رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العالم فى زمن كورونا

لن يعود العالم كما كان بعد انقضاء أزمة انتشار وباء كورونا الذى اجتاح العالم وحصد أرواح آلاف البشر, فما حدث سيؤدى إلى تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة سواء على المستوى المحلى أو العالمي, إذ إن كثيرا من المفاهيم والسياسات التى استقرت على مدى العقود الماضية أضحت عرضة للاهتزاز والتشكيك, بدءا من الحديث عن مراجعة دور الدولة وسلطاتها ودرجة تدخلها فى حياة المواطنين الشخصية وطبيعة الأنظمة الحاكمة وكفاءتها وغيرها من أمور مجتمعية, إلى احتمالات إعادة تشكيل النظام الدولى على أسس مختلفة, قد تُنهى عصرالريادة الأمريكية والأحادية القطبية والعولمة ويتحول مركز الثقل من الغرب إلى الشرق لتحتل فيه الصين مكانة محورية, أى أنها أزمة أشبه بالزلزال الذى سيُجرف معه كل ما هو ثابت.

تلك بعض الفرضيات الأساسية التى كشفت عنها العديد من الدراسات خلال الأشهر الثلاثة الماضية الصادرة عن كبريات الجامعات الأمريكية ومراكز الأبحاث مثل هارفارد وبرينستون وبروكنجز, والتى تستحق التوقف عندها, لما تثيره من قضايا شائكة تتجاوز ولا شك حدود هذه الأزمة الطارئة.

فمن ناحية أولي, ووفقا لما جاء بالدراسات المشار إليها, ستعزز أزمة كورونا من مفهوم الدولة القومية التدخلية, وستلعب دورا أكبر ومتزايدا عما هو سائد, وأن السلطات الاستثنائية الواسعة التى مُنحت لها لمواجهة الأزمة سيكون من الصعب التخلى عنها بعد ذلك, وهو ما يثير الجدل مرة أخرى حول الحدود الفاصلة بينها وبين الحريات الفردية والعامة بعدما ترسخت منذ القرن السابع عشر إبان عصر التنوير وعكستها مواثيق الأمم المتحدة والميثاق العالمى لحقوق الانسان منذ اربعينيات القرن المنصرم وتأكدت بعد انهيار معظم النظم الشمولية فى العالم, فتكون الدولة بالضرورة أقل ليبرالية تجاه مواطنيها, ولكنها فى المقابل ستكون مضطرة للإعلاء من برامج الرعاية الاجتماعية من صحة وتعليم وارتقاء بالبحث العلمى وكل ما يندرج تحت بند المسئولية الاجتماعية والخدمات العامة, بعبارة أخرى إن السلطة التى ستكتسبها الدولة ستواجهها واجبات وأعباء اكبر.

ومن ناحية ثانية سيصبح عنصر الكفاءة وليس فقط ضمان الحقوق والحريات هو العنصر الحاكم فى تقييم آداء الحكومات والأنظمة السياسية, والحجة هنا أن الإجراءات التى اتخذتها دولة مثل الصين وكوريا الجنوبية وبعض الدول الآسيوية كانت أكثر فاعلية وسرعة وحسما من الدول الغربية العريقة فى ديمقراطيتها وفى صون الحريات بمستوياتها المختلفة, ببساطة لأنها لم تلتفت إلى تلك المبادئ التى تشكل عليها النموذج الغربي, وبدا الفرق واضحا عندما ارتبكت دول كبرى فى بدايات الأزمة مثل الولايات المتحدة التى طغت فيها المنازعات الحزبية الضيقة وخلافات الرئيس مع حكام الولايات على التوحد للتصدى للخطر, وكذلك ألمانيا وفرنسا وايطاليا, واتسمت قراراتها بالبطء فى ادارة الأزمة, بل ودخلت بعض الدول الأوروبية التى يضمها اتحاد واحد فى مشادات مع بعضها البعض اختارت على أثرها روما مثلا اللجوء إلى روسيا والصين لتوفير احتياجاتها من مستلزمات الوقاية من فيروس كورونا بعدما اتهمت أقرانها بالتقصير فى تقديم يد العون لها.

ومن ناحية ثالثة, ذهبت نفس تلك الدراسات وما حملته من توقعات إلى التحذير من قرب انقضاء عصر العولمة الذى حكم النظام الدولى منذ أكثر من ثلاثة عقود, على أساس ما أفضت إليه سبل مواجهة الأزمة من تدعيم لفكرة الانعزالية والتقييد وانكفاء الدول على داخلها واتخاذها, كل على حدة, لسياسات حمائية مستقلة بها, ناهيك عن توقف شبه تام لحركة النقل والطيران والتجارة وعمل الشركات المتعددة الجنسيات, ما أعاد الحديث بقوة عن إغلاق الحدود وإرساء الحواجز وليس إزالتها وفق ما تقتضيه سياسات العولمة.

لكن وعلى الرغم من وجاهة بعض تلك الأراء ووجهات النظر, فإنه من الصعب التعويل عليها لاستخلاص نتائج نهائية مستقبلية, فعلى سبيل المثال مقولة انتقال الريادة العالمية من الغرب إلى الشرق وتحديدا الصين, تفتقد ما يدعمها من حجج منطقية أو مقنعة, فالأخيرة لا تقدم نموذجا يُحتذى يمكن تعميمه فتجربتها شديدة الخصوصية وثقافتها مُغرقة فى المحلية, صحيح أنها أثبتت قدرا من الكفاءة فى مواجهة أزمة كورونا بحكم نظامها السياسى المسيطر وسياساتها الصارمة, لكن هذا لا يقطع بأفضليته على النموذج الغربي, إذ أن طبيعة هذا النظام المغلق وافتقاره للشفافية, هى ذاتها التى أدت إلى اخفاء الحقائق والتعتيم عليها فور انتشار الوباء ما تسبب فى تأخر مواجهته عالميا واتخاذ الإجراءات والاحتياطات اللازمة فى التوقيت المناسب, إذن هناك وجهان للصورة ربما تبدو احداهما براقة إلا أن الأخرى ليست كذلك بالضرورة.

أما عن انقضاء عصر العولمة, فيُعد بدوره قفزا على الواقع وبُنى فقط على ظروف استثنائية, فالأزمة الحالية لا تختص بدولة أو منطقة بعينها, لكنها أزمة جميع الدول والشعوب, وبالتالى فلا سبيل للخروج منها إلا بمزيد من الترابط الدولي, وتكفى الإشارة إلى الحاجة الملحة لتطوير الأبحاث العلمية والوصول إلى علاج لهذا الوباء, وبديهى أن العلم لا وطن له, ففائدته تعم على الجميع لخير البشرية دون تمييز.

ونفس الحال ينطبق على الاقتصاد, فلا جدال أن سياسات الحظر التى فرضتها كورونا ستُخلف اثارها السلبية العميقة على اقتصاديات معظم الدول, وستتضرر السوق العالمية بشدة, ولن يكون هناك سبيل للنهوض اقتصاديا إلا بمزيد من التعاون والاندماج والاعتماد المتبادل وليس العكس, مثلما حدث فى ثلاثينيات القرن الماضى مع أزمة الكساد العالمى وأيضا فى الأربعينيات بعد الحرب العالمية الثانية, والمفارقة هنا أن الولايات المتحدة التى اختارت طوعا اتباع سياسة العزلة الدولية سرعان ما بدلت سياساتها بعد خروجها منتصرة من الحرب, بل وتبوأت قيادة العالم بعد أفول عصر القيادة الأوروبية, ولم يتم تجاوز الخسارة الجسيمة التى أفضت إليها الحرب العالمية إلا بتضافر الجهود للتغلب على عواقبها الاقتصادية, لذلك لم يكن غريبا أن يعود الرئيسان الأمريكى والصينى على ما بين بلديهما من منافسة تجارية تصل إلى حد العداوة, للدعوة مجددا للتعاون بينهما فى مواجهة خطر كورونا, بعدما أسهبا فى الحرب الكلامية والتراشق فى التصريحات, وكيل كل منهما الاتهامات للآخر وتحميله مسئولية انتشار الفيروس.

باختصار, سيصبح العالم فى احتياج أكبر للتعاون لاحتواء تداعيات الأزمة, وهو ما سيعطى دفعة جديدة للعولمة بخلاف ما طرحته الفرضيات السابقة, والأهم من ذلك هو إعلاء القيم الانسانية المشتركة واحياء روح المحبة والإخاء فى وقت المحن, مثلما بشر بها الروائى الكولومبى الشهير جابريال جارسيا ماركيز فى رائعته: الحب فى زمن الكوليرا.


لمزيد من مقالات د. هالة مصطفى

رابط دائم: