رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاختبار

إن العالم يمر باختبار شديد، المختَبرون فيه كثيرون. الأمل ألا يتوانى الجميع ويجدوا الحكمة فى القرارات إزاء كوفيد 19،إلى أن يجتاز العالم هذه المحنة العصيبة. إن كوفيد 19 اختبار لكثيرين: الدول والمؤسسات الطبية والعلمية والاقتصاد العالمى والبشر عامة. الدول وقادتها والمعايير التى يتبعونها فى امتحان مدى فاعلية أو عدم فاعلية سياساتهم فى تحديد بلوغ بر الأمان.ها هى الصين على وشك الخروج من الأزمة، كما تفاعلت سنغافورة واليابان وهونج كونج وتايوان بحكمة شديدة مع الفيروس. هذا بينما تفاقم الموقف فى الولايات المتحدة وأوروبا إلى حد التفشى بسبب التراخى أو تأجيل الاختبارات، مع العلم بأن منظمة الصحة العالمية حثت جميع البلدان على تعزيز الاختبارات لاحتواء الفيروس. ما هو الأهم: إغلاق الحدود أو إيقاف الرحلات الجوية أو كليهما؟ إغلاق الحدود بين الولايات المتحدة وكندا من الأمور شديدة الصعوبة، لأن البلدين يعتمدان على بعضهما فى الطعام والضروريات. هل يتم التركيز على إعادة تنشيط الاقتصاد كما يتعهد الرئيس ترامب؟ أو إبقاء المواطنين أحياء كما هو متبع فى معظم البلاد؟ تساؤلات واختبارات شديدة العواقب، وكل دولة تشرع بالأسلوب الذى تعتبره الأنجح.

والأهم كيف تساعد الدول من فقدوا مصدر الرزق من أصحاب الأعمال المتوسطة الحجم والصغيرة وكذلك العمالة؟ رئيس وزراء كندا أعلن مساعدات مالية للأفراد بنحو 82 بليون دولار، حتى يتسنى لهم شراء الطعام ودفع الإيجار أو أقساط الرهن المنزلي، إذا لم يكن بمقدورهم ذلك. والمتضررون فى مصر كثيرون، فالذين يسترزقون رزقا يوميا لا حصر لهم. وقد أعلن وزير القوى العاملة محمد سعفان أن العمالة غير المنتظمة ستحصل على منحة بقيمة 500 جنيه. الرعاية الصحية أيضا فى مهب الاختبار. ضغوط شديدة تقع على عاتق المسئولين مع كثرة العمل الشاق وفرص التعرُّض للوباء، وعندما لا تتوافر الأسرّة أو الأقنعة أو الاختبارات أو حتى الأطباء. وهل يتضاعف المجهود المبذول مع المسنين الذين يعانون الأمراض العضال؟أم يتركون فى رعاية الله كما كان الحال فى بعض البلاد؟.

الإنسانية فى قيد الاختبار أيضا. فى بلاد كثيرة، وبالذات فى الغرب، تفشّت الأنانية بين شرائح من البشر وتملّكهم الهلع، فأسرعوا فى شراء مؤن قد لا يستهلكونها أبدا تخوُّفا من شح الطعام غير مبالين بالآخرين واحتياجاتهم. كما تملّك الجشع بعض التجار والسماسرة الذين رفعوا أسعار الغذاء والمستلزمات الطبية والمطهرات،أو أخفوا البضائع للبيع لاحقا. أما البعض الآخر فاعتبر نفسه أقوى من الفيروس، فاستمر فى مغادرة المنزل ولم يحافظ على المسافات، غير مبالين للعواقب، واستمروا فى التقبيل والأحضان وعدم غسل الأيدي. إلا أنه مع انحسار التجمعات وإبقاء المسافات والتزام المنازل إلا للاحتياجات القصوي، بدت المجتمعات كما لو أنها تعيش فى شرانق من صنعهم

أما الاقتصاد العالمى فلم يصادفه كارثة مثل هذه من قبل. أزمة 2008 الاقتصادية والأزمة التى أعقبت سبتمبر 2001 لا يمثلان شيئا بالنسبة لما يحدث الآن. انهيار الاقتصاد العالمى حتمى عندما يتوقف الاستهلاك وتُمنع التجمعات وتُغلق المدارس والمطاعم والمنتديات ويفقد الكثير الكسب ووسائل الإنفاق. لقد ضخت معظم الدول المليارات من أجل مواجهة انهيار اقتصاد بلادهم. من سيصمد أمام هذا التيار الجارف؟ ومن سيخرج فائزا، ومن سيخرج مهزوما؟ وكم هو الوقت الذى يحتاجه العالم ليعود إلى سابق عهده؟. توقف الإعلام عن نشر أى قضايا إلا كوفيد 19، محددا ما يستحق المتابعة. أصابنا الإعلام باللامبالاة تجاه جميع البؤر الساخنة الأخري. تغاضى عن نشر أخبار ليبيا أو سوريا أو أى مناطق متحاربة أخري. لم يبالِ إذا وقع إعصار أو زلزال فى إحدى بقاع الأرض. حتى الحروب التجارية التى كانت على وشك تفكيك العالم أجمع باتت غير مهمة. المعاناة اليومية التقليدية تبددت والأحلام المستقبلية تأجلت، بل أصبحنا نكرِّس التفكير والتدبير والاحتياط والتركيز على الفيروس. للأسف سوف يستمر الإعلام فى التركيز على المثير وعدم إعطاء جميع الموضوعات نفس الأهمية دون انحياز ولا تفضيل. عند اكتشاف لقاح ضد فيروس الكورونا سيدخل العالم فى اختبار آخر. مع ثبوت صغر العالم هل ستتعاون الدول مع بعضها البعض وتوفر اللقاح للجميع؟ أم سيساوم به البعض حتى يتسنى لهم الكسب؟ أكدت وزارة الصحة الألمانية تقريرا قيل فيه إن الرئيس ترامب عرض مليار دولار على شركة تسمى كيورفاك لشراء الحقوق الحصرية للقاح ضد كوفيد 19، وهذه هى أولى القصائد كفرا.

إن هذا الفيروس ما هو إلا اختبار مؤلم على جميع قاطنى هذا الكوكب، واجتيازه سيكون شديد الصعوبة. سيزول الكابوس فى وقت ما، لكن بعد أن يتمكن من تغيير السلوكيات الفردية والدولية. لا نعرف إذا كان الكوكب الجديد الذى سيطل علينا بعد هذا الوباء سيكون مُعدلا ومُحسناأم سيكون نفس الكوكب بأخطائه وأحزانه ومجازره؟


لمزيد من مقالات د. عزة رضوان صدقى

رابط دائم: