رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مع العقل والحرية

من الطبيعى ونحن نتحدث عن تجديد الفكر الدينى أن نتحدث عن الحرية فى الإسلام. لأن تجديد الفكر الدينى لا يتحقق إلا بإعمال العقل والاجتهاد فى فهم الواقع والإجابة على أسئلته من ناحية وإعمال العقل والاجتهاد فى فهم النصوص الدينية وتمثلها والكشف عما تعنيه وتقصد إليه من ناحية أخري.

هذا العمل لا ينهض به رجل واحد أو جماعة دون غيرها، وإنما هو مسئولية كل قادر على النهوض به والمشاركة فيه. وإذن فهو مفتوح للاجتهادات التى لابد أن تتعدد وتختلف وتتحاور وتمتحن صدقها فى هذا الحوار وتجرب نفسها فى الواقع. وهذا لا يتحقق إلا فى مناخ يفكر فيه الإنسان بحرية ويعبر عن رأيه بحرية، ويشعر بأن حريته حق مقدس مضمون مسلم به. ومن هنا نسأل أنفسنا: هل يتيح لنا الإسلام أن نفكر بحرية وأن نعبر بحرية؟

ونحن نعرف أن الدين فطرة، لأنه جواب على أسئلة يقف العقل حائرا أمامها لا يجد الإجابة إلا فى الدين. والإجابات تتعدد صورها بتعدد الحضارات والثقافات وتطورها. ولهذا تتعدد الديانات السماوية والوضعية، لكنها تجيب على أسئلة مشتركة يطرحها الإنسان ويتلقى فيها إجابات يصدقها ويؤمن بها ويطمئن إليها ولا يناقش فيها إلا ما يقبل المناقشة ويحفظ للعقيدة الدينية ما لها عند المؤمنين بها من تقديس وإجلال. وفى هذا يختلف الناس فى تصورهم لما يقبل المناقشة فى الدين وما لابد من التسليم به من الثوابت والأركان التى يقوم عليها بنيانه، كما تختلف الديانات فى موقفها من العقل وفى تعاملها معه باعتباره ملكة تتحقق بها إنسانية الإنسان الذى يحتاج للعقل كما يحتاج للدين.

وهذا ما نجده فى الإسلام الذى احترم العقل احترامه للإنسان واعترف له بمكانه وجعله سندا له ومرجعا يرجع إليه المسلم فى فهم دينه وفى ممارسة حياته، فمن حق المؤمن أن يطمئن لما يهديه إليه عقله ويراه عين الصواب.

والقرآن الكريم حافل بدعوة الناس للتفكير والتعقل والتسليم بحقهم فى المناقشة والجدال والقبول والرفض واختيار الجانب الذى يطمئنون له بحرية كاملة ودون إكراه أو إجبار. والآية الكريمة تقول «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن». وكذلك فى أحاديث الرسول التى يوصينا فيها بأن نطلب العلم وأن نستفتى قلوبنا. والقلب قى الإسلام هو العقل، لكنه العقل الجامع الدافئ المثقف النقى الذى يزن الحق ويتعاطف معه وينصره.

ونحن ننظر فيما قدمه الفقهاء والمتكلمون والفلاسفة والمتصوفة المسلمون فنرى ما يدلنا على أن الحرية كانت من الأسس التى قام عليها التراث الإسلامى القديم الذى كان حوارا بين ثقافات الأمم والجماعات التى دخلت فى الإسلام، وأدخلت فيه ما وجدته صالحا من تراثها. والفرق واضح بين الذين نشأوا فى البلد الذى ظهر فيه الإسلام واعتمدوا فى فقههم على ما تقوله النصوص فحسب، والذين نشأوا فى البلاد المفتوحة ورجعوا فى فهمهم للنصوص على ما يقوله العقل والمنطق. والنتيجة التى نستطيع أن نصل إليها جوابا على السؤال الذى طرحناه فى البداية هى أن الإسلام فى نصوصه الأساسية يتيح لنا أن نفكر بحرية وأن نعبر بحرية، ليس بالقول فحسب، بل بالقول والفعل معا. والدليل على هذا هو هذه المذاهب وهذه الفرق الإسلامية التى لم تكن تستطيع أن تظهر إلا فى مناخ يسمح لها بالظهور.

لقد فتح المسلمون فى مائة عام ما بين الصين وفرنسا من بلاد لكل منها تاريخه ولغته وثقافته وتقاليده وديانته. وقد انفتحت هذه البلاد على الإسلام وانفتح بعضها على بعض فكانت هذه الحضارة الإسلامية التى تعددت أصولها وفروعها ودخلت فيها فلسفة اليونان وحكمة الفرس وتصوف الهند وسوى هذه وتلك من الثقافات التى لم تكن تستطيع أن تتجاور وأن تتحاور وتجتهد وتشارك فى الإجابة على الأسئلة المطروحة عليها إلا بقدر من الحرية يسمح لها بأن تأخذ من الإسلام وتعطيه.

ولقد كان الواقع يطرح السؤال ويترك المجال مفتوحا للإجابة عليه سواء كان هذا السؤال فى الدين أو فى السياسة، وسواء كان الذى تصدى للإجابة عربيا أو غير عربي. البخارى جامع الحديث من أصول فارسية وأجداده مجوس. ومثله الإمام أبو حنيفة، ومثلهما الليث بن سعد فقيه المصريين. ونحن نرى أن مسألة الإمامة وهى مسألة يختلط فيها الدين بالسياسة طرحت على الجميع وشارك فيها الجميع الذين انحاز بعضهم للعلويين وبعضهم للأمويين وبعضهم للعباسيين. ورأينا من قبل أن فقهاء الحجاز اعتمدوا على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التى كانت مصادرها حاضرة متاحة لهم أكثر مما كانت متاحة لفقهاء العراق الذين اعتمدوا على الرأى والعقل. وقد ساعد هؤلاء وهؤلاء وشجعهم على الاجتهاد أن الإسلام لا يعرف السلطة الدينية ولا وجود فيه لرجال الدين الذين يحق لهم وحدهم فى الديانات الأخرى أن يتحدثوا عما يرون أنه الدين الصحيح، وأن يفرضوا ما يرونه على اتباع ديانتهم. والإجابة على السؤال من جديد هى أن الإسلام يتيح لنا بل يطالبنا بأن نفكر بحرية وأن نعبر بحرية. لكن هناك سؤالا آخر لابد أن يطرح وهو: هل كانت هذه الحرية التى نص عليها الإسلام ودعا لها حين دعانا لأن نراجع عقولنا ونستفتى قلوبنا ـ هل كانت هذه الحرية معمولا بها؟

الجواب نعم أحيانا. ولا فى معظم الأحيان. والسبب هو استبداد الحكام وانفرادهم بالسلطة وجمعهم بين الإمامة الدينية والسلطة السياسية، واستخدامهم للدين فى فرض سلطتهم السياسية، واستخدامهم للسلطة السياسية فى التنكيل بالمعارضين. فإذا كانت الحرية قد وجدت لنفسها مكانا فى القرون الثلاثة الهجرية الأولي، فقد فقدت مكانها فى القرون التالية، ليس فقط بسبب الاستبداد السياسي، وإنما أيضا بسبب التعصب المذهبى الذى تورط فيه حتى المعتزلة المدافعون عن العقل، إذ تحالفوا مع الحكام واضطهدوا خصومهم الملتزمين بالنصوص. لكن الحكام وجدوا أنفسهم أقرب لهؤلاء فتحالفوا معهم وانقلبوا على المعتزلة واضطهدوهم واضطهدوا العقل وشجعوا النقل والنتيجة إغلاق باب الاجتهاد الذى نطالب فى هذه الأيام بفتحه لنجدد فكرنا الدينى ونخرجه من عالم العصور الوسطى ونمده بحياة جديدة يعيش بها فى هذه العصور الحديثة ويستجيب لحضارتها ويؤدى فيها رسالته ويقف فيها مع العقل والحرية.


لمزيد من مقالات بقلم ــ أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: