رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التواصل (3)

لم يوجد المجتمع الصناعى بين ليلة وضحاها وإنما تكون عبر عقود وقرون زمنية تواصل الواحد منها وراء الآخر مؤثرا ومتأثرا بمجالات الحياة المختلفة من سياسية وثقافية وقيمية ومغيرا كل ما هو قديم ومنشئا كل ما هو جديد وملائم لتطوره وللمزيد من التطور. وإذا حسبنا هذا التطور بالزمن فسوف نتجاوز الخمسمائة عام على الأقل منذ أن بدأ الانسان يستخدم الطاقة المولدة للحركة إلى ان وصلنا اليوم إلى وضع تطالب فيه الدولة ببقاء التلاميذ والطلبة فى المنازل وبدء التواصل التعليمى بالتابلت أو الكمبيوتر يعنى on line كما ينطقها بعض الاعلاميين الذين يتقنون بعض الالفاظ بالإنجليزية ويستصعبون نطقها باللغة العربية. تواجد هذا المجتمع فى الغرب لأسباب تاريخية وجغرافية لا مجال لذكرها الآن وهو ما نسعى اليه الآن فى بلادنا. نريد بناء مجتمع حديث ولكننا لا نستطيع الصبر لخمسمائة عام وإنما نريد الوصول إلى هذا المجتمع فى مدة اقل لأننا لا نملك رفاهية التأخير. لذا فنحن فى اشد الحاجة إلى وضع التواصل امام اعيننا كهدف وتحديدا فى مجال علاقة المرأة بهذا المجتمع الحديث. وهى علاقة وإن كانت تبدو معقدة إلا انها بسيطة للغاية.

لقد رفعت الأمم المتحدة شعار «تمكين المرأة» وتمسكنا نحن به كشعار يوضع فى موقع التطبيق بمعنى تحويل المرأة فى الحضر والريف الزراعى والبدوى. من كونها كيانا وطنيا مستهلكا إلى أن تصبح كيانا وطنيا منتجا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. ولا يتأتى ذلك إلا بتعليمها ثم إتاحة فرص العمل لها. وقد يقول البعض إن المرأة فى كل مكان تعمل وخاصة فى الزراعة منذ آلاف السنين. هذا صحيح ولكن الذى نهدف اليه بعبارة تمكين المرأة هو ان نحول هذا العمل إلى عادة اصيلة ومستقلة فى حياة النساء بمعنى أن يتحول إلى مجرى حياة. فالمعروف تاريخيا ان بدايات عمل المرأة خارج المنزل يكون دائما لزيادة دخل الأسرة وإذا جاءت هذه الزيادة من جهة الزوج أو الابناء عادت المرأة إلى البيت. أو أنها تعمل من أجل أن تدخر المال لإعداد بيت الزوجية فإذا تزوجت وانجبت عادت إلى البيت وتركت العمل «تنتشر هذه الظاهرة فى مناطق الزراعات الحديثة حيث يزداد الطلب لعمل الشابات لعمليات التعبئة وللتغليف». لذا يصبح عمل المرأة متقطعا لا تواصل فيه فيتأخر تمكين المرأة التى تستمر مستهلكة فيفقد المجتمع جزءا من القوى المنتجة.

فى إحدى زياراتى لألمانيا قلت لزميلة نقابية هنا، الدولة وفرت لكم كل سبل المساعدة لذلك ساعدتكم على الخروج للعمل فأجابت العكس صحيح إحنا عملنا لبناء الاقتصاد الالمانى بعد الحرب فالدولة توافرت لها الاموال اللى قدمت لنا بها تلك المساعدات. لو النساء الالمانيات تركن العمل سوف يختل الاقتصاد الالمانى. لقد اصحبنا قوى انتاجية لا يمكن الاستغناء عنها.

والمانيا ليست الوحيدة فى هذا الشأن وإنما تسير على خطاها بلدان أوروبية وآسيوية حطمت التقطع وحققت التواصل فى العمل المنتج المستقل. وكانت الدولة واعية لواقع النساء فى بلدها وارادت ان تنهض بهن ليتواصل جهدهن مع جهد كل المجتمع لبناء المجتمع الحديث.

تبلور وعى الدولة بدور المرأة فى بناء المجتمع ثم فى دور المجتمع فى تمكين المرأة عندما لم تفصل هذه الدولة بين النساء وفرص العمل التى توجدها فى الصناعة بالتحديد. عندما تخطط الدولة للصناعة تدخل فى حساباتها انها ستفتح فرصا فيها لعمل النساء ثم تتعمد ان تنفذ سياستها هذه. وكان ذلك سهلا فى البداية مع الصناعات التحويلية كالصناعات النسيجية والدوائية والالكترونية. وكنا نلاحظ هذه الظاهرة فى صناعتنا التحويلية التى انتجت لنا الاقمشة واجهزة الراديو والتليفزيون وكافة انواع الادوية التى كدنا ان نحولها إلى صناعة متكاملة. كانت هذه الصناعات تشغل آلاف النساء اللاتى تمكن من الصناعة والحرفة وهو ما انعكس على نشاطهن الاجتماعى والسياسى.

فى حالة النساء العاملات يتحول الانقطاع عن العمل العدو الاساسى لإنجاح فكرة أو سياسة تمكين النساء وتحويلهن إلى كيانات وطنيات منتجات يسهمن فى بناء مجتمعاتهن. لذا يمكننا القول إننا فقدنا جيلا كاملا من النساء العاملات اللآتى كن يمكن أن يولدن الجيل الثانى والثالث والرابع بحيث يفرز الواقع الاجتماعى حداثته دون ان نقف لحظة ونبحث عن كوادر نسائية تسهم فى بناء هذا المجتمع الحديث الذى نسعى اليه. فى عام 1964 تعرفت على وفد عمالى فرنسى كان ضيفا على الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وكان ضمن الوفد شابة جميلة عرفت منها انها تمثل الجيل النسائى الرابع فى صناعة السيارات الفرنسية. اربعة اجيال دون انقطاع. لذا كانت الضيفة العمالية الجميلة كادرا نقابيا وصناعيا واضحا. وللأسف الشديد فرطنا فى هذا الجيل على طول العقد السبعينى ثم ما تلاه من العقود عندما اتبعنا سياسة تصفية هذه الصناعات التحويلية ثم عندما فتحنا الباب امام المعاش المبكر وخاصة حين اغرينا النساء العاملات بخداع المعاش المبكر والعودة إلى المنزل. ففقدت عملها وكسبت معاشا لم يعد له قيمة فى اطار التغيرات الاقتصادية.

والآن تتجه الدولة إلى تنشيط الوحدات الصناعة المصرية فى ظروف تشهد بعض التغيير. لقد دخلت التقنية الحديثة إلى الصناعة بما بات يسمح بدخول النساء العاملات إلى كل فروع الصناعات الكبيرة والصغيرة والتحويلية وغيرها. لقد ألغت هذه التقنية الفروق بين عمل الرجال وعمل النساء وأصبحت القدرة على استخدام التقنية هى الفاصل فى الكفاءة. لذلك نجد انفسنا امام طريقين لابد ان نسلكهما فى وقت واحد الاول هو التخطيط منذ البداية لتستوعب الانشطة الصناعية اليد العاملة النسائية. والثانى أن نضع خططنا على اساس استمرار التواصل بين الاجيال وعدم الانقطاع بحيث لا نبنى صناعة حديثة فحسب وإنما نوجد بجانبها تنمية بشرية من النساء ومن الرجال الصناعيين.


لمزيد من مقالات أمينة شفيق

رابط دائم: