رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الذات الإنسانية من الانكشاف إلى التجدد

أظهرت جائحة الكورونا عن انكشاف تاريخى للذات الإنسانية, بهذه العبارة ختمنا مقالنا قبل الماضى المعنون مصير الإنسانية المشترك...ماذا كنا نعنى بذلك؟

فمثلما تمس الجائحة, ماديا, الجهاز التنفسى، ما يعوق الرئة عن التنفس. هكذا طالت الإنسان المعاصر وعطلته كليا. وذلك فى الجوانب التالية: أولا: مقارباته الفكرية والدينية والعلمية. وثانيا: خياراته السياسية والثقافية والعقيدية. وثالثا: ولاءاته المؤسسية المختلفة. ورابعا: ممارساته الحياتية والسلوكية. وخامسا: توجهاته وتحيزاته. بالطبع وفق موقعه فى البناء الاقتصادى والاجتماعى من جهة. وعلاقاته التوافقية أو الصراعية مع الآخرين ممن ينتمون لنفس الموقع الاقتصادى والاجتماعى أو يختلفون عنه من جهة أخرى...

فقبل الجائحة, وهى مفردة مشتقة من كلمة اجتياح، التى تحمل/تحتمل المعانى التالية: الغزو، والاكتساح، والتدمير، والهلاك، والإبادة،...أقول قبل الجائحة كانت الإنسانية تئن من: أولا: اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية. وثانيا: اللايقين الدينى والفكرى. وثالثا: الاختلال البيئى والطبيعى والبيولوجى. ولكن المنظومة الكوكبية الحاكمة، كانت تُسير الإنسانية من خلال رسم صور حول الواقع والمستقبل المنتظرأغلبها مصطنع بحسب الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت ( 1906 ــ 1975). أو كاذب بحسب الفيلسوف والناقد الفرنسى جاك دريدا (1930 ــ 2004)...والحقيقى من هذه الصور لا يستفيد منه الجميع. ولا تمتد عوائده للأغلبية. أى تكون حصيلة هذه الصور من: تقدم تقنى، وتميز اقتصادى، وتأمين حياتى،مقصورة على القلة...

ولتعويض الأغلبية كانت تتم علاجات تسكينية وسطحية وعابرة...ما راكم الأزمات، وفاقم الاختلالات، وضاعف اللايقينيات...فأخذ الأنين يتعالى...

ولكن مع قدوم الجائحة, انكشف المسكوت عنه على جميع الأصعدة.فمن مزايا الجوائح, تاريخيا, أنها تُشرق على البشر، دوما، بالحقيقة جلية واضحة دون تجميل أو تدليس معلنة نهاية زمن وبداية جديد. وهو ما دأبنا على كتابته حول الحقبة الماضية من تاريخ العالم، بأن مواطنى، هذا العالم، قدباتوا أسرى احتدام السجال بين منظومتين: إحداهما قديمة تنازع من أجل البقاء، وأخرى جديدة تصارع من أجل الوجود...وهو أمر، مهما يطل، لا يمكن أن يصمد طويلا...وأنه مع أول ضرر كارثى كبير سوف تظهر على السطح هذه العلاقة السجالية المحتدمة...

لذا عندما هجمت الجائحة على البشرية، ومن ثم أشرقت لحظة الحقيقة، انكشفت الذات الإنسانية لتدرك معهانقاط ضعفها...وتنشغل بإيجاد إجابات عن أسئلة مصيرية حيوية من عينة ما يلى: أولا: لماذا جار البعض وقبل البعض الآخر بالجور؟. ثانيا: كيف جرت عملية/عمليات الجور هذه؟. ثالثا: كيف يمكن تجاوز عملية الجور التاريخية؟...إلخ.وحول هذه الفكرة يقول أحد علماء الاجتماع المحدثين ما نصه: إن التعرض للضرر هو فرصة تتيح لنا إدراك حدودنا الإنسانية وطبيعة وجودنا الإنسانى، وكل ما جرى للإنسانية من عمليات آلت بها إلى : اللامساواة، واللايقين، والاختلال. وبالأخير التأسيس لإنسانية جديدة...

هل فعل كل ذلك فيروس الكورونا المستجد (الكوفيد ــ 19)؟...قد لا يزال البعض, وفى الأغلب ممن ينتمون للقديم, ممن لا يزالون ينازعون، والذى سنفترض أنهم يطرحونه بغرض استفهامى وليس استنكاريا، نقول: نعم...

فلقد تجاوز فيروس الكورونا حدود طبيعته البيولوجية وأنه خطر صحى وبائى محض إلى كارثة حلت بالإنسانية عابرة للحدود، والطبقات، والثقافات...

بلغة أخرى، أدى انكشاف الخلل فى أنظمة الرعاية الصحية خاصة فى الدول المتقدمة. إضافة إلى المراوغات المبكرة من أجل: أولا: استثماره سياسيا، وثانيا: التخفيف من الأمر، ثالثا: محاولة البعض لاحتكار العلاج من خلال عروض كواليسية غامضة. وبالأخير، ما نتج عن ما سبق من تداعيات امتدت لكل مناحى الحياة. ما أدى إلى إصابة الكوكب بالشلل التام عبر: عزل وحجر مواطنيه: أمراؤه وغفراؤه على السواء...الأمر الذى وهنا المفارقة وسخرية القدر, حقق ديمقراطية بين الجميع لم تتحقق وقت السراء ــ المُصطنع، قبل الجائحة, بينما تحققت وقت الضراء , الجائحة, أو لحظة الحقيقة التى تبينها الجميع بجلاء...

فى هذا السياق، نشير مرة أخرى إلى تيار التفكير النقدي(الذى يضم أسماء مثل: إدجار موران، وناعومى كلاين، وسلافويجيجك، وجاك أتالي) الذى تسود بقوة تحليلاته للجائحة منصات الرأى. ومثلما عرضنا فى الأسبوع الماضى لآراء الفيلسوف الفرنسى إدجار موران (1921)، نعرض لأفكار الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر (1956)، التى تقول فى حوار نشر مؤخرا لها حول الجائحة بأن: الفيروس الحقيقى يكمن فى: سياسات التمييز بين البشر. هذه السياسات هى التى أسهمت أن تؤول البشرية إلى ما آلت إليه فتصبح فريسة يسيرة لفيروس الكورونا المستجد, الذى كان متوقعا بحسب التقارير السنوية لمنظمة الصحة العالمية والتقارير المؤسسية فى كثير من دول المركز. ويعود تعثر هذه الدول فى مواجهة الجائحة إلى القبول المطلق بمرجعية قوانين السوق دون النظر فى المصلحة العامة أو الخير العام...أو المستقبل المشترك أو القدر الواحد للإنسانية، خاصة فيما يتعلق بصحة وحياة مواطنيها...ما أخر إيجاد العلاجات المختلفة لحين تقرر السوق من سيحظى بأن يرسى عليه عطاء العلاج ومن سيكون له حق توزيعه وتحديد ثمنه وجنى عوائده...

إلا أن لحظات الضرر التاريخية الكبرى هى فرصة لتجديد الذات الإنسانية التامة الانكشاف أمام الجوائح...ذات متصالحة مع العالم والمجتمع والله...ذات متحررة من الهيمنة والجور والاستباحة والقبح...ذات غير متواطئة مع الصور المصطنعة والكاذبة أو الجزئية الحقيقة...ذات مسئولة ومتضامنة من أجل إعمار الخليقة...ذات فاعلة نحو بلوغ الكرامة والحرية والعدالة...

وهو أمر لا ولن يحدث مالم ندرك أهمية الانكشاف التى نعيشها بتفاصيلها دون تهويل أو تهوين...ومن ثم القدرة المستقلة على تجديد الذات بما يتناسب مع زمن ما بعد الجائحة الذى أتصوره مغايرا تماما.


لمزيد من مقالات سمير مرقس

رابط دائم: