رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كورونا.. أزمة وفرصة!

تعجّبَ غاية العجب إذ سمع صاحبه يستدعي صبي المقهي فيطلب منه بصوت لا يخلو من الجديّة: هات لنا يا ابني 2 كورونا مضبوط وصلّحُه. ازدادت دهشته أكثر عندما رأي الصبي يهز رأسه بالموافقة صارخا: وعندك 2 كورونا، بُن خفيف، علي ميّه بِيضه وصلّحه.. أيوه جاااااي. لقد لقطها الولد وهي طائرة فعرف أن الصاحب إنما قصد بالكورونا القهوة التي اعتاد تناولها هو وصاحبه كل مساء. همس للصاحب: كورونا إيه يا جدع.. هل هذه الجائحة مجال للسخرية والاستهزاء والمسخرة.. ماذا أصابك؟ ابتسم الآخر في حبور وسأله مبتسما: بذمتك ودينك أأنا من يُهذّر أم أننا كلنا، في مواجهة الكورونا، مُهذرون؟.

ماذا تقصد؟ تساءل هو مستنكرا فردّ عليه الصاحب دون تردد: نعم.. كلنا نستخف بهذا الوباء ولم نأخذ الأمر مأخذ الجد حتي الآن. قال هو: علي العكس فأنا ما أري إلا أن الحكومة فعلت وتفعل كل ما استطاعت وها هي الإجراءات الاحترازية تسير علي قدم وساق ومن الطبيعي أن تتم تلك الإجراءات بالتدريج حتي لا يسود الذعر فتكون الخسائر أشد وأنكي. هزّ الصاحب رأسه فيما يشبه الاقتناع ثم تمتم: أنا لم أقصد الحكومة يا عزيزي بل تحدثت عن جموع الناس. ألست توافقني في أن ردة فعل الجمهور لم تكن علي قدر الخطر فراحوا يطلقون النكات والتعليقات الساخرة وفيديوهات الفكاهة والتريقة، وإن نظرت إليهم وجدتهم مازالوا حتي اليوم يحتشدون في الأماكن والساحات بالآلاف، وكأننا في مولد أم هاشم، أو في حفلة كرنفال تنكرية لا تمُتّ للواقع بصلة بينما الفيروس اللعين يدق باب كل أنف؟.

قال هو: في هذه معك الحق.. فما تفسيرك إذن لهذه اللامبالاة التي مازال الكثيرون منا ينظرون بها للكارثة كأنها لا تعنيهم أو كأنهم يعيشون في كوكب آخر؟.. هل تسمح لي بمناقشة الأمر معك بحثا عن تحليل منطقي يشبع العقل الجائع للفهم والاقتناع؟ همس الصاحب: ماشي.. لكن دعنا أولا نحتسي شيئا من الكورونا ( عفوا أقصد القهوة!) لزوم تسخين الطاسة وتلميع الذهن المشتاق إلي التلميع وسط كل تلك الكآبة. جاءت القهوة. ارتشفاها علي مهل. شخط الصاحب في الصبي: إيّاك والشيشة هذه الأيام يا ولد فهي أم البلاوي.. ونحن لا تنقصنا البلاوي.. قال الفتي: أمرك يا أستاذ.. ثم بدأ الحوار:

قال هو: الرأي عندي أن السبب وراء تلك اللامبالاة، وهذا الطناش، هو الفهم الخاطيء لمعني أن كل شيء بيد الله عز وجل. إنك ما تنفك تسمع القوم يرددون: خليها علي الله لا أحد يموت ناقصا عمرا مع أن الله تعالي أمرنا بالأخذ بالأسباب.. ودعانا رسوله الكريم إلي أن نعقل الناقة أولا ثم نتوكل. لقد حوّل العقل الجمعي للمصريين التوكل إلي تواكل. ردّ الصاحب: أوافقك تماما.. ويحضرني بهذه المناسبة قول لأحد منظرينا قال فيه: إن المتخلفين يفهمون الدين بشكل متخلف مثلهم فيضيع منهم مغزي الدين والدنيا معا.. لكن ما الحل في رأيك؟.

أجاب: أحسب، والله أعلم، أن هاتين الكارثتين( السيول والكورونا) سوف تشدان آذاننا، وتصفعاننا، لتكونا نقطة تحول غير مسبوقة لنا جميعا، وفرصة لنجعل من الأزمة فرصة.. وإلّا فإن القادم سيكون أكثر صعوبة، بل وكارثية، لا قدّر الله. غير أن المشكلة هنا كيف ندفع الناس إلي تبني هذا المنهج في التفكير.. هل من خلال التعليم مثلا؟.. أم عبر خطاب ديني جديد يعيد لأذهاننا الفهم الصحيح للدين؟.. أم أن الدور الأكبر هنا يقع علي الإعلام.. أم ماذا بالضبط؟ همس هو: كل هذا مطلوب.. وأعتقد أن رد فعل الحكومة في كلتا الكارثتين يمكن أن يمثل بداية جيدة حيث تصرفت كما لم نعهد منها من قبل واستنفرت كل قوتها (حسب الإمكانات المتاحة).. ويبقي الدور علينا نحن المواطنين. في تلك اللحظة هرول صبي المقهي إليهما ومعه قهوتيهما وقد وضع بجانب الأكواب رصّة من المناديل الورقية البيضاء. سأله هو متعجبا: ولماذا المناديل يا جدع؟ صاح الفتي: يا باشا لزوم مقاومة الوباء.. والنبي يا بيه حُط ظهر كفّك أمام أنفك إن أردت أن تعطس.. وليتكما تغسلان أيديكما ببعض من الماء الذي أحضرته لكما.. ربنا عرفوه بالعقل يا سعادة البيه. هنالك كادت الدهشة تعقد لسانه لكنه قاوم عقدة اللسان وتمتم للصاحب: أرأيت.. لقد بدأت التوعية تؤتي ثمارها.. ليت كل الناس يسمعون ما قاله هذا الولد الحكيم. سارع صاحبه متسائلا: يعني تعتقد أن هناك أملا؟ أجاب هو بسرعة: بل ألف أمل وأمل.. ولعل الله أرسل لنا تلك المصيبة لينبهنا من غفلتنا فننطلق في طريق جديد من الوعي والفهم الصحيح والتعامل مع العصر بذكاء.


لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: