رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عالم ما بعد كورونا والدول الناجية

بعد أن استقبل الرئيس الصربى ألكسندر فوتشيتش ستة أطباء صينيين عند سلم الطائرة فى مطار بلجراد، توجه إلى أحد الأعلام الصينية التى ترفرف فى جوانب المطار ليقبله، تقديرا لتحرك الصين السريع لمشاركة صربيا فى مواجهة وباء كورونا المخيف، فأرسلت الصين دفعة أولى من الأطباء ومعهم أطنان من المعدات والأدوية، بينما لم يرد الاتحاد الأوروبى أو الولايات المتحدة على استغاثة صربيا، أما إيطاليا فكان الاستقبال شعبيا ومؤثرا، وأطلت الأعلام الصينية من شرفات المنازل والنوافذ، وأنزل الإيطاليون أعلام الاتحاد الأوروبى، فقد وصلت وفود طبية من الصين وكوبا وروسيا لوقف زحف الوباء من ميلانو فى شمال إيطاليا وحتى روما فى الوسط ويتمدد نحو سيشيليا فى الجنوب، دون أن يتمكن أحد من وقفه، ولم يصل صوت صراخ ونحيب الإيطاليين إلى جيرانهم وحلفائهم فى أوروبا وأمريكا، وهم عاجزون عن الخروج من منازلهم لرؤية أحبتهم المحتجزين فى المستشفيات، ولم يتمكنوا من توديع جثامين من رحلوا خشية العدوى، ولم تعد المشافى قادرة على استقبال المزيد الضحايا، فلا يوجد ما يكفى من أطباء وغرف للعناية المركزة، ولا حتى ملابس وأقنعة قادرة على حماية الطواقم الطبية من الوباء. بينما جاءت أطنان من المعدات الطبية الصينية عبر طائرات الشحن وقطارات قطعت آلاف الأميال، ومكتوب عليها عبارة مقتبسة من الفيلسوف الرومانى سينيكا، تقول إننا أمواج فى بحر واحد وأغصان فى شجرة واحدة.

كان الإعلام الغربى يروج لصورة بشعة عن الصين قبل شهرين فقط، عندما ظهر فيها الوباء، وألقوا عليها باللوم وكأن الفيروس يحمل جواز سفر وجنسية صينية، واعتقد الكثيرون أن الصين المكتظة بأكثر من مليار نسمة سوف تنهار أمام هجمات الوباء الغامض، فمركز الوباء كان مدينة ووهان الواقعة فى قلب الصين وملتقى أهم الطرق بين أكبر مدنها ومراكزها الصناعية، ويأتى الطلاب إلى جامعاتها من أنحاء الصين، وعندما أفزعهم المرض فر الكثيرون من الوباء، لكن الصين صمدت أمام الوباء، بفضل حشد كل طاقاتها البشرية والعلمية ونظامها الدقيق وإجراءاتها الصارمة، وكانت الطائرات المسيرة والريبوتات الآلية تنقل الأدوية والطعام إلى السكان المحاصرين، وتشارك فى تعقيم الأماكن الخطرة، بينما تمكن أطباء الصين من تحقيق أعلى معدل شفاء بفضل الجمع بين الطب الصينى القديم وأحدث طرق العلاج بعد تمكنهم من فك شيفرة الفيروس الجديد، وبينما كانت ووهان تتعافى من الوباء وتتخلص من قيود الحجر الصحى، ويحصل سكانها على حق التنقل بحرية، كانت الولايات المتحدة تتقدم إلى المركز الأول فى عدد الإصابات، ويجتاح الوباء أهم ولاياتها، ويشل حركتها، وتتغير لهجة الرئيس الأمريكى الذى كان يؤكد صعوبة عبور الوباء إلى الولايات المتحدة، وإذا تمكن من عبور المحيط، فالقدرات الأمريكية يمكنها أن تسحقه، لكن ها هو ترامب مفزوع من التدهور المريع للاقتصاد الأمريكى، رغم ضخ تريليونى دولار لدعم الشركات والأفراد المتضررين، وإذا استمر تمدد الوباء فلن تصمد أمريكا، التى عجزت فيها ولاية نيويورك عن توفير غرف عناية وأسطوانات أكسجين لآلاف المرضى، فكانوا كل عدة مرضى يتناوبون أسطوانة أكسجين واحدة، ويتعلقون بأمل الحياة، لكن الرئيس ترامب ارتكب خطأين فادحين عندما قال إن العمال والموظفين سوف يتوجهون إلى العمل رغم الخطر، ولن تخضع الولايات المتحدة لحظر التنقل، مفضلا فقدان الأرواح على تبدد الأرباح، فهو يرى أن الكارثة الأكبر هى الخسائر الاقتصادية الفادحة للشركات الأمريكية، واللون الأحمر الذى يشير إلى تراجع قيمة الأسهم فى البورصات الخالية من المشترين والبائعين، ومراكز التسوق التى خلت من السلع التى يخزنها الأمريكيون الذين قرروا الاحتماء داخل منازلهم، لكن قسوة ترامب لم تكن فى إصراره على عودة الأمريكيين إلى أعمالهم بسرعة فقط، وإنما لأنه أدار ظهره وتجاهل استغاثات حلفائه الأوروبيين، بل قرر خفض المساعدات إلى دول مثل اليمن التى تواجه أسوأ مأساة إنسانية، لتخرج الصحف وقنوات الفضائيات الأمريكية، وهى تؤكد أن الولايات المتحدة قد خسرت قيادة العالم فى حرب كورونا، بينما أمسكت الصين بعجلة القيادة، لأنها تمكنت فى وقت قياسى من دحر الوباء بفضل حشد قدراتها العلمية والتنظيمية وثقة الشعب وتجاوبه ومشاركته، وقدمت نموذجا جديدا فى قيادة العالم، يؤمن بوحدة البشر وأهمية تعاونهم، بدلا من روح الأنانية وشعار أمريكا أولا وفرض العقوبات بدلا من مد الأيادى للإنقاذ.

لقد أعطى فيروس كورونا الصغير للغاية درسا للبشرية، ليعرفوا أنهم ليسوا بالقوة التى تخيلوها، وأنهم يندفعون إلى الهلاك بإهمال بيئتهم وزيادة نهمهم وجشعهم وحروبهم من أجل الاستحواذ على المزيد من الثروات وتجويع ونهب باقى الشعوب، وأن الدول الناجية هى القادرة على حشد طاقاتها بروح الجماعة البشرية، التى تتماسك أياديها بروح المحبة والإخاء والمساواة.


لمزيد من مقالات مصطفى السعيد

رابط دائم: