رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كورونا بين الحكومة والناس

الحالة الاسثتنائية التى يمر بها العالم شرقا وغربا حملت عددا من الأسئلة التى سوف يظل الباحثون فى العلوم الاجتماعية لفترة قادمة ينشغلون بالرد عليها، عالم ما بعد «كورونا» ليس هو العالم قبلها، وقد تحتاج المجتمعات الديمقراطية ذاتها إلى إعادة النظر فى الهندسة السياسية السائدة. أحد الأسئلة التى تطرح الآن هى موقف الجماهير من الحكومات، وعلاقة ذلك بالتوازن بين الحرية والأمن؟. تطالب حكومات العالم مواطنيها بالابتعاد عن الاختلاط، واللجوء إلى الابتعاد الاجتماعى، والبقاء بالمنازل فى مواجهة فيروس كوفيد-19، أو المعروف باسم كورونا، وذلك حتى لا تنتقل العدوى من شخص لآخر.

فى بداية مشوار مواجهة فيروس كورونا دعا رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون مواطنيه إلى التخلى عن العلاقات الاجتماعية غير الضرورية، وعدم الذهاب إلى الأندية أو الكافتيريات أو البارات، وبعد أيام شعر بأن الناس لم تسمع له، لا تزال الشوارع تفيض بالبشر، والصور التى تناقلتها الصحافة كاشفة. يقضى البعض وقتا لطيفا على الشواطئ رغم برودة الطقس، أو يمارسون رياضات المشى أو الجرى، يسيرون فى مجموعات، ويختلطون فى الأسواق، ويشغلهم شراء ورود أكثر من مواجهة الفيروس القاتل، الذى حصد أرواح المئات، وأغلق دولا، وأوقف الطيران، وقوض الاقتصاد. غضب جونسون، ومضى فى طريق اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لإجبار الناس على التباعد الاجتماعى قسرا.

هناك إشكالية فى التعامل مع الناس فى مجتمع ديمقراطى، لأسباب كثيرة منها أن الناس ذاتها, حسب دراسات حديثة, لم تعد تقتنع كثيرا بآليات الديمقراطية، وتشعر باغتراب حيالها، فضلا عن الموقف السلبى من المؤسسات الحاكمة، والذى تمخض عن ظهور تيارات شعبوية، وصلت إلى الحكم، وأصبحت فى ذاتها تعبر عن السياسة والمؤسسات، وتحمل بعضا من النظرة السلبية التى تغلب على الناس. فى أزمة فيروس كورونا لم تسمع الناس بالقدر الكافى تحذيرات حكوماتها، واستسلمت للدردشة على مواقع التواصل الاجتماعى التى تعيش فى اجواء من التضارب، فضلا عن اختلاف تقييمات علماء هذه الدول تجاه خطورة هذا الوباء القاتل. فمثلا أحد أسباب أزمة إيطاليا أن هناك اتجاهات بين العلماء الإيطاليين مالت فى البداية إلى الاعتقاد بأن هذا الفيروس لا يختلف كثيرا عن الانفلونزا، ويمكن التعامل معه بأساليب علاجية شبيهة، وهو ما لم يحدث. والناس أيضا عندما أغلق شمال إيطاليا، لم يقبلوا الإغلاق، وانتقلوا بالالاف إلى جنوب إيطاليا الذى تمتد إليه روابطهم العائلية حاملين الفيروس لمجتمعات أخرى،وهو ما يشكل أحد مظاهر التباين الاقتصادى فى ايطاليا بين الشمال المتقدم، والجنوب الأقل تقدما، ويدفع قطاعات واسعة من الجنوب إلى الانتقال إلى الشمال بحثا عن فرص اقتصادية أفضل. يضاف إلى ذلك أن طبيعة الثقافة الايطالية ذاتها تتسم بطابع احتفالى،سواء فى اللقاءات العادية أو المناسبات الاجتماعية التى تشهد تفاعلا اجتماعيا كثيفا بين الناس.

لم تواجه الصين مشكلة كبرى مع مواطنيها، نظرا لأن التركيبة السياسية برمتها تقوم على انسياب القرارات من أعلى، وهو ما اتاح سرعة اتخاذ القرار، والقدرة على التنفيذ، بما فى ذلك اغلاق مدن ومناطق بأكملها أغلاقا كاملابقدر كبير من الحزم. هنا تبدو المفارقة بين مجتمع يقوم على الإدارة الفوقية من أعلى لأسفل, أى تدفق السياسات بشكل رأسى مثل الصين، ومجتمع يستند إلى التفاعل بين حكومة، وأحزاب، وجماعات مصالح، ومؤسسات متعددة- أى التوافق والاقناع، وبلورة السياسات بشكل أفقى، أى على نفس المستوى من التفاعل. فى الحالة الأولى، أى فوقية القرار، بدا المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الفيروس أفضل من مجتمع يشهد حالة من التعددية الثقافية والسياسية والاقتصادية.

عندما اكتشف الفيروس فى الصين فى أواخر ديسمبر الماضى، لجأت الجهات الرسمية- طبية وأمنية- إلى السيطرة على المعلومات، وعدم الإعلان عنه، بل وسمحت بوجود مهرجانات واحتفالات فى ووهان, المدينة التى انتشر منها الفيروس, ويعود ذلك إلى اسباب اقتصادية بحتة. ولكن عندما تفشى الوباء، اتجهت الحكومة إلى اتخاذ قرارات إغلاق لمدن لحصار الفيروس وتطبيق سياسات التباعد الاجتماعى بحزم شديد، وإجبار المجتمع على المثول لها. وتمكنت من الإفادة من قدرات المجتمع المدنى فى سياق الخطة التى وضعتها فى مواجهة الفيروس القاتل. فقد اتجهت فى البداية إلى الاعتماد على المنظمات غير الحكومية التابعة لها فى جمع المساعدات المادية والعينية، وتولت السلطات المحلية توزيعها، ولكن بعد فترة وجدت أن هذه الآلية ليست بالكفاءة المطلوبة اتجهت إلى الاعتماد على المنظمات غير الحكومية المستقلة، بل ومنحتها حق جمع المساعدات فى أغراض محددة، وتوزيعها بنفسها فى إطار تحقيق هذه الأغراض.

هناك أسئلة كثيرة تظهر فى تجارب الدول، سوف يسعى الباحثون فى العلوم الاجتماعية للإجابة عليها، أحدها سؤال عن علاقة الحكومة بالجماهير، أو التوازن بين الأمن والحرية.


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: