رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مؤلفة «أن تقرأ لوليتا فى طهران» و «أشياء كنت ساكتة عنها»..
آذر نفيسى: الثــورة الإيرانيـــة لم تسـتوعب أن التدين أمر طبيعى لايمكن أن يجبر عليه أحد

  • تدهشنى الروابـط التى يقيمها الأدب بين البشـر رغم الاختلافات الثقافية
  • كلما وجدت مكانا تدور فيه لغة الأدب
  • اعرف ان فيه بشرا أنتمى إليهم
  • الطلبة فى إيران كانوا يرهبون السلطة بما فيها سلطة المعلم




رغم الاهتمام الكبير الذى صاحب صدور كتاب «أن تقرأ لوليتا فى طهران»، للكاتبة الإيرانية الأمريكية آذر نفيسى، فور صدوره فى عام 2005، إلا أننى لم أقرأه إلا لاحقا بعد صدور الترجمة العربية له، ثم قرأت مذكراتها عن أبيها وعائلتها فى كتابها اللاحق «أشياء كنت ساكتة عنها»، وقد استفزنى الكتابان منذ قراءتهما، وكتبت عن كل منهما مراجعة نشرت على صفحات الأهرام. الاستفزاز، بالمعنى الإيجابى، لأسباب عديدة أولها الفكرة التى تأسس عليها بناء أن تقرأ لوليتا، والتى تمثلت فيما يشبه يوميات مجموعة قراءة سرية تشكلت من نفيسى، بوصفها أستاذة أدب، ومجموعة من طالباتها فى الجامعة، بعد أن أوقفتها الجامعة عن التدريس لإصرار الإدارة لأن تخضع كل عضوات هيئة التدريس لوضع الحجاب، ورفضها لذلك وتفاصيل أخرى كثيرة لها علاقة بطبيعة الفترة التى أعقبت وصول الخمينى للحكم، وإعلان الجمهورية الإسلامية، ففكرة الكتاب قامت على اجتماعات الطالبات مع السيدة نفيسى فى منزلها أسبوعيا لمناقشة مجموعة من كتب الأدب الإنجليزى والأمريكى. وينتقل الكتاب بين تفاصيل النقاشات ومدلولها على الشخصيات وعلى الكاتبة، ومنها تلتقط الخيط لسرد سيرتها وسيرة طالباتها وسيرة المجتمع. تفعل ذلك بحساسية شديدة وبأسلوب رفيع المستوى أدبيا. «الحقيقة أننى كنت دونت فى هوامش قراءتى لكتابها ملاحظة على مشهد من الكتاب تصف فيه لقاء عابرا، بعد سنوات، مع إحدى طالباتها بالصدفة، ماتت لاحقا، قلت فيها إن هذه السيدة روائية لم تنتبه إلى موهبتها الجبارة».

ولهذا قرأت سيرتها الثانية التى كانت تتناول فيها سيرة عائلتها، وعلاقة والديها ببعضهما، وتعقيدات علاقتها بأمها، فيما نرى فى الخلفية المجتمع الإيرانى خلال القرن الماضى، اجتماعيا وعاطفيا ومشهديا وجمال طبيعة، وحياة وذاكرة. ثم جاء كتابها الثالث «جمهورية الخيال» والذى تناولت فيه علاقتها بأمريكا، ونقدها أيضا بشكل ما للأمريكيين فيما يتعلق بعدم اهتمامهم بأدبهم وثقافتهم، وسيرتها هى كإيرانية أمريكية تعيش فى مجتمع عرفته قبل أن تراه بفضل الأدب.

حين علمت بخبر حضورها إلى الكويت شعرت بسعادة بالغة للأسباب السالفة، ثم بالإحباط لأن المحاضرة التى كان من المفترض أن تلقيها ألغيت، دون أسباب واضحة.

إلى أن التقيتها بصدفة محضة، حيث كانت فى زيارة لمكتبة خاصة فى الكويت فأخبرتها فورا عن رأيى فى كتبها، ولم أتردد فى اغتنام الفرصة لعمل حوار معها، قلت لها لـ «صحيفة الأهرام» المصرية، فابتسمت وسألتنى بفضول: «أهرام محمد حسنين هيكل»؟ فأجبتها ضاحكا: نعم، فهزت رأسها معلنة موافقتها.

لنبدأ من فكرة اهتمامك بالأدب الأمريكى، فخلال قراءتى لـ «أن تقرأ لوليتا فى طهران» شعرت باهتمام كبير بالأدب الأمريكى مما كنت تقدمين نماذجه لطالباتك، أو مجموعة طالباتك فى حلقات الدرس السرية على حساب الأدب الإنجليزى. أحسست أن هناك نماذج أمريكية تركزين عليها، نابكوف، فيتزجيرالد، هنرى جيمس. صحيح ثمة إنجليز مثل أوستن، لكن ربما يبدو ذلك غريبا بعض الشىء؟

الواقع أن الكتب التى اخترتها للمناقشة لم تكن لها علاقة كبيرة بكونها أمريكية أو إنجليزية بقدر ما كنت أرى أنها تتناسب مع الموضوعات التى وددت أن أطرحها للنقاش مع الطلبة، وبناء على تفاصيل الواقع الذى كنا نعيشه آنذاك، حاولت اختيار النصوص الأدبية التى تطرح تلك القضايا، مثل لوليتا، وغاتسبى العظيم، وغيرهما. لكن هناك الكثير من الروايات الإنجليزية التى أحبها جدا بالتأكيد.

وماذا عن هنرى جيمس، بدا لافتا اهتمامك الكبير ليس بكتبه فقط بل وبأفكاره الشخصية؟

أعتقد أن جيمس يعد نموذجا جيدا لفكرة الشخص العابر للثقافات، وكان ٫جهة أخرى، وهناك كتاب شهير له عنوانه «الأمريكيون». وله كتاب آخر بعنوان «الأوروبيون»، وقد كنت مهتمة بأن يفهم طلبتى أن الأدب لا يملك حدودا. فقد ولد جيمس جويس فى أمريكا، وانشغل بسؤال الهوية، لكنه تأثر بالآداب الشرقية، وكثير من الأدب الكلاسيكى الإيرانى مثل أعمال عمر الخيام والأدب الشعبى.

بينما كنت أقرأ «لوليتا فى طهران» تملكنى إحساس أن السرد المستخدم أقرب لأسلوب روائية، الوصف الدقيق، البناء السردى، وصف الطالبات الدقيق الشكلى والنفسى أيضا، وحتى الفكرة أظنها تصلح لرواية، ولعل هذا ما جعلها مشوقة وممتعة فى القراءة رغم أنها تعالج قضايا بعضها بالغ الصعوبة فيما يخص حياة الطلبة والمجتمع عموما. هل ثمة روائية متخفية داخلك؟

بشكل عام قضيت جانبا طويلا جدا من حياتى أقرأ الروايات والأدب، وأنصت للحكايات والآداب، ولعل هذا ما جعلنى أقرب لصياغة ما أود قوله عن الحياة والواقع بشكل يأخذ صيغا سردية أو مستلهما من القصص. ولا أحب الكتابة بالشكل الأكاديمى الجاف الذى يتم فيه تناول أعمال أدبية بطريقة تحليلية فقط، وربما أننى أعشق الحديث عن الروايات والأدب بينما أتناول حياتى الخاصة، ربما لأن ذلك يبين الأثر الكبير للأدب على شخصيتى، أو بالأحرى كيف يمكن للروايات العظيمة أن تغير حياة المرء.

أعتقد فى كتاب المذكرات «أشياء كنت ساكتة عنها» كان لديك أيضا هذه الحساسية فى الإمساك بالمشاعر الدقيقة بين الوالد والأم وبين الابنة والأم والأب.

خلال كتابة هذا الكتاب أدركت كم الأشياء التى لم أكن أعرفها عن أشخاص كانوا قريبين جدا منى، وعن نفسى، وكيف أننى خلال عملية الكتابة نفسها كنت أكتشف الأشياء، وأعرف بعض ما لم أكن أعرفه عن نفسى وعن الآخرين. وحتى فكرتى عن أمى تغيرت، ففى البداية كنت أكتب عن أمى من وجهة نظر فتاة صغيرة فى العمر لا ترى فى الأم سوى الجانب السلطوى، الأم التى تحاول السيطرة، لكنى مع نهاية الكتاب، الذى ينقل أيضا كيفية تغير أفكارى بمرور العمر، وتأثير الزمن فيها، غدوت امرأة ناضجة، وكانت أمى قد أصبحت مسنة، وأدركت حجم المعاناة التى عانتها فى حياتها. وبالتالى فلم تكن الذاكرة فقط هى ما استعنت به فى كتابة هذه الذكريات، لأننى أعتقد أننا لا نكتب عما نعرف فى الحقيقة، بل نكتب عما نود أن نعرفه، وهذا يحتاج للتأمل والفهم والسؤال أو البحث باختصار.

الشخصية الإيرانية لديها رغبة وربما طبيعة تميل للتفتح أكثر بكثير منها للمحافظة. هل هذا الانطباع دقيق؟

لديَّ فى خيالى صورة جميلة لجدتى، التى كانت تتمتع بالجمال وتضع حجابا، وتنتمى لكل التراث الإيرانى التقليدى، وكنت على النقيض من ذلك أمثل تصورا للمرأة العصرية، شكلا ومضمونا. ومع ذلك فلم نكن نشعر بأى اختلاف فيما بيننا، وكنا مرتبطتين ببعضنا بعضا بشكل كبير جدا. وحتى بعد قيام الثورة كانت تبكى لأنها كانت مقتنعة أن التدين أمر طبيعى ولا يمكن أن يجبر عليه أحد. والحقيقة أن المفاهيم الجديدة التى قدمتها الثورة الإسلامية للمجتمع الإيرانى قدمت أيضا للعالم شكلا محددا عن الإسلام. لكن بالتأكيد معك حق فى تصورك، فقد كانت إيران مجتمعا حديثا متقدما، لكنهم بعد أن غيروا النظام لم يتغيروا هم أنفسهم وهذه هى المشكلة. واليوم ورغم كل التضييق والحصار، ورغم القيود الكثيرة التى يعانون منها فإن الإيرانيين ليسوا معزولين عما يحدث فى العالم، ولم يتوقفوا عن التفاعل مع العالم الذى يرون فى أماكن كثيرة منه ما يعبر عنهم فى التقدم والعصرية، وهذا من الأشياء التى تدعونى للإحساس بالفخر.

فى كتابك الثالث «جمهورية الخيال»..تشيرين فيه إلى أن المجتمعات التى تفتقد للخيال هى التى تحتاج للأدب أكثر من الدول التى تقدم هذا الأدب؟

فى الحقيقة حين كتبت هذا الكتاب كنت قد انتبهت لظاهرة أمريكية غريبة وهى عدم تقديرهم لثقافتهم وأدبهم. وقد كنت فى بداية قدومى للولايات المتحدة أشعر بالغضب الشديد لأنهم لا يعرفون شيئا عن الشرق الأوسط. صحيح أنهم يتحدثون عن الشرق الأوسط لكنهم لا يعرفون شيئا. ثم انتبهت لاحقا أنهم لا يقدرون حتى ثقافتهم. وهذا الأمر بدا لى غريبا؛ لأن أمريكا بلاد تأسست على فكرة فى الأساس، وعلى أنواع من الفنون، وعلى الأفكار التقدمية والحرية، والآن حين يرى المرء المجتمع الأمريكى لا يهتم بهذا كله، فيبدو الأمر كأنهم فقدوا ذاكرة تخص تاريخا ليس هينا، مروا خلاله بمراحل من الحرب الأهلية التى دفعوا ثمنا غاليا لها، ولكى يأسسوا لاحقا أهم الحركات «حقوق المواطنة المدنية» التى جعلت هذا المجتمع منفتحا على الثقافات والفنون والأفكار، وحلما للجميع، بينما الآن يبدو المجتمع الأمريكى فى حالة انغلاق ومحدودية.

وبالمناسبة فقد أذهلتنى النقاشات التى دارت بينى هنا وبين مثقفين وأفراد ممن أتيح لى اللقاء بهم فى الكويت، حول الأدب والروايات وتاريخ الأدب.

هل هذه زيارتك الأولى لبلد عربى؟ وهل زرت القاهرة؟

نعم هذه الزيارة الأولى، وأشعر بالإثارة وسعيدة جدا بما أكتشفه عن الناس وعن معرفتهم بالأدب، أما القاهرة فللأسف لم تتح لى زيارتها بعد، لكنى التقيت بعددا من الكتاب المصريين فى البرازيل، ودارت بيننا حوارات طويلة جدا عن الأدب وعن الكتابة الأدبية وأبرز الكتاب فى العالم. لهذا أقول، إن الناس المتحمسين لهنرى جيمس لهم الحق فى هنرى جيمس. ولهذا فسوف يتعلم الأمريكيون أن يقدروا الآخرين من آدابهم وثقافاتهم.

ذكرت أنك كتبت كتابك أن «تقرأ لوليتا فى طهران» فى أحد المقاهى الأمريكية فى واشنطن، واسمه بوردرز، وأشرت أيضا إلى ما سميته المكتبات الكهفية؟ ما هى طبيعة هذه الأماكن ولماذا تفضلين الكتابة فيها؟

«بوردرز» أحد المقاهى «المكتبات». لكن للأسف لم يعد لها وجود الآن فى واشنطن حيث أسكن، وعادة ما كنت أذهب لتلك المكتبة لشراء الكتب وتصفحها ثم أجلس بعد ذلك للكتابة، تروق لى الكتابة بين أناس لا أعرفهم، لكن تجمع بيننا الاهتمامات أو حب الكتب على الأقل، لكنى أيضا أفضل الجلوس للكتابة فى مقاهى المتاحف حيث أختار موضعا قريبا للوحة من اللوحات التى أحبها وأكتب بالقرب منها وكأنها تلهمنى.

ولماذا تختفى المكتبات؟

الإنترنت فى اعتقادى أحد أهم الأسباب، الناس الآن أتاح لهم الإنترنت شراء أى شىء، لكن أعتقد أن السبب الأهم فى تراجع المكتبات وإغلاق الكثير منها أن الناس بدأوا يفقدون الاهتمام بالواقع من حولهم. هم مهتمون بالفضاء الافتراضى على حساب الواقع. أما بالنسبة لى فالأمر بطبيعة الحال على النقيض تماما، فالكتب بالنسبة لى عشق حقيقى، وأحب أجواء المكتبات ورائحتها وملمس الكتب. أفكر بنوع من الحزن فى أن التقنيات الحديثة تعمل على أن تسلب الناس ذاكرتهم. لهذا أتمنى أن يعود الناس للقراءة وللكتب مرة أخرى. وفى الحقيقة فقد شهدت أمريكا خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية موجة جديدة من المكتبات المستقلة التى تبيع الكتب الورقية الأمر الذى أظنه جيدا جدا.

بفضل خبرتك الأكاديمية بالتدريس فى إيران ثم فى الولايات المتحدة، هل ثمة اختلاف بين الطلبة هنا وهناك؟

الحقيقة أن خبرة التعليم بشكل عام بها شيء جميل بالنسبة لى وهو الشغف والتعلم المتبادل، فخبرتى فى تعليم الأدب قدمت لى الكثير من الخبرات، وتعلمت بدورى من طلبتى الكثير. لكنى كنت ألاحظ أن الطلبة فى إيران كان لديهم حماس وشغف استثنائيان، والكثير منهم لم يكونوا من سكان طهران وكانوا يأتون من ضواح ومدن أخرى قريبة لكى يدرسوا الأدب بشغف. لكن فى أمريكا الوضع مختلف، فالأدب الكلاسيكى بالنسبة لهم يعد أدبا له طابع مدرسى لأنهم درسوه فى التعليم الثانوى، ولا يجدون ما يحفزهم لإعادة قراءته. لكن ما أحببته فى الطلبة الأمريكيين أنهم كانوا شديدى التفتح، ويتمتعون بعقليات حداثية ولا يتعاملون معى كسلطة، أو يرهبوننى. بينما فى إيران كنت أبذل جهدا خارقا لكى أمنح طلبتى الإحساس بأننى لا أمثل سلطة من أى نوع، لأن المعلم بالنسبة لهم بشكل عام يمثل سلطة ما، ولو حتى ضمنيا. وهم يشعرون بالرهبة من أية سلطة، كانوا يخافون من انتقاد الكتب التى أختارها لهم، ولهذا بذلت جهدا ووقتا طويلا حتى تمكنت من إقناعهم أننى مهتمة بما يرونه هم فى الأدب والنصوص التى نقرأها أو ندرسها، وقد حدث ذلك بعد وقت طويل.

هل اختلفت المعايير التى اخترت على أساسها الروايات التى تناولتها فى «أن تقرأ لوليتا فى طهران» عن تلك التى درستها وقرأتها للطلبة فى أمريكا؟

فى أن تقرأ لوليتا اخترت كتبا تشرح كيف كنا نشعر خلال الفترة التى كنا نعيشها فى إيران خلال الثورة. فى «جمهورية الخيال» أوضحت أننى أحببت أمريكا قبل أن أراها بسبب أدبها وروايات كتابها، والأمر المثير للانتباه أن روايات أمريكا وخصوصا الكلاسيكية أغلبها كانت لها روح ثورية؛ فإذا قرأت على سبيل المثال مغامرات «هكلبرى فين» لمارك توين، والتى تعود لعام 1884، فستجد بطلى العمل «جيم» و«هاك» من أفقر وأكثر فئات الشعب انتماء للهامش، لكن مارك توين وضعهما فى موقع الأحداث الرئيسية، وكانا يمثلان الطبيعة الإنسانية. وأردت أن أناقش ذلك مع الأمريكيين، وهى الكيفية التى طرح بها الأدب الأمريكى التناقضات الاجتماعية، بعيدا عن السياسة، وكيف قدم أسئلة عميقة جدا حول هذه الظروف والتغيرات الاجتماعية. كما أن الروايات الأمريكية تعلمنا معنى الديمقراطية، ولو أن هذه سمة عامة لكل الروايات فى الأساس، لأنها تتضمن فكرة تعدد الأصوات. وربما تسمح الروايات العادية لأصوات عديدة أن تعبر عن ذاتها، لكن الرواية الجيدة هى التى تسمح للجميع، بما فيهم صوت ممثل الشر، أو الشخصيات ذات الدوافع الشريرة فى العمل، لأن يسمع الآخرون صوته من منطق روائى. ولهذا السبب أدعو دائما الناس للقراءة لأنها تتيح الإنصات لكل تلك الأصوات التى قد لا تتوافر لنا فرصة الإنصات إليها فى وسيلة أخرى.

كتبت كل هذه الكتب فى أمريكا، فهل تشعرين باختلاف فى طريقة تلقى كتبك فى كل من إيران وأمريكا؟

الحقيقة أننى حين كتبت أن تقرأ لوليتا أصابتنى الدهشة، فقد كانت لدى رغبتان: التأكيد أن الصورة النمطية الشائعة عن إيران فى أمريكا غير حقيقية ومختلفة، وأن هناك أفرادا كثيرين رائعين وموهوبين ولديهم حياتهم وتصوراتهم عن العالم، كما أردت أن أقول إنه كيف يمكن للأدب فى زمن القمع أن يكون مفتاحا للأبواب، وكيف أننا بفضل الأدب العظيم يمكننا أن نقضى أوقاتا تتحلى بنقيض ما كان يسود الأجواء فى بلادنا. وقد وصلت الرسالة فى الحقيقة للقراء وهذا أذهلنى. كان القراء والقارئات يأثون إليَّ ويسألوننى عن شخصيات الكتاب وعن الطالبات وعما آلت إليه مصائرهم. وعلمت كذلك خلال وجودى هنا أن الكثير من القارئات ألهمتهن فكرة الكتاب وأقمن حلقات لقراءة الكتب بأفق متفتح، وأن الأمر غير حياتهن بشكل ما.

وماذا عن جمهورية الخيال؟

فى الحقيقة هذا الكتاب أثار غضب الكثير من الأمريكيين، الذين لم يقبلوا فكرة اتهامهم بعدم تقديرهم لأدبهم وثقافتهم، كما أثار أن تقرأ لوليتا غضب الكثير من الإيرانيين أيضا الذين اعتقدوا أننى أنتصر فى كتابى للغرب وللثقافة الكولونيالية على حساب الثقافة الإيرانية، والحقيقة هى غير ذلك بالتأكيد، واستشهادى بالأدب الأمريكى وانتقادى لما كان يجرى فى بلادى لم يعن أبدا أننى أؤيد سياسات أمريكا. فعلى الصعيد السياسى أنا ليبرالية، وأعارض الكثير من سياسات أمريكا، وهذا ما قلته فى محاضرات عامة كثيرة فى الولايات المتحدة بدءا من مناهضة الحرب على العراق ووصولا لنقد ممارسات السيد ترامب. لقد أكدت ذلك كثيرا وأعلنته فى مناسبات عامة مختلفة، لكن الثقافة أمر آخر فى تقديرى، فالثقافة مسألة تتعلق بالحرية، والأدب بشكل خاص هو موضوع يتبنى فكرة الآخر وفهم الآخر. وأظن أن الأمر سيكون مملا إذا اقتصر الأدب على الحديث عن الذات فقط من دون الانتباه للآخر. هذا هو الأمر، ولهذا فقد تسببت كتبى فى غضب بعض الإيرانيين وكذلك بعض الأمريكيين. لكن الكثير من الأمريكيين أيضا أبدوا تفهما لوجهة نظرى حول أمريكا، وبعضهم كانوا يأتون لى عقب المحاضرات ليتحدثوا معى، قائلين إنهم أمريكيون منذ ميلادهم ويتفقون مع ما أراه حول بلادهم، وأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. كانوا يأتون لى ويسألون ماذا نفعل؟ ولذلك يدهشنى باستمرار كيف تخلق الكتب الروابط بين البشر وبين الثقافات المختلفة، وأيا كانت جنسياتهم، فأينما ذهبت إلى مكان تدور فيه لغة الأدب إلا ووجدت بشرا أنتمى إليهم. ولهذا فى أمريكا أشعر أننى فى وطنى من خلال علاقتى بالقراء.

ما هو مشروعك الجديد؟

الكتاب الذى أعمل عليه الآن حول كيفية فهم الشخص الذى تتصور أو يفترض أنه عدو لك.

موضوعه يدور حول كيفية تجنب الحروب، فعلى مدى السنوات الطويلة التى دارت خلالها الحرب بين العراق وإيران كنت أتساءل عن مسار تلك الحرب وما يمكن أن تؤدى إليه، وحين كانت الإذاعة الإيرانية تعلن عن انتصار هنا أو ضربة هناك، كنت أقول لنفسى إن عائلة مثل عائلتى تعيش فى العراق لا بد أنهم قد تعرضوا للموت الآن. ولذلك فحين بدأت الحرب الأمريكية فى العراق كنت أتساءل: إلى متى سيظل العراقيون يعانون من الحروب؟ والآن أيضا لا يزالون يعانون. فى الحقيقة أشعر بقربى من العراق كثيرا، وفهم طبيعة ما يشعرون به أيضا، رغم أننا خضنا معهم حربا فى السابق. وعلى الرغم من أنه لم يسبق لى زيارة العراق إلا أننى أشعر أننى أعرف الناس هناك جيدا.

فكتابى إذن عن العدو، والتفكير فيه كآخر، ولذلك سوف أستعين فيه بنماذج أدبية تتناول الموضوع بشكل ما، وقد تعرضت كثيرا فى جمهورية الخيال للكاتب الأمريكى جيمس بالدوين، ولعلنى أيضا قد أبدأ الكتاب الجديد به، لأن بالدوين تناول فكرة العنصرية فى أغلب أعماله، وكان يردد أن مظاهر العنصرية التى يتعرض لها الشخص ليست فى قدر خطورة الكراهية التى تتخلف عن العنصرية. ولديَّ أيضا بين النماذج التى سأستعين بها أعمال لمارجريت أتوود، التى تعرضت لموضوع التوليتارية والمجتمع، وكذلك لدى كتاب يجمع نصوصا لكاتب إسرائيلى اسمه دافيد جروفس، وهو معروف بانتقاد إسرائيل، وكذلك لديه إصرار على نقد عدم معرفتها بالآخر، أى الفلسطينيين ومحاولة نزع الإنسانية عنهم. ومع هذا الكتاب أتناول أيضا نصا مسرحيا لكاتب فلسطينى هو أمير نزار الزعبى، تتناول مسرحيته وعنوانها «الصخرة الرمادية» قصة مُتخيلة لفلسطينى شاب «يوسف» يقطن فى قرية صغيرة فى الضفة الغربية ويعمل فى تصليح أجهزة التلفاز، لكنه يُحاول أن يخرج من بؤس وشقاء حياته عن طريق فكرة أشبه بالجنون، إذ قرر بناء صاروخ يوصله إلى القمر، لأنه أراد أن يرد على ما يشيعه الإسرائيليون عن الفلسطينيين بأن العكس صحيح وأن الفلسطينى قادر على الوصول للقمر. لقد أحببت هذه الفكرة جدا.



حين قرأت لمحفوظ

و«عمارة يعقوبيان» كنت أرى الكثير

مـن التشابـه مـع إيـرانH





للأسف لم أقرأ الكثير من المعاصرين، من مصر قرأت بعض روايات لمحفوظ، ورواية عمارة يعقوبيان، وشعر محمود درويش، لكن للأسف الأدب العربى المترجم قليل، وأيضا لا يوجد تعريف نقدى به وبالتالى يصعب إيجاده. وبالمناسبة ما قرأته من محفوظ وعمارة يعقوبيان يذكرنى كثيرا بإيران، فقد كنت فى طفولتى أذكر أن أفراد العائلة كانوا يجرون مقارنة بين ما تفعله مصر وما تفعله إيران. المشكلة الكبيرة التى اكتشفتها أننا فى إيران لم نسع للتعرف على جيراننا فى المنطقة، رغم وجود مشتركات كثيرة، والآن أسال نفسى لماذا كان ينبغى التعرف على الأدب الغربى قبل أن أتعرف على الأدب العربى، طبعا كان لديَّ معرفة بابن عربى وابن سينا والغزالى وبالأدب العربى الكلاسيكى لكنى لم أوثق علاقتى بالأدب العربى المعاصر. رغم أننى كثيرا ما أوضح لطلبتى أن الثقافة العربية مصدر للكثير من العلوم والآداب الغربية، والحقيقة أنا على يقين أن فى حضاراتنا الشرقية الكثير مما يستحق أن نفتخر به، لهذا لا أفهم لماذا نخشى من الغرب ولا ننظر إلى ثقافتنا باعتبارها ثقافة أصيلة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق