رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الصفقة الأفغانية

بعد قرابة عشرين عاما تقريبا من الحرب الضروس توصلت الولايات المتحدة وطالبان فى 29 فبراير المنصرم إلى اتفاق سلام احتوى على صفقة تقوم على خروج الولايات المتحدة وحلفائها من أفغانستان من ناحية؛ وتتعهد فيها طالبان من ناحية أخرى بعدم التعاون مع التنظيمات الإرهابية من نوعية القاعدة وداعش، وتتعهد أيضا بالتفاوض مع الحكومة الأفغانية الشرعية الحالية للتوصل إلى إطار سياسى يسمح بالتعايش داخل أفغانستان. عرض الصفقة هكذا فيه الكثير من التبسيط، فهناك خطوات لوقف إطلاق النار، وأخرى للانسحاب والثالثة للمفاوضات الأفغانية ــ الأفغانية، والرابعة لمراقبة تنفيذ كل الخطوات السابقة. كل خطوة من هذه لها تعقيداتها الخاصة فضلا عن التعقيدات الخاصة بالحالة الأفغانية ككل. ولكن سوف يبقى أن الانسحاب الأمريكى يمثل تنفيذا لاستحقاق انتخابى قطعه الرئيس ى على نفسه فى أثناء حملته الانتخابية لإنهاء الحروب التى لا نهاية لها, والتى تعنى عمليا الانسحاب الأمريكى من الشرق الأوسط الواسع والممتد من حدود الصين حتى المحيط الأطلنطي. وكما أخذت الولايات المتحدة فى الانسحاب من العراق ومن سوريا والآن أفغانستان فإن الخروج من المنطقة خلق فراغات عدة شجعت القوى الإقليمية والدولية على التدخل، فضلا عن إعطاء نوافذ جديدة للجماعات الراديكالية الإرهابية للعودة مرة أخري. استغرق الوجود الأمريكى فى أفغانستان وقت وجهد ثلاث إدارات متعاقبة، تراوحت جهودها ما بين مواجهة طالبان وجماعات إرهابية بالقوة العسكرية التى أخذت فى التصاعد، أو بمحاولة بناء الدولة الأفغانية الحديثة على النمط الغربي, الأمر الذى كان الحكم عليه من قبل الرئيس ى على أنه كان فى الحالتين فشلا كاملا. .

ولكن المرجح هو أن كلتا الاستراتيجيتين ــ التصعيد العسكرى وبناء الدولة - سوف يكونان موضع الفحص والتقييم خلال السنوات المقبلة على أساس أن الأرض الأفغانية كانت معملا كبيرا للمواجهة بأشكالها المختلفة. وكتب كارل إيكينبرى، فى دورية الشئون الخارجية فى الأول من سبتمبر 2013 حدود مبدأ مكافحة الإرهاب فى أفغانستان، أن من بين الاستراتيجيات المختلفة التى استخدمتها الولايات المتحدة فى أفغانستان على مدى السنوات العشر الماضية، كانت زيادة عدد القوات فى عام 2009 الأكثر طموحا وتكلفة. كانت عقيدة مكافحة الإرهاب فى قلب الأحداث الأفغانية, وكان ذلك نوعا من إعادة اكتشافه من قبل الجيش الأمريكى خلال حرب العراق وأعيد تطبيقه فى أفغانستان. وضعت العقيدة المنقحة ثقة عالية فى عصمة القيادة العسكرية على جميع مستويات الاشتباك (من الجنرالات إلى الجنرالات) ومع السكان الأصليين فى جميع أنحاء منطقة الصراع. استندت خطة زيادة عدد القوات فى أفغانستان إلى ثلاثة افتراضات حاسمة: أن هدف مكافحة الإرهاب المتمثل فى حماية السكان كان واضحا ويمكن بلوغه وسيثبت أنه حاسم، وأن المستويات الأعلى للمساعدات والدعم من الأجانب ستزيد بشكل كبير من قدرة الحكومة الأفغانية وشرعيتها. وأن نهج المكافحة من جانب الولايات المتحدة سيكون متسقا مع النهج السياسى العسكرى الذى يفضله الرئيس الأفغانى حامد كرزاي. لسوء الحظ، كانت جميع الافتراضات الثلاثة غير صحيحة بشكل مذهل، مما أدى بدوره إلى جعل حملة مكافحة التمرد غير متماسكة وصعبة المقاضاة. باختصار، العملية فشلت فى أفغانستان. ويمضى إيكينبرى فى القول كان مبدأ حماية السكان ينفع كإعلان، ولكنه يثير السؤال التالي: حمايته مِن مَن وضد ماذا؟ وهذا يعنى بالتأكيد حماية الشعب الأفغانى من مقاتلى طالبان. ولكن ماذا عن تجار المخدرات الإجراميين، أو قادة الشرطة المحلية الفاسدين، أو المسئولين الحكوميين المفترسين؟ ما الذى ينبغى عمله بشأن القبائل التى تتجه إلى طالبان للمساعدة فى قتال القبائل الأكثر قوة مع رعاة حكومة كابول؟ وماذا عن حالات العنف العرقى المعقدة التى تعود جذورها إلى قرن أو أكثر؟ من المفترض أن الشباب الذين ليس لديهم وظائف قد نضجوا لتجنيد المتمردين، فهل ينبغى توفير الحماية من البطالة؟ كثيرا ما يشار إلى توفير الرعاية الصحية الأساسية كخدمة لا يمكن لطالبان تقديمها، ولجعل الحكومة الأفغانية تبدو أكثر فعالية نسبيا، هل يجب حماية الناس من المرض؟ لم تكن هذه أسئلة افتراضية، بل كانت تحديات حقيقية للغاية واجهتها القوات العسكرية الأمريكية، والموظفون الدبلوماسيون المدنيون، وخبراء التنمية فى أفغانستان يوميا. الأمر فى الصفقة لم يخل من أبعاد داخلية سواء كان على جانب الولايات المتحدة أو على جانب طالبان. الأولى توازت مع المفاوضات والدخول فى مرحلة الاتفاق النهائى عندما بدأت الانتخابات الرئاسية تدخل فى مراحلها الساخنة التى عكف فيها المرشحون الديمقراطيون فى الانتخابات التمهيدية للحزب على توجيه السهام مجتمعة أو متفرقة للرئيس ترامب الذى كانت لديه القدرة الدائمة على مواجهتها بكلمات قصيرة ولاذعة. ولكن الرئيس كان وراءه ـ فضلا عن وعوده الانتخابية ـ أن يقدم فى سياسته الخارجية ما يبطل الانتقادات الموجهة له بعدم الفعالية والتفريط فى القيادة الأمريكية من خلال تسجيل أنه كان الرئيس الذى أعاد الجنود الأمريكيين إلى الوطن، كما أنه كان الرئيس الذى توصل إلى السلام فى منطقة استعصت عليه خلال فترة طويلة. الثانية من ناحيتها أيضا بدأت خلال المفاوضات فى مراحلها الأولى قبل فشلها واستئنافها فى التشكيك فى شرعية الحكومة الأفغانية، مدعية أنها مجرد عرائس تحركها الحكومة الأمريكية. فى الجولة الأخيرة من المفاوضات التى كانت بعيدة تماما عن مفاوضات الطرفين فإن طالبان قبلت بفتح باب التفاوض مع الحكومة الأفغانية القائمة، والتى كانت حتى وقت توقيع الصفقة تعتبر طالبان تنظيما إرهابيا. هل سوف تمضى الخطة أو الصفقة كما هو مقدر لها أمر سوف يستحق المتابعة والمراقبة لخطوات الانسحاب والمفاوضات المقبلة؛ وأكثر من ذلك النظر فى سلوكيات الدول المجاورة حيث بدأت القوى الإقليمية ــ الهند وباكستان وإيران- فى التلمظ على تراث الاحتلال الأمريكى لأفغانستان إما للحصول على النفوذ، وإما دفع منظمات إرهابية بعيدا عنها، أو مناوءة تأثير القوى الأخرى ومنعها من السيطرة فى الجوار الأفغانى.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: