رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لينين الرملى والكتابة على خشبة المسرح

جرجس شكرى;

كان من الطبيعى أن يبتعد لينين الرملى فى بداية حياته المسرحية عن مسرح الدولة ويتجه إلى مسرح القطاع الخاص، فقد أتاحت له النشأة فى أسرة تعمل بالأدب والسياسة أن يعيش حياة الكاتب فى سن مبكرة، فكتب للمسرح والتليفزيون والسينما والإذاعة وعمره لم يتجاوز الثلاثين عاماً

فلم يكن من السهل على شاب فى مقتبل العمر أن يبتعد عن مسرح الدولة الذى كان ملجأ الجميع فى مطلع السبعينات ويقتحم مغامرة المسرح التجارى بكل مخاطره، والسمعة السيئة التى يتمتع بها فى ذلك الوقت، ويهمل القضايا الكبرى مضمونة النجاح والتى يناقشها مسرح الدولة، وظنى أن تشبعه بالسياسة فى طفولته، وبدايته المبكرة فى ممارسة العمل المسرحى والثقافى بشكل عام جعله لا يهاب هذه المغامرة وأيضاً لا يضع الآمال العظمى فى مسرح الدولة وقضاياه! وكتب بعد سنوات عن تجربة الكتابة ليربط بين كتابة أول نص مسرحى كتبه وتكوينه لفرقه مسرحية، فالكتابة عنده ارتبطت بالتمثيل، فكان يكتب لخشبة المسرح لا للمطبعة أو القراءة، يدوَن أفكاره يضيف إليها ويحذف منها ويطورها وتقريباً لا تتم إلا حين تجد الفرصة فى الصعود إلى خشبة المسرح، فهناك مسرحيات بدأت كفكرة ولم تتم إلا بعد سنوات مثل بالعربى الفصيح على سبيل المثال، وظنى أن لينين الرملى كان يكتب ليس فقط على خشبة المسرح بل أيضاً مع الممثلين يستحضرهم ويضع الحوارعلى ألسنتهم يختبره ويشاهد حركتهم فى فضاء اللعبة، وربما يغير كل شيء كأنه يناقشهم فى الحوار، هل هو مناسب أم لا؟ فالمسرحية تُكتب لكى تعرض لا لكى تقرأ والحكم على المسرحية بعد عرضها لا بعد كتابتها فقد أدرك مبكراً أنه ليس كاتباً يكتب النصوص الأدبية للمسرح، ولكنه يدرك أنه يكتب العرض المسرحى أو قل يصنع هذا العرض بشخصياته، أى أنه يصنع حيوات صغيرة من لحم ودم.

ومن يتأمل حياة لينين الرملى وأعماله يدرك جيداً أن هذا الكاتب كان من المفترض أن يعيش فى العقد الثانى من القرن العشرين مع جيل الرواد أصحاب الفرق والمسارح الذين كانوا يكتبون النصوص للفرقة التى يعملون معها، يكتبون على خشبة المسرح، ولا يؤمنون بالنصوص المسرحية كنصوص أدبية، فالكتابة للعرض لا للقراءة، كل حياة لينين الرملى وأعماله تؤكد أنه رجل مسرح وليس فقط كاتباً مسرحياً، بل إخلاصه الأول والأخير لفن المسرح كفعل على خشبة المسرح مع الممثلين والعناصرالأخرى وليس كنص أدبى للقراءة، فهو يكتب العرض المسرحى وليس النص المسرحى،أى الكتابة على خشبة المسرح وفى أعماله لم يهتم لينين الرملى بالتراث سواء على مستوى الشكل أو المضمون لم يهتم بالأيدلوجيا، أوقضايا المسرح التى تم طرحها للمناقشة، فقط كان اهتمامه باللعبة المسرحية على خشبة المسرح من خلال الإنسان، ولايخلو اختياره للكوميديا ومسرح القطاع الخاص من دلالة فى بداية حياته المسرحية، وإن كان الأمر سوف يتغيرفى مراحل أخرى من حياته، ليكتب فى مرحلة متأخرة ملاحظاته حول المسرح المصرى « نلاحظ أن المسرح بدأ فى مصر كأعمال تراجيدية دينية توجهها السلطة - المسرح الفرعونى وأن الناس صنعوا فنهم الدرامى بعيداً عن السلطة، وخارج الإطار الدينى بل غالباً فى غفلة منهما، واليوم نرى أن السلطة والإدارة البيروقراطية لا تتحمس كثيراً للمسرح فإن تحمست قدمت أعمالاً رصينة ذات أهداف موجهة، أما النظرة الرسمية الدينية شبه الرسمية فتكاد تحرم المسرح والفن عامة بينما الناس يقدمون مسرحهم الشعبى البسيط الساخر بعد تطويره بعض الشىء» وظل لينين الرملى مخلصاً لمسرح الناس فى كل أعماله فهو أقرب إلى الروح الشعبية ولكنه دعمها بالدراسة العلمية لكل أشكال المسرح العالمى فى محاولة للتعبير عن هموم الإنسان، وقد استطاع فى فترة قصيرة أن يحقق التواصل الجماهيرى مع التقدير النقدى، فقد درس طبيعة الشعب المصرى إلى جانب المسرح واختار الكوميديا التى تتناسب وروح هذا الشعب الذى يعرف كيف يتذوق الضحك، فهو لايقاوم الضحك فى أحلك الظروف، بل يعيش ويقتات على السخرية، حيث قاوم المصريون الطغاة بالسخرية من خلال خيال الظل والأراجواز.

بدأ لينين الرملى الكتابة للمسرح فى بداية السبعينات وهى مرحلة فارقة فى تاريخ المسرح المصرى، بل ومصركلها دون شك، حيث بدأ العقد السابع من القرن العشرين وقطار المسرح المصرى يفقد اتجاهه وبقوة أيضا، ربما كردة فعل لهزيمة 67 أو بداية مرحلة جديدة، وربما كان ازدهار الستينات يحتاج إلى مراجعة فى مدى مصداقيته وتأثيره الحقيقى فى العديد من الكتابات لنقاد تلك المرحلة الذين عكفوا على دراسة ملامح الازدهار وأسباب السقوط، وراحت أسماء كبيرة تعتزل النقد المسرحى احتجاجاً على الأوضاع المتردية والبكاء على لبن الستينات المسكوب تحت أقدام جنرالات المسرح التجارى الذى نما فى ظل الحراك الاجتماعى أو تغيرالوضع النسبى لطبقات وشرائح المجتمع فى ظل انفتاح اقتصادى وهمى رفع شعار ثقافة تهدف إلى تخدير الشعب وتسريب الوعى الزائف للجمهور، وفى تلك الفترة بدأ لينين الرملى مواليد 1945 كتابة أولى مسرحياته «الكلمة الآن للدفاع» عام 1973 «سبقها محاولات عديدة سوف تكتمل فيما بعد» ودون شك حال المسرح المصرى فى سبعينات القرن الماضى كان له الدورالأكبر فى توجه لينين الرملى فى بداية حياته إلى مسرح القطاع الخاص أو التجارى بعيداً عن المؤسسة التى أحكمت قبضتها على المسرح ومارست كل أنواع القهر على أهله، وظنى أنه لم يؤمن بالحقبة الناصرية التى عاشها فى مطلع شبابه ولا بإنجازاتها السياسية أو الثقافية، وسوف يجسد موقفه من هذه الحقبة فى مسرحية «سعدون المجنون» وابتعد عن معارك المسرحيين حول اكتشاف أشكال مصرية وعربية للمسرح، هذه المعركة التى احتدمت فى ستينات القرن الماضى وأنتجت أشكالاً وأساليب مسرحية جديدة سواء عند توفيق الحكيم أو يوسف إدريس أو محمود دياب، ولم يهتم بالأفكار السائدة وقتذاك والقضايا السياسة الكبرى ولكن دون شك كان اهتمامه بالإنسان لا أكثر ولا أقل، وإن كان سوف يشتبك مع السياسية فى مرحلة متقدمة لكن بصورة غير مباشرة، وبالطبع بأسلوب ساخر، فلم يبحث أو يتبنى كغيره القضايا الكبرى والمقولات السياسية فى المضمون الذى يطرحه كما لم يهتم بقضايا الشكل فى الكتابة، واتجه إلى الكوميديا لتكون السخرية هى سلاحه الرئيسى فى معركة المسرح فى المراحل الأربعة التى مرت بها حياته المسرحية «المسرح التجارى، ستديو 80، مسرح الدولة، فرقة أبونضارة» والتى جاءت مزيجاً ما بين الكوميديا والتراجيديا.

لم تكن بداية لينين الرملى مسرحية خالصة، كانت بداية درامية فى الإذاعة والتليفزيون والمسرح والسينما، بالإضافة إلى كتابة القصة والمقال وإصدار مجلات مع آخرين، فقد كانت ملامح حياته الفنية واضحة منذ البداية، فرغم دراسته الأكاديمية وحصوله على بكالوريس المعهد العالى للفنون المسرحية عام 1970 إلا أنه اتجه إلى القطاع الخاص حيث اختار المتعة والفكر من خلال مضمون اجتماعى إنسانى فى كل أعماله من خلال رؤية نقدية ساخرة للمجتمع طرحها من خلال أشكال متعددة، حيث الكوميديا التى لا تخلو من رؤية فلسفية عميقة لقضايا الإنسان والمجتمع فى أعماله المتأخرة، والفارس والأعمال المقتبسة فى أعماله المبكرة، وبشكل عام ثمة سخرية سوداء فى كل أعماله، ومزج بين الواقعى والفنتازى فى أفكاره التى تطرحها أعماله التى يمكن تقسيمها إلى أربعة مراحل لم تكن فاصلة تماماً بل تداخلت فيما بينها، لكنها تمثل محطات فنية كبرى فى حياته.

لقد أخلص لينين الرملى لفن المسرح وخضع لكل شروط العرض المسرحى وتقريباً لم ينشر سوى نصين قبل العرض، أما النصوص الأخرى فقد نشرت بعد اختبارها وإكتمالها على خشبة المسرح من خلال العرض، لقد كتب حواراً وتخيل شخصيات من أجل خشبة المسرح،من أجل أن تتحرك وتحيا فى هذا الفضاء وفى مواجهة الجمهور، وليس من أجل جماليات اللغة، والأدب المسرحى، ليس من أجل الفكر أو السياسة، أو قضايا الأمة، وإن كان قد تناول كل هذا فى أعماله، ولكن الأولوية كانت لفن المسرح، لإكتشاف المواهب الجديدة من الممثلين، وإنشاء فرقتين الأولى عام 1980، والثانية عام 2000، وفتح شباك تذاكر، ليتغيير من خلال هذه المفردات مفهوم مسرح القطاع، وبدلاً من الكوميديا الرخيصة، يناقش قضايا اللحظة الراهنة وهموم الإنسان وأسئلته الوجودية من خلال الكوميديا فى مزيج مدهش بين الميتافيزيقا والفارس..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق