رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

متى بدأ الشرق الأوسط الجديد؟

ليس مع كورونا كما قد يتبادر للذهن والذي يؤثر علي العالم بأسره، ولكن جديد الشرق الأوسط بدأ منذ أكثر من أربعة عقود.

تحين بعد غد، الخميس 26 مارس، الذكري السنوية الواحدة والأربعون لأحد أهم أحداث هذه المنطقة: إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل في 1979 لم يتوقع الكثيرون حدوث هذه المعاهدة، بل توقعوا أنها لن تستمر. بعد أكثر من أربعة عقود مازالت تعيش بيننا، بل تتأكد تداعياتها قانونيا وسياسيا في أنحاء المنطقة منذ عدة سنوات بل وعقود يتكرر الكلام عن الشرق الأوسط الجديد، وفي التاريخ القريب نسبيا تأكد الكلام عقب نهاية الحرب الباردة مع سقوط حائط برلين في 1989 وشعار جورج بوش الأب فخورا بأمريكا وحديثه عن تدشين نظام عالمي جديد.

في الواقع لم يحدث تغيير جذري في منطقة الشرق الأوسط مع نهاية الحرب الباردة، حتي وإن تصادفت بداية هذه الحقبة مع محاولة صدام حسين في 1990 الاستيلاء علي الكويت. ولكننا نعرف أن هذه المحاولة فشلت وتم إنشاء تحالف دولي نجح في طرد قوات صدام وإعادة استقلال الكويت.

الحالة الأقرب إلينا تاريخيا هي سلسلة الانتفاضات العربية التي بدأت في تونس في ديسمبر 2010 وتوالت كالنار في الهشيم في العديد من الدول العربية في 2011 وأودت بنظام أربعة من الحكام العرب في تونس، مصر، ليبيا، اليمن، بينما لاتزال سوريا في حالة حرب شرسة ومدمرة وسط تدخل أجنبي متعدد الأطراف والأهداف. بالفعل دشنت هذه الانتفاضات العربية مرحلة جديدة في المنطقة، ما نستطيع تسميته مرحلة الجماهير الغفيرة من ميدان التحرير إلي شارع الحبيب بورقيبة، بل لاتزال مرحلة الجماهير الغفيرة هذه مستمرة في الجزائر والسودان وانضمت إليهما الآن لبنان والعراق وقد تتبعهم دول أخري. باختصار مرحلة الجماهير الغفيرة هذه والانتفاضات العربية مستمرة ولم تصل إلي تغيير هيكلي بعد في المنطقة العربية ككل. مثلا في العديد من دول «الربيع العربي»، ذهب الحاكم السابق ولكن هناك بعده إما فوضي وحرب أهلية من اليمن إلي ليبيا، أو عودة لأسس الدولة السابقة كما هو الحال في مصر. وبالطبع لم تؤد الانتفاضات العربية إلي أي تغيير هيكلي في منطقة الخليج. الانتفاضات العربية هي فعلا مرحلة مهمة ولكنها لم تؤد إلي شرق أوسط جديد حتي الآن.

التغيير الأكبر ذو النتائج الواضحة إقليميا، ونتائج تستمر وتتأكد في الأربعين سنة الأخيرة هو في العلاقات العربية. ـ الإسرائيلية. أولا لأن هذه العلاقات كانت دائما إقليمية أكثر مما تتعلق بدولة واحدة، بل إنها في الواقع شكلت المنطقة ككل منذ إنشاء إسرائيل في 1948 كما انها شكلت ومازالت تُشكل توجه العديد من الدول الكبري تجاه المنطقة. من هنا ما حدث في هذه العلاقات منذ واحد وأربعين عاما، أي إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979، هو زلزال كبير في هذه المنطقة أدي فعلا إلي نظام إقليمي جديد، نستطيع أن نسميه «نظام كامب ديفيد»، إشارة إلي الاتفاق الثلاثي بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة والذي وضع أساس معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية ـ كما رأينا في ندوة في الجامعة الأمريكية مع بعض مهندسي هذا الحدث بمناسبة الذكري السنوية الأربعين لكامب ديفيد.

بالرغم من الاحتجاجات العربية آنذاك وتعليق عضوية مصر في الجامعة العربية، بل تأكيد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أن هذه المعاهدة لن تدوم، فإن هذه المعاهدة لاتزال باقية، تنبض بالحياة وتتوالد، وهكذا أعقبتها عدة معاهدات سواء بين الأردن وإسرائيل في 1994 أو معاهدة اعتراف متبادل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في 1993 الأساس القانوني القائم علي حالة حرب دائمة مع إسرائيل تغيَّر جذريا ورسميا بالنسبة للعديد من الدول العربية. بل كانت هناك مفاوضات بين سوريا وإسرائيل لعقد معاهدة سلام، وبالرغم من أن هذه المفاوضات لم تنجح، إلا أنها كانت مباشرة دون وسيط وعلنية/ رسمية أيضا.

بل تتقدم العلاقات العربية ـ الإسرائيلية علي مستويات أخري وخاصة مع دول الخليج، حيث بدأت مع النواحي الاقتصادية ولكنها الآن تصبح سياسية أيضا، خاصة فيما يتعلق بتنسيق مباشر في مواجهة التدخلات الإيرانية في المنطقة. بل تصبح هذه العلاقات غاية في الإعلان، وقد شعر العديد ـ من الخبراء ـ بالدهشة عندما رأوا صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء زيارته عُمان واجتماعه مع السلطان قابوس في أكتوبر 2018. بل تتوالي الزيارات واللقاءات علي مستوي القمة وآخرها في أوغندا مع رئيس المجلس الانتقالي في السودان في الشهر الماضي، والتي تأكدت رسميا بعد ذلك. باختصار إذن أصبحت إسرائيل سياسيا جزءا من العمل الدبلوماسي الإقليمي، حتي مع الدول التي لا تعترف بها قانونيا أو تقيم معها علاقات دبلوماسية رسمية.

يختلف الوضع كثيرا علي مستوي المجتمع المدني العربي، حيث لايزال هناك «السلام البارد» كما أطلق عليه بطرس غالي. ومع تزايد المستوطنات وسياسة التفرقة العنصرية ضد الفلسطينيين، لايزال حوالي 82% من المواطنين العرب ـ طبقا لإحصاءات البارومتر العربي ـ يعتبرون إسرائيل عدوهم الأول في المنطقة.

ولكن طالما أن المنطقة العربية في علاقتها مع إسرائيل لاتزال تحكمها علاقات الدول، فإن الشرق الأوسط الجديد بدأ قانونيا في مارس 1979 ليستمر ويتدعم خلال الأربعين عاما الماضية، وكانت مبادرة مصر ـ الدولة المحورية ـ لإعادة تشكيل وتوجيه المنطقة بداية الطريق.


لمزيد من مقالات ◀ د. بهجت قرنى

رابط دائم: