رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفرار من التفاهة

نعم حدث بالفعل قبل أكثر من عشر سنوات، أن صحفيا موهوبا دخل إلى مكتب صديقه لتهنئته، بتعيينه مسئولا فى المؤسسة الكبيرة، الصديقان متخرجان فى نفس الكلية وفى نفس العام، وامتدت العلاقة بينهما لما يقرب من 25 سنة. جلس الصديقان يستعيدان رحلة الحياة والعمل وهم يضحكان مع كوبين من الشاى، وأخذتهما الصراحة إلى حافة الهاوية، إذ فجأة سأل المسئول الجديد صديقه الصحفى: بماذا نفعتك موهبتك وثقافتك؟

رد الصديق: ماذا تقصد؟ قال: المناصب خطة طريق وشطارة فى العلاقات والتربيطات، أنا من ساعة ما اتخرجت فى الجامعة، لبدت فى حجر الحكومة، دخلت الحزب الحاكم، زحفت إلى دوائر السلطة وأصحاب النفوذ، نفذت كل ما طلب منى وأكثر، والآن بقيت رئيسك فى العمل مع أنك من القلة المشهود لها بالكفاءة العالية، ماذا استفدت أنت من الإشادة بمهاراتك ومواهبك؟. رد الصحفى الكفء بثقة معتادة: شىء طبيعى ومتوقع، فأنا لا أجيد فن تجميل الوجوه القبيحة.

يقول آلان دونو فى كتابه المهم (نظام التفاهة): كفاءة الشخص التافه هى قدرته على التعرف على شخص تافه آخر، ومعا يدعم التافهون بعضهم بعضا، فيرفع كل منهما الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار، كثير من التافهين هم كيانات طفيلية قادرة على معرفة الأخبار داخل مؤسساتها ودوائر عملها ومجتمعها، ومعرفة الدسائس فى أوساط ذوى السلطة ويستغلونها فى كل موقف يتاح لهم بالمصادفة أو بالقصد، وهم يزعمون طول الوقت أنهم أشخاص عمليون مستعدون لتطوير أنفسهم ليظهروا بأنهم لا يعانون أى نقص فى القدرة أو الكفاءة، وهم لا يجلسون خاملين كما يتصور البعض، ويؤمنون بأنهم يعرفون كيف يعملون بجهد. ويضرب آلان دونو مثلا بـسيلسى، الذى ينحدر من خلفية تافهة، لكن أشخاصا من ذوى المراتب الاجتماعية العليا كانوا يتأثرون به، كان قليل الجدارة ولكن عرف أشخاصا ذوى جدارة كبيرة، فقط كان يملك لسانا ينقط عسلا وقدمين تحملانه من مكان لآخر. ويبدو أن التافهين أو أصحاب الآداء المتوسط كانوا محلا للدراسة قبل آلان دونو، واهتم بهم كل من لورانس جونستون أستاذ علم نفس كندى ووريموند هال مؤلف مسرحى، وأصدرا كتابا مشتركا عام 1969 عنوانه مبدأ بيتر، سجلا فيه ملاحظات عن تطور التفاهة إلى أن أصبحت نظاما متكاملا، وكان الدكتور لورانس بيتر هو أول من انتبه إلى تسلل أصحاب الأداء المتوسط إلى المناصب العليا ومراكز السلطة. ومبدأ بيتر هو مفهوم فى الإدارة يبين أن الموظفين فى التسلسل الهرمى يصلون فى الغالب إلى مستوى عدم الكفاءة الخاص بهم، لأن صاحب أى وظيفة سوف يترقى إلى منصب أعلى يتطلب مهارات مختلفة عن مهارات وظيفته السابقة، فإذا كان لا يملكها سيكون غير كفء فى أداء دوره الجديد، وقد لا يترقى مجددا ، لكن إذا كان جيدا، فسوف يرتفع تدريجيا ليصل إلى منصب لن يملك مهاراته، أى فى نظام الترقيات الهرمى سيرتفع موظفون متوسطو الكفاءة إلى مستويات يشغلون فيها مواقع فى السلطة، مزيحين كل المنتمين لفئة ذوى الكفاءة العالية وغير الاكفاء معا.

وكان الدكتور بيتر قد عمل معلما فترة من حياته، ولاحظ أن المؤسسات التعليمية تفصل المدرسين الذين لا يعرفون شيئا معقولا عن موضوع المقرر الدراسى، وفى الوقت نفسه تفصل المدرس المتمرد الذى يغير بروتوكولات التدريس، ليرفع مستوى تلاميذه الذين يعانون من صعوبات فى التعلم إلى مستوى أفضل التلاميذ فى المدرسة، وتفصل كذلك المدرس الذى يساعد تلاميذه فى إنجاز عمل سنتين أو ثلاث خلال سنة واحدة فقط لأنه يربك نظام الدرجات التقليدى ويتسبب فى اضطراب كبير للمدرس العادى حين يتولى مسئولية هؤلاء التلاميذ فى العام التالى. إذا أخذنا مبدأ بيتر واختبرناه على الجهاز الإدارى للدولة..فماذا نجد؟ سنجد سؤالا مذهلا يقفز على السطح فى أى تغيير للمناصب: ألا تعرف أحدا ينفع وزيرا، رئيس هيئة، مدير مصلحة..الخ،؟

مؤسسات وهيئات وشركات عامة كانت فى أشد الحاجة إلى تغيير قياداتها، ولم يحدث، وحين سألت مسئولا سياسيا كبيرا فى جلسة خاصة، قال لى ببساطة: (مش لاقيين حد). أين ذهبت الكوادر؟، هل توقفت مصر عن صناعة الكفاءة؟ قطعا عندنا كفاءات لكن العثور عليها والدفع بها إلى الأمام مثل العثور على العنقاء والخل الوفى، فأصحاب الأداء المتوسط والتافهون يسدون الطريق عليهم، كما أن دائرة الترشيح لا تميل إليهم بسبب صفاتهم الشخصية القوية والمستقلة. وقطعا لن نستطيع التحليق فى الفضاء أو صعود جبل التقدم بأجنحة من أصحاب الأداء المتوسط، مهما يكن ولاؤهم للوطن أو للنظام العام، ولابد أن نتخلص منهم تدريجيا، ونبنى نظاما إداريا لا يسمح بمرورهم إلى المناصب الرفيعة ومراكز صناعة القرار إلا نادرا وسهوا. ومقابل هذا علينا البدء فى تأسيس بنك معلومات مركزى عن الثروة البشرية فى بلادنا، فى كل الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية، مؤهلاتها والدورات التدريبية الصحيحة التى نالتها وليست المدونة فى الملفات لتستيف الأوراق ونيل المكافآت، الخبرات، مستوى الأداء الفعلى، القدرات الفردية.

بنك معلومات تحت إشراف رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وتديره مجموعة متخصصة حاصلة على دورات تدريبية وتعليمية من مؤسسات عالمية فى الموارد البشرية، على أن يكون للبنك فرع فى كل وزارة ومؤسسة وهيئة وشركة عامة. وتضع هذه الهيئة توصيفا لكل الوظائف العليا فى الدولة المصرية ومواصفات شاغليها بمعايير عالمية، ويختص البنك بترشيح القيادات المطلوبة: مديرين عموم، وكلاء وزارة، رؤساء قطاعات، رؤساء مجالس إدارات، رؤساء قنوات تليفزيونية..الخ، وتختار السلطات من بينهم من يملك تصورا متكاملا عن مهمته ودوره فى تطوير الأداء داخل مؤسسته، وشروط استمراره فيها. ولا يمكن أن أختم كتاب نظام التفاهة دون عبارة الفيلسوف البريطانى برتراند راسل: الأغبياء عندهم يقين والأذكياء عندهم شك والعالم يحكمه الأغبياء. ولا حل لنا إلا بالتخلص من أصحاب الأداء المتوسط.


لمزيد من مقالات ◀ نبيـــل عمــــر

رابط دائم: