رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قوانين الدعاء وقوانين الطبيعة والتاريخ

إن الدعاء مطلب دينى، بل هو احتياج إنسانى أيضا. وأشعر أنا شخصيا أن الدعاء جزء لا يتجزأ من حياة الروح فى توجهها نحو الواحد الأحد، لكننى أعلم أيضا أن الله قد جعل لكل ظاهرة قانونا ثابتا وسببا مطردا لا يتخلف. ومن الحمق دعاء الله بما يخالف قوانينه فى الكتاب والطبيعة والتاريخ. وبينما يعكف أهل العلم فى معاملهم وعلى أبحاثهم من أجل دراسة فيروس كورونا المستجد والتوصل إلى علاج، نجد طائفة تترك الأخذ بالأسباب وتتهاون فى الالتزام بالإجراءات الصحية، وتزايد على الدين، وتكتفى بالدعاء دون التزام بعدم إلقاء النفس إلى التهلكة. ولهم فى هذا مرجعية من بعض أهل الفقه والكهنوت، ويتناسى الجميع القانون الإلهى فى الدعاء، وهذا القانون نجده فى الكتاب كما نجده فى الواقع وفى التاريخ. أما قانون الكتاب فهو: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: من آية 10). فالدعاء يحتاج قوة دفع وبدونها لن يصل إلى الله تعالى ويتحقق، وتتمثل قوة الدفع فى العمل, فإذا أخذت بالأسباب تحقق الدعاء، وإذا لم تأخذ بالأسباب فالفشل هو المصير المحتوم مهما ارتفع صوتك. وإذا أخذت بأسباب خاطئة فسوف تفشل أيضا. لكنهم على الدرب سائرون فى الاتجاهين، إنهم يسيرون بمنهج خاطئ ويفشلون دائما، ومع ذلك يرجعون للسير على المنهج نفسه. وهم يكتفون بالدعاء دون عمل طوال قرون، ومع أن الله لم يستجب لهم لأنهم لم يتبعوا قوانينه.

إن لله قوانين فى الكتاب وفى الطبيعة وفى التاريخ، وهى قوانين ثابتة مطردة لا استثناء فيها مهما علا قدرك. وهذا كلام محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كان يؤكد أن ظواهر الطبيعة آيات لها قوانين وسنن ثابتة لا تنخرق لأحد من عباده، جاء فى الحديث الصحيح سند ومتن الذى أخرجه البخارى ومسلم وغيرهما، واللفظ لمسلم (كتاب الكسوف حديث رقم 901)، عن عائشة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا حياته. والرسول كان يأخذ بالأسباب ويحترم قوانين الطبيعة والجسد ويتعامل مع الأمراض بطريقة تقوم على الأخذ بطرق التداوى، ففى الحديث الصحيح الذى رواه أبو داود فى سننه, واللفظ له, وأحمد، وابن ماجه، والترمذى، والنسائي فى الكبرى، وابن حبان فى صحيحه، وصححه الحاكم والذهبى، عن أسامة بن شريك، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله, صلى الله عليه وسلم: أنتداوى؟ فقال:  تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد، الهرم.  وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وعند أحمد بن حنبل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنزل الله عز وجل داء، إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله. هذا حديث صحيح واضح فى معناه، لكن يخرج علينا الملا على القاري فى كتابه (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)، بتفسير غريب له, يقول الملا على القارى: والمعنى: تداووا ولا تعتمدوا فى الشفاء على التداوي! وللأسف نجد من يخرج علينا طالبا التمسك بالتراث كله ككتلة واحدة، فى مزايدة غريبة، متناسيا أن التراث به الصواب وبه الخطأ.

للأسف هذا التفسير الغريب لا يزال مسيطرا على قطاعات من البشر فى عصرنا! ولا يزال يحكم عقليتهم فى التفكير، ولذا تجاهلوا قوانين المرض والعدوى، وأصروا على التجمعات، مرة مزايدة على صلاة الجمعة على الرغم من تحقق العدوى وفق التقارير العالمية، ومرة بعمل مظاهرات دينية جماعية! وهذه نتيجة طبيعية لأن قادتهم يتمسكون بالماضى كله سواء أصاب أو أخطأ! وهناك طائفة كانت تناقش مسألة جواز صلاة الجماعة أو عدم الجواز فى حالة العدوى المحققة طبقا لتقارير منظمة الصحة العالمية، وانتهوا إلى (جواز) عدم صلاة الجمعة فى المسجد فى حال تحقق العدوى! بينما الوضع الصحيح هو (وجوب) عدم الصلاة فى المسجد لتحقق العدوى. فما الدليل الشرعى على هذا؟. لن أجتهد ولن أستنبط، بل فقط أقول العودة للأصول النقية للدين دون وسيط (القرآن الكريم والسنة الصحيحة). فماذا يقول القرآن وماذا تقول السنة؟ يقول الله تعالى :(وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة :195). ونفهم الإحسان هنا بمعنى إتقان العمل وتجويده، فهل نلتقى ونجتمع ونسير فى مسيرات جماعية ونعرض أنفسنا للعدوى، أليس فى هذا إلقاء لأنفسنا إلى التهلكة؟ أليس فى صلاة الجماعة والجمعة مع تحقق العدوى نتيجة التقاء الجموع، مخالفة صريحة لأمر إلهى صريح؟ لكن المزايدين عندنا يحرفون الكلم عن مواضعه ويتسببون فى هلاك الناس مخالفين للأمر الإلهى الصريح، وغافلين عن مقاصد الدين العليا وضرورة من ضرورياته الخمس للحفاظ على الحياة. وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى (668)، ومسلم (699) واللفظ له، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِى يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِى بُيُوتِكُمْ. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ. فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟! قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّى، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّى كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُوا فِى الطِّينِ وَالدَّحْضِ. عزيزى القارئ، المعنى العام واضح، وهو أن الرسول ومن بعده ابن عباس كانوا يصلون الجمعة فى البيت عند وجود مطر حتى لا يمشى الناس فى الطين والدحض. وبعد أن أدركت القارئ الكريم المعنى العام يمكن توضيح أن معنى (عزمة) أى موضع العزيمة والإرادة المؤكدة وعدم التردد وإمضاء الرأى، أى هى أمر واجب تنعقد الإرادة لقصده وفعله. أما معنى الدحض فهو (الزلق). وروى البخارى (666)، ومسلم (697) عَنْ نَافِع، قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ(جبل بين مكة والمدينة)، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِى رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلاَ صَلُّوا فِى الرِّحَالِ، فِى اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أَوِ المَطِيرَةِ، فِى السَّفَرِ. ومن الواضح الجلى أن الرسول كان بكل بساطة لا يصلى فى المسجد أثناء البرد والمطر والسفر. وتأسيسا على كل ما سبق يكون السؤال: فى حالة تحقق العدوى، هل منع التجمعات وصلاة الجماعة والجمعة جائز أم أنه واجب؟ أتصور أن الإجابة واضحة. > أستاذ فلسفة الدين ـ رئيس جامعة القاهرة


لمزيد من مقالات ◀ د. محمد عثمان الخشت

رابط دائم: