رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الكورونا فى عصر العولمة

يواجه العالم الآن فيروس الكورونا الذى بدأ فيما يبدو فى الصين, ثم انتشر إلى مختلف البلاد فى القارة الأوروبية وفى العديد من الدول المتقدمة وغيرها من الدول المتوسطة والنامية فى آسيا وإفريقيا, فضلا عن القارة الأمريكية. وبدأت دول العالم تتخذ الإجراءات والتدابير لمواجهة هذا الخطر الجديد. وعمدت بعض الدول وفى مقدمتها الولايات المتحدة إلى وضع بعض القيود على استقبال الأجانب من الدول الأخرى. فماذا يعنى كل هذا؟ هل هى مجرد حدث عابر أم أنها ظاهرة جديدة تعكس تطورا فى حياة البشرية, ومن ثم انعكاساتها على مختلف الدول والنظام العالمي؟

النظام العالمى المعاصر: تغيرت أوضاع البشرية منذ البداية وتطورت من الأسرة إلى القبيلة حتى ظهرت فكرة الدولة الحديثة. وفى ظل النظام الدولى المعاصر, فإن العالم يتكون من العديد من الدول المستقلة والتى يخضع كل منها لنظام مستقل, وتعتبر كل دولة أن لها السيادة المطلقة على أراضيها, وليس لأحد آخر أن يتدخل فى شئونها. فالدولة الحديثة هى كيان مستقل, وليس لغير أبنائها التدخل فى شئونها الداخلية. فالاستقلال المطلق هو حق لكل دولة, وهى وحدها صاحبة السلطة المطلقة على أراضيها دون أى تدخل خارجي, فهل هذا الوضع مناسب لظروفنا الجديدة, أم حان الوقت لرؤية جديدة لهذا العالم الجديد؟

الحقيقة هى أن مفهوم الدولة هو ظاهرة حديثة نسبيا. فلم تظهر الدولة الحديثة المعاصرة إلا خلال فترة قصيرة نسبيا من حياة البشر, وهى فترة لا تجاوز عدة قرون. فالإنسان المعاصر ظهر على وجه الأرض منذ فترة تتراوح بين نصف مليون سنة أو ما يقرب من مليونين من السنين, حسب آراء المختصين فى هذا الميدان, وفى خلال هذه الفترة كانت الأسرة هى الظاهرة الاجتماعية الوحيدة, فلم توجد قبيلة أو عشيرة, ومن باب أولي, الدولة إلا منذ فترة قصيرة نسبيا. فمع التزايد فى أعداد هذا الكائن الجديد, ظهرت تنظيمات جديدة للعشيرة أو القبيلة, وأخيرا مفهوم الدولة. فالدولة بمفهومها الحديث ظاهرة حديثة نسبيا, وربما أقدم مظاهر الدولة, بدأت منذ فترة قصيرة لا تجاوز عدة آلاف من السنين مع ظهور مفهوم الدولة فى العراق ومصر الفرعونية, وظلت معظم دول أوروبا وآسيا فى شكل قبائل متفرقة هنا وهناك. وأما الدولة الحديثة فى مفهومها المعاصر, فهى ظاهرة نسبيا ولا تجاوز عدة قرون. وفى كل هذا كان عدد سكان البشرية محدودا ولم تصل البشرية إلى رقم البليون نسمة إلا فى نهاية القرن الثامن عشر. وخلال أقل من قرن ونصف قرن تزايد عدد السكان فى العالم إلى ما يقرب من سبعة بلايين نسمة. وهكذا احتاجت البشرية إلى عدة آلاف من السنين لتصل إلى رقم البليون نسمة, وتضاعف هذا الرقم إلى أكثر من سبعة أضعاف فى أقل من قرن ونصف القرن وهكذا أصبح التكاثر السكانى عبئا على البشرية, وليس مجرد قضية محلية أو وطنية. ومع هذا النمو السكانى غير المنضبط, أصبحت المشاكل الكبرى التى تواجه العالم تحتاج بدورها إلى علاج عالمى وليس مجرد إجراءات محلية أو وطنية. وكل هذا يدعونا إلى التساؤل, هل مازال مفهوم الدولة المستقلة هو المفهوم المناسب لعالمنا المعاصر؟ إننا بصدد أوضاع جديدة تتطلب مفهوما جديدا يجاوز أو يكمل مفهوم الدولة الوطنية المستقلة هناك قضايا عالمية تحتاج إلى مواجهة عالمية, وفى مقدمة هذه القضايا تأتى قضية النمو السكانى غير المنضبط, وما يرتبط بها من تغير فى أوضاع البيئة, وهو ما يتطلب نظرة عالمية وليس مجرد حلول محلية أو وطنية.

الانفجار السكانى مسئولية عالمية: مع تزايد النمو السكاني, أصبحت المشاكل المترتبة على هذا النمو غير المنضبط مسئولية عالمية بقدر ما هى مسئولية وطنية. وإذا كان العالم قد تنبه إلى خطورة التغيير المناخي, وما قد يترتب عليه من آثار مدمرة لمستقبل البشرية, فإن خطر الانفجار السكانى لا يقل خطورة, ومسئولية ضبط هذا النمو غير المنضبط قد يعرض البشرية للعديد من المشاكل والمآسي, فعلينا أن نبذل قصارى جهودنا لضبط النمو السكانى غير المنضبط. ظاهرة الكورونا ليست المشكلة, وإنما هى مظهر أو نتيجة للنمو السكانى غير المنضبط, وعلى العالم, وكل دولة أن تأخذ على عاتقها مواجهة النمو السكانى بكل الوسائل المتاحة, من تعليم وشرح للنتائج الكارثية على المجتمعات والأفراد. فالخطر الأكبر هو هذا النمو السكانى غير المنضبط. ففى مصر, وحيث كان عدد سكانها فى حدود أربعة ملايين نسمة فى عصر محمد علي, ووصلت فى الخمسينيات فى القرن الماضى إلى أقل من عشرين مليونا, وهى الآن جاوزت المائة مليون. الكورونا مجرد عرض من آثار التكاثر السكانى غير المنضبط. فالكورونا فى نهاية الأمر, هى مجرد عرض من آثار الانفجار السكاني, فمكافحة الانفجار السكانى هى القضية الأساسية وهذه القضية تحتاج إلى رؤية عالمية وليس مجرد نظرة وطنية أو محلية.

مشاكل العالم القادمة أكبر من مسئوليات الدول: فكرة الدولة, فكرة حديثة, وهى لم تأت نتيجة لنظرية عالم أو فيلسوف, وإنما فرضتها احتياجات تطور البشرية فعند البداية لم يكن أكثر من الأسرة أو العائلة ثم تطورت الأمور فظهرت القبيلة أو العشيرة وأخيرا جاءت الدولة. ولكن هل هذه هى نهاية المطاف, أم أننا فى حاجة إلى تطور جديد يحمى البشرية فى ظروفها الراهنة, وحيث جاوز عدد البشر ما يقرب من ثمانية بلايين نسمة, فهل مازالت فكرة الدولة كافية لمواجهة المشاكل الجديدة؟ هذا هو السؤال. لقد بدأت محاولة إيجاد تنظيم عالمى جديد بعد الحرب العالمية الأولي, ونشأت عصبة الأمم كواجهة جديدة لمعالجة القضايا العالمية, وبعد الحرب العالمية الثانية, ظهرت فكرة هيئة الأمم المتحدة, ولكن الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة من ناحية والاتحاد السوفيتى من ناحية أخرى لم تقبل التنازل عن مزاياها لحساب المؤسسة العالمية فجاءت هيئة الأمم المتحدة للتعبير الرمزى لوحدة العالم. والسؤال, هل آن الأوان للتفكير فى كيفية مواجهة القضايا العالمية فى مجموعها لمصالح البشرية فى عمومها, وليس لحساب دولة, هذا هو السؤال. ولا إجابة سريعة ممكنة. ولكن العالم لابد أن يتغير مع غلبة القضايا المتعلقة بمستقبل البشرية والكورونا هى مظهر للعديد من القضايا التى سوف تواجه العالم, التى تحتاج بالضرورة إلى رؤية عالمية وليس مجرد سياسات لحساب كل دولة على حدة دون نظرة لمستقبل البشرية فى مجموعها. سؤال يحتاج إلى جواب والله أعلم.


لمزيد من مقالات د. حازم الببلاوى

رابط دائم: