رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاقتصاد السياسى لمواجهة أزمة كورونا

بدأت الأزمة الاقتصادية المترتبة على فيروس كورونا المستجد منذ ظهر الوباء فى الصين ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، بعلاقاته التجارية والاستثمارية والانتاجية والخدمية مع شتى بلدان العالم؛ فتركز تحليل أسباب وتوقع نتائج الأزمة على ما شهدته الصين. ومع انتشار الوباء وامتداد عواقبه الى أربعة أركان الأرض، وتمكن الصين بفضل قدراتها الشاملة وإجراءاتها الحازمة من حصاره، لم يعد ممكنا أو مجديا إنكار حتمية الاستجابة الوطنية والعالمية لمواجهة هذا التحدى غير المسبوق، الذى تعاظم فى سياق العولمة الاقتصادية وعصر المعلومات.

وأسجل، أولا، إن استجابة دول العالم فى مواجهة الأزمة قد كشفت تباين إمكاناتها وسياساتها؛ بقدر تفاوت مستويات تقدمها الصناعى والعلمى والتكنولوجى، وبقدر كفاءة وعدالة نظمها الاقتصادية والاجتماعية، بجانب انعكاس تفاوت ثرواتها على تفاوت قدراتها على توفير الموارد المالية اللازمة لحصار الوباء وتقليص خسائره. ويبين التحليل المقارن أن أسباب ونتائج الأزمة لم تقتصر فقط على بعديها الصحى والاقتصادى، وإنما امتدت لتشمل أبعاداً علمية وتكنولوجية وسياسية واجتماعية وأمنية وثقافية وأيديولوجية وأخلاقية ونفسية.. إلخ، وتوقفت آثارها على حكمة الحكومات وقدرة البلدان ووعى الشعوب، وكشفت إدارة الأزمة ليس فقط حجم القيود على فرص التعاون الاقليمى والعالمى، وبينت أحيانا تغليب المصالح الأنانية على الحقوق الإنسانية، وأظهرت أيضا فداحة عواقب الصراعات التجارية والمسلحة والعقوبات الاقتصادية الدولية.

وثانيا، إن تقديرات الآثار الاقتصادية لأزمة كورونا قد تباينت، فقد توقع تقرير (البعد عن الصين غنيمة) الصادر عن وكالة موديز للتصنيف الائتمانى أن تكون الآثار الاقتصادية المباشرة لانتشار الوباء على اقتصادات أوروبا وأمريكا أقل بدرجة كبيرة؛ إذا ما قورن بالدول التى ترتبط بعلاقات أكبر مع الصين على غرار دول آسيا والمحيط الهادئ. وعلى النقيض، حذّرت منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية من التداعيات الكبيرة لتفشّى فيروس كورونا المستجد على النمو الاقتصادى العالمى، وأعلن تقرير (فيروس كورونا يدفع الاقتصاد العالمى الى أسوأ أزمة منذ عام 2009) الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية أنه يتعين على الحكومات أن تعمل فوراً لاحتواء الوباء، بدعم نظام الرعاية الصحية وحماية الناس، ودعم الطلب وتوفير إنقاذ مالى للأسر والشركات الأكثر تضرراً.

وثالثا، إن الالتزام السياسى العالمى ضرورة لتغيير مسار الوباء واتخاذ إجراءات دفاعية وهجومية ضده، وأوضح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية. أن مطالبة الناس بملازمة منازلهم، وتطبيق إجراءات التباعد الاجتماعى، وسيلة مهمة لإبطاء انتشار الفيروس وشراء الوقت لكنها إجراءات دفاعية. والأمر كما أعلن باستقامة أن وتيرة انتشار جائحة كورونا (كوفيد-19) تتسارع؛ إذ بينما استغرق الأمر 67 يوما منذ الإعلان عن أول حالة للوصول إلى مائة ألف إصابة، إلا أن الأمر استغرق 11 يوما فقط للوصول إلى المائة ألف الثانية، وأربعة أيام فقط للوصول إلى المائة ألف الثالثة. ومع نشر مقالى هذا ربما يتجاوز العدد المائة ألف الخامسة.

ورابعا، من منظور الالتزام السياسى لحصار الوباء تبرز خطورة مواقف الرئيس ترامب على مدى أسابيع. فقد أعلنت السلطات الصحية الأميركية أن الاسوأ قادم فى الولايات المتحدة، وأنه فى ظل عدم وجود علاج طبى يبقى الخيار الوحيد لهزم الفيروس هو الإبقاء على قيود مشددة قدر الإمكان على حركة التنقل، وفى المقابل قلل الرئيس ترامب من أهمية الخطر الصحى الذى يشكله الوباء، واستخف بالقيود المفروضة للحد من انتشاره، وتأرجح بين دعوات للوحدة الوطنية وتغريدات انتقامية وحسابات انتخابية داخليا، مع ترديد اتهامات عنصرية واستمرار الحرب التجارية ضد الصين، وعدم رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية ضد روسيا وإيران .

وخامسا، إن إدارة ترامب حين طرحت خطة الإنقاذ المالى لمواجهة العواقب الاقتصادية لأزمة كورونا انحازت لمصالح الشركات الكبرى؛ وفق نظرية اقتصاد العرض سيئة السمعة، والتى تردد فرية أن تعظيم أرباح الأثرياء هو سبيل محاربة الفقر فقادت إلى الأزمة المالية فى عام 2008 وفاقمت عواقبها. لكن ضغوط الحزب الديمقراطى مكنت فى الأزمتين من إجبار الحزب الجمهورى على القبول بحل وسط لا يتجاهل حقوق العمال والفقراء، حيث قدرت خطة تحفيز مالى لمواجهة أزمة كورونا بنحو 2.2 تريليون دولار!! وفرض انتشار المرض على إدارة ترامب قبول تقييد الانتقال فى بؤر الوباء. لكنه رغم الكارثة الصحية المحدقة بالولايات المتحدة والتى تنذر بأن تتجاوز المؤشرات المسجلة فى أوروبا والصين، أعلن أنه لا يمكن أن نسمح بأن يكون العلاج أسوأ من المشكلة نفسها!! وسادسا، إن حكومات البلدان الأكثر تضررا من أزمة كورونا فى أوروبا وآسيا وأمريكا قد وضعت ونفذت برامج لإنقاذ اقتصاداتها ومكافحة انتشار الفيروس. وشملت الإجراءات تنفيذ خطط وبرامج إنقاذ صحية واقتصادية واجتماعية. وقد قامت مصر بقيادة السيسى - دون ريب- بتنفيذ ما سبق من إجراءات؛ بل وأكثر فى حدود إمكاناتها، مع مراعاة الموازنة بين متطلبات إنقاذ الاقتصاد من الانهيار وضرورات حماية الفئات الأضعف من المصريين. كما بادر الرئيس بفتح قنوات التعاون الدولى لمواجهة الوباء وعواقبه خاصة مع الصين وإيطاليا.

ويبقى درسان أساسيان للمستقبل: أولهما، أن على مصر تسريع التقدم الصناعى والتكنولوجى والارتقاء بالتعليم والبحث والابتكار، وثانيهما، أنه حتى تبلغ مصر ما تستحقه وتستطيعه من بناء ركائز التقدم الشامل، فانه على الشعب الالتزام بإجراءات الدولة لحصار انتشار الوباء بتقييد الانتقال؛ حتى لا تنزلق الأمة المصرية الى كارثة منذرة بأوخم العواقب، وعلى الدولة أن تحرر الشعب من قلق مشروع بمزيد من الشفافية والمشاركة بتوفير المعلومات الدقيقة وإعلان الإمكانات القائمة والجديدة المتاحة للمواجهة.


لمزيد من مقالات د. طه عبدالعليم

رابط دائم: