رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تجدد الجدل حول النموذج الصينى

أثارت الإدارة الصينية الحازمة لأزمة كورونا الجدل حول النموذج السياسى الذى تقدمه جمهورية الصين الشعبية ، فبفضل هذه الإدارة الحازمة تمكنت الصين - حتى صباح أمس الأول «الخميس» - من خفض حالات الإصابة بالمرض من أكثر من 81 ألف حالة إلى قرابة 4 آلاف حالة، هذا فى الوقت الذى تبدو فيه الدول الأوروبية بل والولايات المتحدة نفسها عاجزة عن وقف انتشار الفيروس، وفى هذا الإطار راجت فكرة الافتتان بالصين إلى درجة الهلع على حد تعبير الصحفى البارز حازم صاغية، واستغرب صاغية أن يصدر هذا الافتتان من بعض دعاة الليبرالية وليس فقط من أنصار النظم الشمولية، وحذّر من أن يتجاوز الافتتان بالصين حدود الظرف الاستثنائى الصحى الراهن إلى الافتتان بالنموذج السياسى القائم على حكم الحزب الواحد وقمع المعارضة السياسية، وذكّر فى هذا الخصوص بأحداث الميدان السماوى والتنكيل بأقلية الإيجور.

هذا الجدل حول النموذج السياسى الصينى ليس جديداً فعمره من عمر الصعود الاقتصادى العظيم للصين على الصعيد الدولى، حتى أصبحت الصين هى القوة الاقتصادية العالمية الثانية بعد الولايات المتحدة، فلقد فرض الصعود الاقتصادى للصين انشغال التحليل السياسى بسؤال مهم هو: هل يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية فى غياب الديمقراطية؟ غالبية الإجابات على هذا السؤال كانت تنتهى إلى أن هناك علاقة وثيقة بين التنمية والديمقراطية، وأنه إذا كانت هناك نماذج عالمية محدودة على رأسها الصين تشكك فى طبيعة هذه العلاقة وتحقق التنمية فى غياب الديمقراطية فى ذلك الوقت، إلا أنه فى المدى الطويل لابد أن تقود التنمية الاقتصادية للديمقراطية

توجد مبالغة فى تخوف حازم صاغية من أن يتم تسويق النظام السياسى الصينى عالمياً بسبب نجاحه فى إدارة أزمة كورونا، فكوريا الجنوبية ذات النظام الديمقراطى نجحت أيضا فى إدارة هذه الأزمة الصحية وخفضت عدد الإصابات بالفيروس من أكثر من 9آلاف حالة إلى نحو 5آلاف حالة، ومثل الصين انتقلت كوريا الجنوبية من محاصرة الوباء فى الداخل إلى مساعدة الدول الأخرى التى تواجه تفشى كورونا، ويقول المسئولون الكوريون الجنوبيون إنهم يتفاوضون حالياً مع 17 دولة على تصدير مستلزمات طبية لها، هذا علماً بأن نجاح تجربة كوريا الجنوبية تم بإجراءات أقل صرامة من الإجراءات الصينية واعتمدت إلى حد كبير على وعى المواطنين بخطورة الموقف وتجاوبهم الطوعى مع حملة التباعد الاجتماعى التى أطلقتها الحكومة. وهكذا يمكن القول إن أزمة كورونا وضعت العالم كله أمام اختبار شديد الصعوبة لا علاقة له بطبيعة النظام السياسى للدول، فقد تقدمت كوبا وتخلفت إيران ونجحت تايوان وتعثرت أسبانيا، أما المحك فكان هو سرعة التحرك من جانب الدولة مع اكتشاف أول إصابة بالفيروس، وتضافر جهود المجتمع المدنى مع الجهود الحكومية حتى يتم عبور الأزمة، ونضج الوعى العام للمواطنين وتعاملهم بمسئولية مع الموقف. بطبيعة الحال، وكما تشير مجموعة الأزمات الدولية، فإن ظرف الأزمة قد يلجئ بعض الدول لتأجيل استحقاقاتها الدستورية مثلما أجلت بوليفيا انتخاباتها الرئاسية التى كانت مقررة فى مطلع شهر مايو المقبل، وأجلت سيريلانكا أيضاً انتخاباتها البرلمانية، لكن مثل هذه التدابير حتى لو كانت تخدم السلطة الحاكمة فى البلدين وتنطوى على نوع من التوظيف السياسى للأزمة ،إلا أنها لاتعنى استلهام النموذج الصينى، وهى تدابير مبررة تماماً إذ أى انتخابات تلك التى نتصور إجراءها فى ظروف حظر التجوال ومنع التجمعات وأى بعثات لمراقبة الانتخابات ستغامر بالعمل، وعبر أى حدود سوف تمر ؟! 

هناك حدود إذن للترويج للنظام السياسى الصينى على المستوى العالمى، فنحن فى عصر يطلق عليه المحللون عصر الشعوب ، وإذا كان هناك كلام كثير حول تراجع دور الأحزاب السياسية لصالح الحركات الجماهيرية العابرة لتلك الأحزاب وغير المنضوية تحت إطار تنظيمى بالضرورة، فمابالنا إذن بنظام قائم على الحزب الواحد؟، لكن على الجانب الآخر فإن نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذى تتبناه الصين ويوصف برأسمالية الدولة قد أثبت فعالية أكبر فى إدارة الأزمة مقابل نموذج الليبرالية والنيوليبرالية الذى يعتمد بشكل مطلق على آليات السوق فى تحقيق التوازن الاقتصادى ، فهاهى أزمة كورونا تأتى لتظهر الحاجة الفورية لتدخل الدولة من أجل إنعاش الاقتصاد ومساعدة الشركات المتعثرة ومواجهة التفاقم فى أزمات التضخم والمديونية والبطالة، وفى هذا الإطار سمعنا عجباً، فمن دعوة حاكم ولاية نيويورك إلى تأميم شركات تصنيع المستلزمات الطبية لتلبية الطلب الداخلى المتزايد على تلك المستلزمات ، إلى مطالبات من داخل فرنسا لتأميم شركات رينو وإيرباص وإيرفرانس وجميعها شركات تضررت بشدة من الأزمة ، وكانت مفردة التأميم من المفردات التى تجاوزها التاريخ .

وفى الأخير ، إذا كان ثمة اتفاق واسع على أن عالم مابعد كورونا سيكون عالماً مختلفاً عما قبله ، فلعل أحد جوانب اختلافه ستكون حدود تدخل الدولة فى إدارة الاقتصاد .


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: