلات العمرة والحج للأماكن المقدّسة، كل ذلك بدا موصوداً فتساوينا جميعاً أغنياء وفقراء، وفرضت الطبيعة علينا مبدأ المساواة فى المكوث فى بيوتنا. هكذا وبسبب وباء كورونا أعدنا اكتشاف الإحساس بالتقشف والتواضع والانتباه لمعاناة الغير وإدراك أن فقد وسائل الرفاهية وإمكانات التنزه والتبضع وإنفاق المال ولو مؤقتاً لن يميتنا وسنبقى أحياء وربما سعداء!

ولعلّ أهم اكتشافات الذات فى محنة الوباء هو ما تجلّى فى موقفنا الروحى من الدين والموت والآخرة. هنا بدا اكتشاف الذات مربكاً وملتبساً فاعتبر البعض أن فيروس كورونا بغموضه غير المسبوق فى التاريخ، على الأقل بسبب سهولة انتشاره بمجرد اللمس هو إعلان هزيمة العلم فى مواجهة الدين. نسينا أن هذا الفيروس الغامض ما زال حتى اللحظة يثبت أهمية العلم والعقل بدليل أن العالم يحبس أنفاسه ويعد الأيام انتظاراً لاختراع مصل أو دواء يوقف انتشار الوباء. نحتاج إذن لطرح المسألة بشكل دقيق، فانتشار الفيروس الغامض لا يعنى هزيمة العقل أو العلم بقدر ما أن اختفاءه واندحاره لن يعنى هزيمة الدين فى نفوس البشر. فلنضع قضية الدين والعلم فى إطارها الصحيح بعيداً عن اصطناع التناقض بينهما.

والواقع أن العالم كله يخوض عملية اكتشاف الذات فى زمن كورونا. فالحكومات الغربية تكتشف اليوم أهمية التضامن الدولى لمواجهة الحرب الفيروسية فى الوقت الذى تعترف فيه ولو ضمناً بالأنانية التى لم تستطع إخفاءها فى مواجهة الوباء الذى كشف سوءات كثيرة فى بنية التحالف الغربي. جاءت الصين لتزيد من مأزق التحالف الغربى بنجاحها فى تحجيم انتشار الوباء على أرضها ثم نهوضها لتقديم المساعدات والخبرات والنصائح للدول الغربية المنكوبة بالفيروس التاجي. بدت مشكلة التضامن الدولى فى العجز الذى ظهرت عليه أمريكا، ربما للمرة الأولى، وهى فى موقف الاحتياج لا العطاء، وليس لديها ما يكفى من الكمامات وأجهزة التنفس، ثم فى قيادة الرئيس الأمريكى ترامب الكامنة فى اقتناعه العميق بمبدأ أمريكا أولاً، وهو المبدأ الذى أضعف دور أمريكا فى العالم وانتقص من قدرتها على التأثير والإلهام. لم يسترح الاتحاد الأوروبى لدور الصين وبشائر قيادتها للتضامن الدولي، وبدا انتقاد الرئيس الفرنسى ماكرون مساعدات الصين بالغ الغرابة وكأنه يذكّرنا بالمقولة الشعبية المصرية لا يرحم ولا يترك رحمة ربنا تنزل. فلا الاتحاد الأوروبى قدم شيئاً ملموساً لإيطاليا وإسبانيا ولا هو سعيد بأن تقدّم لهما الصين شيئاً.

خلاصة الأمر أن العالم كله سيعيد اكتشاف ذاته أفراداً وحكومات، دولاً ومنظمات دولية أممية. أخطر وأهم هذه الاكتشافات أن وباء كورونا أصبح مثل الفوضى الخلّاقة فى التبشيربنظام دولى جديد تتغير فيه الأدوار والأدوات والقيم لترتد عبارة كوندوليزا رايس إلى ديار الغرب بعد أن كانت قد أطلقت أصلاً لأهداف التصدير فيما وراء المحيط!


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: