رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ما سيغيّره وباء كورونا فى القانون والسياسة

تبلوّر الاقتناع العام بأن العالم ما بعد وباء كورونا لن يعود أبداً كما كان قبله. سيتجلى هذا التغيّر الكبير المتوقع فى مجالات شتى كثيرة. هنا محاولة لرصد بعض ملامح هذا التغيّر فى مجالى القانون والسياسة. ثمة أوضاع ومفاهيم وثوابت كانت قد استقرت لن تنجو من التغيير. ورغم أننا منشغلون بمكافحة الوباء الفيروسى وتدبير حياتنا على ضوء ما يفرضه من متطلبات وقيود فمن المفيد أن ننشغل ولو قليلا بفهم حركة التغير الذى بدأ بالفعل وسيتصاعد مستقبلا والاستعداد له.

فى مجال السياسة فإن أول التغيرات التى أحدثها وباء كورونا هو أنه أعاد النقاش والتساؤل حول دور الدولة (بمعنى سلطة الحكم) فى علاقتها بالمجتمع. فالوباء الفيروسى يؤذن باندلاع أكبر حركة مراجعة فكرية وسياسية لدور الدولة والمفاضلة بين مفهومى الدولة المتدخلة، والحارسة لمواجهة الحروب البيولوجية والمخاطر الكونية الجديدة. ستخوض الليبرالية وفى القلب منها آليات اقتصاد السوق، ومنظومة الحريات الفردية امتحانها الحقيقى الكبير خلال الفترة المقبلة حتى يتم القضاء على فيروس كورونا وعودة الحياة الطبيعية إلى مدارها. النجاح الذى حققته دول ثلاث هى الصين واليابان وكوريا الجنوبية فى مواجهة الغزو الفيروسى يثير التأمل، ففى الصين رأينا دولة متدخلة حازمة وقوية تتصرف بوحى من ذاكرتها القديمة الاشتراكية السلطوية، وانفتاحها الاقتصادى الذى بدأ منذ أربعة عقود لم يقض تماما على روح الانضباط الكامنة فى المجتمع ولا على غريزة الانصياع لحكم الدولة الباطشة. أما فى اليابان وكوريا الجنوبية فرأينا دولتين ليبراليتين حقاً لكن المجتمع فيهما مازال يحمل قدرا هائلا من الانضباط رغم ما يتمتع به من حريات. القاسم المشترك بين الدول الثلاث واحد وكامن فى الروح الآسيوية.

فى المقابل بدت الدولة الحارسة فى أوروبا الغربية والولايات المتحدة مرتبكة ومترددة فى بدايات ظهور الوباء، وحين تنبهت إلى خطورة الأوضاع كان هناك وقت ثمين وغال قد مضى انتشر خلاله الوباء بمتواليات عددية مخيفة. هل يعنى ذلك أن الوباء أو غيره من المخاطر الكونية المحتملة مستقبلا سيغيّر بالفعل من دور الدولة لصالح مفهوم الدولة المتدخلة على حساب مفهوم الدولة الحارسة، أم أن الأزمة ستكشف عن تطور يلحق المفهومين معا وصولا إلى نموذج جديد؟ بالطبع لا نستطيع أن نعرف منذ الآن حدود دور الدولة المتدخلة ولا مدى تحقيقها درجة النجاح الكاملة، لكن ما نعرفه يقيناً أنه أصبح دورا مطلوبا لا غنى عنه. أما الدولة الحارسة التى تنحصر مسئوليتها فى القيام بالوظائف الأساسية مثل الدفاع والأمن وجزء من التعليم تاركة للمجتمع وقوى السوق أداء الوظائف الأخرى فالوباء الكونى الجديد الذى لا نعرف له نهاية متوقعة يضعها فى امتحان كبير.

فى القانون سيغيّر وباء كورونا العديد من عناصر المنظومة القانونية التى تحكم اليوم حركة انتقال الأفراد عبر حدود الدول، وتشريعات الهجرة والإقامة والجنسية والتى ستتأثر حتما بالمخاوف والهواجس من الوباء الذى سجّل حتى كتابة هذه السطور 470 ألف إصابة و21 ألف حالة وفاة، ومن احتمالات الموجات التالية لعودته حتى يتم اكتشاف لقاح أو علاج جديد له. قد نصبح أمام ظاهرة كورونا فوبيا بديلا عن ظاهرة إسلاموفوبيا، وستنظر مجتمعات بعين الريبة والقلق إلى أى شخص يحمل ملامح صينية أو آسيوية عموما. ستتغيّر النظم القانونية للعولمة، بل العولمة نفسها كظاهرة عابرة للحدود، وسيلحق ذلك فى الغالب حركة تنقل الأفراد بين الدول بتأشيرة دخول كانت بعض الدول تمنحها إلكترونيا، وكانت منطقة شنجن مفتوحة لمواطنى 26 دولة أوروبية. ربما تصبح هذه الإجراءات أكثر تعقيدا، وقد تصبح اللياقة الصحية شرطا للحصول على تأشيرة دخول أو ترخيص بالعمل. ستغدو حريات مثل حق التنقل التى تكرسها مواثيق دولية ودساتير محل تساؤل قانونى، والأرجح أنها ستدخل إلى دائرة التقييد لاعتبارات تتعلق بالنظام العام. على الصعيد الدولى كنا نعرف أن ظواهر العنصرية والعداء للأجانب والخوف من الإرهاب كانت قد بدأت تصبغ بعض التشريعات الغربية المنظمة للهجرة والإقامة واللجوء انطلاقاً من اعتبارات أيديولوجية واقتصادية، أما أحداث اليوم التالى لكورونا فسوف تشهد الظواهر نفسها لكن بناء على مخاوف مختلفة ذات أساس بيولوجى أو فيروسى.

سيؤثر وباء كورونا بقوة فى المدى العاجل على الكثير، بل الكثير جدا من العلاقات التعاقدية القائمة بقدر ما سيغيّر فى المدى المتوسط من النظم القانونية للتأمين التى تمثل قطاعا اقتصاديا هائلا. ففى المدى العاجل ستهتز بل سترتج العلاقات التعاقدية سواء المحلية أوالدولية، وسواء المؤسسية أو الفردية بفعل سهولة لجوء أطرافها من الآن فصاعداً إلى نظريات القوة القاهرة والظروف الطارئة كمسوّغ لعدم تنفيذ التزاماتهم التعاقدية أو التأخير فى تنفيذها. فى الأحوال العادية كان لجوء أحد طرفى العلاقة التعاقدية إلى مثل هذه الأسباب القانونية كالقوة القاهرة والظروف الطارئة للتحلل من تنفيذ التزاماته استثناء، مجرد استثناء منوط بتوافر شروط محدّدة ليس من السهل إثباتها، أما اليوم فسوف يصبح من السهولة بمكان لذوى العلاقات التعاقدية أن يتمسكوا بالقوة القاهرة أو الظروف الطارئة، وهو أمر لا بد أنه سيحدث ارتباكاً قانونياً شديداً فى المنازعات التعاقدية سواء أمام المحاكم الداخلية، أو هيئات التحكيم، وحتى المحاكم الدولية. وفى المدى المتوسط، وربما العاجل، سيتعرض اقتصاد التأمين بشركاته ونظمه إلى ضرر بالغ سواء فى قطاع التأمين الطبى أو قطاع النقل بأنواعه. وحينما نعرف أن حجم اقتصاد التأمين قد بلغ فقط لدى أكبر عشر شركات عالمية للتأمين ما يقرب من 2 تريليون دولار فإن سيناريوهات الاقتصاد العالمى تبدو قاتمة.

سيؤثر وباء كورونا وبعمق على التشريعات الصحية والطبية سواء فيما يتصل بجوانبها الوقائية أو بالجوانب الخاصة بالمساءلة القانونية. ستعود النقاشات القانونية التى دارت فى تسعينيات القرن الماضى بمناسبة انتشار فيروس الإيدز. كان التساؤل حينذاك حول مدى جواز توجيه تهمة التسبب فى القتل أو الإيذاء لمن ينقل فيروس الإيدز إلى غيره. التساؤل اليوم يدور حول المسئولية القانونية لمن ينقل للآخرين عن عمد أو إهمال فيروس كورونا. على جانب آخر وبمناسبة السعى المحموم لاختراع لقاح أو علاج لفيروس كورونا فالمتوقع أن التشريعات الطبية المنظمة للتجارب السريرية ستصبح أكثر ليبرالية وانفتاحا على التطلعات العلمية ومسايرة لمنطق الضرورات الطبية. سيتخلى المشرعون عن حذرهم التقليدى فى هذا التنظيم القانونى، وهو الأمر الذى سيمثل فى جانبه الآخر تحديا قانونيا لإقامة التوازن المنشود بين كل هذه الاعتبارات. حفظ الله مصر والبشرية.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: