رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الذاكرة: كنز أم عبء؟

الذاكرة هى احدى اهم الوسائل الدفاعية للانسان. واحدى اهم اسلحته فى مواجهة الشدائد. فهى تمتلك قدرة لا نهائية على الانغماس فى المحبة و الانزلاق فى عالم لا نهائى من اللحظات الممتعة التى مررنا بها. وبقدر ما تكون للذاكرة مرارة العلقم، فهى تحمل كذلك فى طياتها كل نكهات الفرح و ابخرة الانسجام و طعم الشهد.

ومن اجمل ما اتذكره احد الاعياد التى مررت بها وانا مراهق. كنت متفرجا فأصبحت فاعلا. لم اعد الطفل الصغير الذى ينتظر ملابس العيد او العيدية لكن اصبحت شخصا يعول عليه. و باتوا ينتظرون منى انجاز اعمال بعينها. والمهمة الرائعة كانت فى العمل كبستانى. احد اخوالى اشترى حديقة غناء. وكان يريد دعوة افراد كثيرين من العائلة فى عيد الربيع. وتصادف ان مرض عم مخلوف الجناينى. ولم يكن خالى يثق باحد غيره، فاقترحت امى ان اساعده حيث اشتد عودى فارادت لى ان ادخل معترك الحياة. استجبت ملبيا ومندفعا بنزعة رومانسية مذهلة صورت لى اننى ساقضى وقتى فى التمتع برحيق الازهار او فى صنع بوكيهات مبهرة منتقاة من احلى واجمل الزهور. لكنها اضحت اهم تجارب حياتى على الاطلاق. تعلمت فيها ان لكل كائن فى الكون دوره فى الحياة، وهو دور عظيم ومتسع. فالنباتات لا تغذينا او تظللنا او تعالجنا فقط.. لكنها تجعلنا نتذكر اننا ايضا نبات، السنا من طين؟

عرفت ان النبات ارق الكائنات واكثرها حساسية ونبلا. هى حساسة لانها تتأثر بالضوء وبالصوت وخاصة الموسيقى وحتى بأنفاس البشر. تتاثر بالهواء وجزيئاته وبالطاقة الموجودة فى الكون. و نبيلة لانها تتاثر كذلك بمشاعر الانسان وبالانزيمات التى يطلقها مع كل فعل. تعلمت أنه لابد للانسان ان يعرف كيف يحترم الاختلافات التى بينه وبين الكائنات الاخرى فى الوجود،واننا نكون بشرا بقدر ما نكون متفهمين ومتسامحين. يكفى اننا نستطيع ان نحب بشكل متنوع ومتفرد ونستطيع ان نعبر عن هذا الحب بكل الصور، وبالكلمات وبالرسم وبالموسيقى وحتى بالصمت..علمنى عمل البستانى فكرة ان الحياة تكمل بعضها بين الكائنات. نحن نأكل فنصبح ترابا فتزرع الارض فى علاقة متداخلة مذهلة بيننا وبين الحيوانات والنبات. علمتنى البستنة ايضا فكرة وحدة الوجود، كل الكائنات تولد وتموت.

ضع اذن الحب فى كل عمل تمارسه، وكذلك فى كل علاقة انسانية، ستجده اثمر ونما وترعرع ودبت البركة فى حواشيه. لذا فقد دفعتنى البستنة الى اعتماد الحب كمنهج رئيسى للتعامل مع هذا العالم. فدربت نفسى ان احب كل شىء فى الوجود، فصرت والحب صديقان. وقادنى الحب الى الوعى وقادنى الوعى للابداع. كلما ازداد فهمى لتفاصيل الوجود، احببت كل فصل فيها. من ادقها لارقها. ومن اقواها واعظمها لابسطها. ويوم بعد اخر ازداد كشفى لاسرار هذه الدنيا، فأحببت الله مرات مضاعفة. سنوات طوال وانا اتلمس الطريق لافهم العلاقات المتداخلة بين الوعى والروح، بين فضيلة العقل ونعمة الحب اللا محدودة.

ادرب ذاكرتى دائما الا تتذكر التجارب السيئة الا بغرض التعلم من دروسها،و تطوير النفس فى اتجاه الافضل . فقد عرفت دائما ان من أسوأ ما يتملك البشر هو ان يجعلوا ذاكرتهم تجتر الالم وتتذكره، كأننا بذلك نذبح نفسنا مرتين، مرة وقتما عشنا التجربة السيئة ومرة اخرى عندما أعدنا إنتاج تلك التجربة بتذكرها.

و بدلا من ذلك دربت نفسى على ان اتذكر الجمال بكل أشكاله وألوانه. الجمال والجمال فقط يستطيع ان يشفينا. ولا يقتصر الامر فقط على تذكر اغنية جميلة بما يطرب الإسماع و يزيح الهموم فقط. لكن الامر يمتد الى تذكر كل لقاء جميل امضيته مع الاسرة والأصدقاء. اتذكره بروية و بتؤدة وباعادة تجسيد لاحداثه كأنه مشهد سينمائى وانا احد أبطاله. فتصل طاقته مجددا داخل جهازى العصبى، فأصفو وامتلئ. ايقاع الكلمات التى وقعت على اذنى، وحلاوة التجارب وهى تتشكل فى وجدانى، و مداد الكلمات وانا اكتبها فأشعر بمتعة ابتكارها، وغيرها من التجارب المذهلة، التى يكفى تذكرها لتجعلنى اولد من جديد. ثم لا استطيع ان اصف حجم الطاقة الابداعية التى تمنحها لى تلك الذكريات السعيدة. اجد خيالى خصبا كما لم يكن من قبل، فتنساب الصور والمرئيات كأنها قبس من نور وسيل لا ينتهى من الأفكار والمعانى.

لدينا كنز هائل بداخلنا اسمه الذاكرة. فاذا أحسنا اللجوء اليه كان لنا خير معين فى الايام الصعبة والعادية ايضا.


لمزيد من مقالات د. أحمد عاطف دره

رابط دائم: