رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفن وإعادة تشكيل وجودنا

تحدثنا سلفا عن ممكنات التسامي، تلك التى تكسب البشر إحساسا أعمق بوجودهم وتزيد سيطرتهم على غرائزهم وأنانيتهم، كالإيمان والحب. واليوم نواصل حديثنا، بعد انقطاع فرضته الأحداث، عن الفن كملكة ثالثة (جمالية) قادرة على إعادة تشكيل وجودنا، بالكشف عن المغزى العميق لحركة سيرنا الطويل، وحفزنا إلى التوجه صوبه, ذلك أن فاعلية الإنسان لا تكتمل له إلا فى ظل نشوة الروح، التى يبلغها فقط عندما يتحرر من وطأة المادة وطغيان الضرورة، فيرى ما هو أوضح، ويطمح إلى ما هو أعلى. فعلى عكس المعنى المباشر للنشوة، والذى يدور فى فلك الفوران الحسى والإشباع الغريزي، يشير معناها العميق إلى رهافة الإنسان وتفتح مسامه للمعانى الأكثر أساسية فى الوجود، تلك التى لا يشعر بالاكتمال إلا إذا لامس صداها أو بالامتلاء إلا إذا استبطن حضورها.

وعلى قدر أهميتها النشوة الروحية يبقى استدعاؤها صعبا، فالروح كى تتيقظ تحتاج إلى قوة تهزها، تفجر شعورها بذاتها، مثل جسد نائم يحتاج إلى قوة تهزه حتى يستيقظ، غير أن القوة هنا ليست مادية ولا خارجية، بل شعورية وداخلية، تخاطب قوى النفس الكامنة، التى تهتز فقط فى حال الوحى والكشف والرؤية، والتى ندعى هنا أنها لا تقتصر على التجربة الدينية بل تمتد إلى تجارب أخرى تقاربها جوهريا وإن اختلفت عنها ظاهريا، خصوصا الفن الذى يرى فيه المحافظون والرجعيون تناقضا مع الدين، أو تمردا على المثل الأخلاقية العليا، وهو ما نراه فهما مقصورا، حيث الفنون، على تعدد أشكالها وتباين مستوى الإبداع فيها، تعكس قدرة مبدعيها على رصد وتكثيف المثل الإنسانية العليا، سواء تلك التى تنبع من قلب الأرض، بإلهام الثقافات المختلفة، أو تلك التى تهبط من السماء بوحى المعتقدات المقدسة، ففى كلا المصدرين ثمة مُثل تجمع البشرية، وفضائل تلهم الإنسانية، ومعان توجه حركة سير التاريخ، يصوغها الفن فى لوحات تشكيلية وكتل نحتية لا تخلب أبصارنا وتشجى آذاننا فقط، إنما تضعنا بشكل كثيف أمام حقيقتنا، وتمكننا من التعرف إلى ذواتنا، فى سياق جمالى غير وعظي، يطلق خيالنا، ويثير النشوة فى أرواحنا. ولعل الفن التمثيلي، وليد الأدب العظيم والنصوص الراقية، يعمل عمل الدين نفسه، عندما يتأمل معضلات الوجود الإنساني، ويفسرها ويصف الدواء لها، وهنا تصير القصص الإنسانية حاملة معنى جزئيا يتفرع عن المعنى الكلى الذى تحمله القصص الدينية. لا يمكن هنا مقارنة الإله، خالق السردية الكونية الكبرى حول العالم والطبيعة والإنسان، بالمبدع البشرى، صانع السرديات الصغرى، ولكن يظل للإبداع العظيم القدرة على محاكاة الإبداع الإلهي، على أن يعالج قصصا فردية فى أزمنة وتواريخ تعج بها مدن وشوارع فى بلاد وقارات مختلفة، ليكرس من خلالها المعانى السامية التى توجه حركة الروح البشرى فى كل مكان وزمان.

ينطوى كل دين على عقيدة أساسية، تصور مركزى عن الإله الخالق يدعو إلى الإيمان به والتسليم له، فنصوصه الأساسية ليست سوى تذكير بتلك العقيدة، أما طقوسه وشعائره فموجودة لتزكيتها وتجديد الشعور بقوة حضورها. وفى المقابل ينطوى كل فن عظيم على رسالة سامية، لا ينى عن التذكير بها ومحاولة استدعائها إلى كل مجتمع يفقد فيه البشر طريقهم إلى الفضيلة والسمو، وكل وطن يضيع منه الطريق إلى التقدم والحرية. وهكذا يخدم الفن العظيم، كالدين تماما، غايات الإنسان القصوى. وإذا كان الاعتقاد الدينى بمثابة حوار إلهى إنسانى يستقبل فيه الطرف الثانى المعنى الغائى لوجوده من الطرف الأول، فالفن هو نتاج لحوار إنسانى إنساني، يسعى طرفاه إلى التوافق حول الشرط التاريخى لوجودهما معا.

نعرف أن النصوص المقدسة (التوحيدية) تعج بقصص الأنبياء والأولين، تمجد إيمان البشر وتمدح استجابتهم لرسالة خالقهم، مثلما تقدح وتدين عصيانهم وتمردهم على رسله الذين بُعثوا إليهم. ونعرف أن الميثولوجيا الدينية اليونانية الرومانية، تعج بقصص الآلهة المتعددين والأبطال الذين سرقوهم أو حاربوهم انتصارا للإنسان. وفى المقابل، نعرف كيف يقص الأدب العظيم ببراعة فائقة حكايات عن كفاح البشر فى عديد الأمكنة ومختلف الأزمنة كى تصبح حياتهم أفضل. لا يوجد فى الفن أنبياء ولكن رجال ونساء حملوا الفضائل الإنسانية إلى شعوبهم ودافعوا عنها كى تسود فى أزمنتهم. لا شك فى أن الرسالة الإلهية وقصصها الكبرى، أقدر على هداية البشر، ولذا يتصور البعض أننا لسنا بحاجة إلى سواها، غير أن القصص الكبرى لا تستغنى عن تلك الصغرى كى تشرحها وتفسرها بلغة الإنسان، انطلاقا من معاناته المباشرة فى بيئاته المختلفة، فقد يستعصى على مؤمن أن يسير على طريق الأنبياء كونهم معصومين، من دون أن يشعر بالخجل من عجزه، ولكنه سوف يخجل بالضرورة من عجزه عن محاكاة بشر مثله ظلوا شرفاء فيما حاد هو عن قيمة الشرف، واستمروا صالحين فيما انساق هو إلى مواضع الفساد، وهكذا تتغلغل السرديات الصغرى التى ينطوى عليها الفن العظيم والأدب العظيم والفكر العظيم فى نواحى الوجود البشرى لتلهمه، وتعزيه، وترشده، لتكمل عمل الدين وليس لمناقضته.

أما الموسيقى، خصوصا الكلاسيكية، فربما كانت هى الفن الأوثق بحركة الروح، إذ تستطيع التسلل إلى أعمق مناطق النفس فتنير عتمتها وإلى جدران القلب فتهدهدها، داعية الإنسان لأن يستيقظ ويستقبل دفقات النور والمحبة والإرادة، فالموسيقى أصلا ليست إلا صدى لحركة أوتار تضاهى فى انسجامها وتناسقها حركات الكواكب والنجوم، ولذا فإنها بمثابة إعادة تمثيل للحركة الكونية، تمنح للإنسان انسجامه وتوازنه النفسي، ولأنها تنطوى على شيء إلهى فإنها تثير فينا الإحساس بالتعالى وتحفز أرواحنا لأن ترى بشفافية أكثر وبصيرتنا لأن ترنو إلى ما هو أبعد، وتلك هى نشوة الروح، التى تزهو معها وبها المعانى الكبرى، فندرك أو نتنبه إلى الحقائق الخالدة والمعانى القدسية، ونصعد إلى مدارج البهاء والنقاء تجاوزا لكل أشكال القبح فى العالم ومنابع الشر فى أنفسنا.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: