رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كرامة وحرية النساء هى كرامة وحرية الوطن

عندما تنهض النساء للدفاع عن حقوقهن، تتسع العيون بالدهشة أو الاستنكار، ماذا تريد هؤلاء النساء؟. أقل ما يوصفن به أنهن متمردات على الطبيعة وعلى الفضيلة وعلى التقاليد وعلى الأنوثة، معقدات نفسيا، يكرهن الرجال، يكرهن الحياة ويكرهن أنفسهن أيضا، ويستوردن قضية المرأة من الغرب الكافر الذى احتلنا ومازال يستغلنا. فالمرأة فى بلادنا، ليست لها قضية. وإن كانت لها قضية، فهى ثانوية، غير ملحة، يمكن تأجيلها حتى نقضى على الفقر أو البطالة أو العلاقات الدولية غير المتكافئة، وغيرها من القضايا الوطنية أو القومية. تحت اسم القضية الوطنية، يتم تجاهل القضية النسائية، ويصبح اسمها القضية النسوية. ينطقون نسوية بازدراء بطرف اللسان، كأنما النسوية، كلمة أدنى من النسائية. مع أنه فى اللغة، تعنى كلمة النسوة، أو النسوان هؤلاء الفقيرات الأميات، أو الطبقة الشعبية التى تحظى لديهم بما يشبه التقديس. يوجهون اللوم والتأنيب الى النساء المتعلمات من الطبقة المتوسطة، ويتهمون الحركة النسوية، بإهمال مشكلات الفقيرات العاطلات، وعدم الاهتمام إلا بمشكلات المرأة التافهة مثل الختان أو الطلاق أو تعدد الزوجات، وغيرها من قضايا المرأة الخاصة. ينطقون كلمة الخاصة بازدراء أيضا، وبريبة، وكأنما الوطن ليس نصفه من النساء.

وإذا ما انعقد مؤتمر للمرأة، نراهم يسعون إليه، ويهرولون للتسابق فى إلقاء الكلمات، أو رئاسة إحدى اللجان، ثم يعودون إلى اتهام المشاركات بأنهن غربيات التوجه، استوردن القضية من الخارج، والتى هى فى أصولها ضد الدين، وضد تماسك الوطن، وضد وحدته المتجانسة، لأنها تشعل الصراع بين الرجل والمرأة، وبالتالى تهدد الأسرة الأبوية، التى تشكل عماد الوطن. هذا التناقض أو الازدواجية، والذى يحدث بعمد أو جهل، أصبح المناخ العام الذى نتنفسه كل يوم، أصبح عاديا ومألوفا فلم نعد نراه، نشترك فيه بوعى أو دون وعى، نسعى الى الكسب السريع، ليس فى مجال الاقتصاد فحسب، ولكن فى مجال التعليم والإعلام، والتعددية الحزبية، وغيرها. تسود البراجماتية السطحية التى تؤمن بالمنفعة والربح السريع، والكلمات والشعارات التى يتم استهلاكها مثل الوجبات السريعة الأمريكية السائدة، تتصاعد التجارة بالدين وبحقوق النساء والفقراء، تصبح القوة فوق الحق، وتُضرب حركات التحرير الساعية الى العدل والحرية والحقيقة، ومنها حركات النساء فى جميع أنحاء العالم. بل أولاها حركات النساء، لأنها هى الأضعف، والأضعف، يُضرب أولا، وهو منْ تسيل دماؤه أولا. ليس غريبا إذن، أن تكون المرأة ، أولى الضحايا فى الحرب أو فى السِلم، داخل البيوت المغلقة، أو فى الشوارع. أرخص الدماء هو دماء النساء الفقيرات، أو النسوة. تدفع النسوة من دمهن ثمن العار، لأن الرجل وإن اغتصب المرأة لا يصيبه العار، وإن خان يظل شريفا، ودم الرجل إذا سال له ثأر وفدية، لكن دم المرأة أرخص من التراب، لا فدية له ولا ثأر.

والملاحظ أن الفصل بين قضية المرأة وقضية الوطن، لا يأتى إلا من القوى السياسية المعادية للمرأة، والمعادية للوطن، والتى تحاول عزل النسوة عن الحياة العامة، وتحاول عزل الوطن من نصفه الآخر من النساء، لإضعاف النساء وإضعاف الوطن. منذ عرف التاريخ البشرى النظام الطبقى العبودى، منذ آلاف السنوات، نجحت هذه القوى السياسية والاقتصادية، فى فصل النساء عن حياة المجتمع، وفرضت عليهن دورا خاصا أطلقت عليه الدور النسائى، أو النسوى، المحدود بالأعمال الجسمية والبيولوجية داخل البيت. لم تكف النساء عن النضال ضد هذا النظام، فى العصور القديمة وحتى يومنا هذا. فالحركة النسائية متصلة فى التاريخ، تضرب بجذورها داخل كل بلد. من البديهى أن البشر جميعا من النساء والرجال، يثورون ضد الظلم أينما كان وأينما كانوا. فالثورة ضد الظلم، وحب الحرية والعدالة والكرامة، صفات إنسانية عامة، ليست مقصورة على الرجال دون النساء، أو أهل الغرب دون أهل الشرق. ويؤكد التاريخ أن النسوة فى مصر، وإفريقيا، قد سبقن زميلاتهن فى أوروبا فى النضال النسائى، ليس لأسباب تتعلق باللون أو العِرق أو العنصر، وإنما لأسباب سياسية وثقافية، ترتبط بنشوء الحضارة القديمة فى مصر، وأفريقيا، التى كانت أولى الحضارات الإنسانية، وانعكاس ذلك على ارتفاع وعى النساء. وأصبحت الحركات النسائية متهمة بأنها حركات انفصالية، لا تقبل التعاون مع الرجال. مع أن النساء هن ضحية هذا الفصل التعسفى من قبل الأنظمة السياسية. وقد قامت حركاتهن للقضاء على هذا الفصل، وتعيد النساء الى الحياة الفكرية والثقافية والسياسية العامة.

ونحن نحتفل بيوم المرأة العالمى، يجب أن نعمل على ضخ دماء جديدة، وروح متجددة، فى الحركة النسائية، أكثر وعيا, وأشد إخلاصا. أن الدفاع عن حقوق الشعوب، لا يعنى إغفال حقوق النساء، والتقليل من شأن مشكلاتهن الخاصة الملحة اليومية داخل البيت وخارجه. إن المرأة العاجزة عن الدفاع عن كرامتها وحريتها، لا تستطيع الدفاع عن كرامة الوطن وحريته.


لمزيد من مقالات د. نوال السعداوى

رابط دائم: