رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دور مصرى نشط وجديد

ترددت فى الآونة الأخيرة مقولات تدعو إلى الحد من الدور الخارجى لمصر والتركيز على البناء الداخلي، و تزامن ذلك مع حديث دوائر داخل قوى إقليمية أخرى عن أن هذه هى لحظتها التاريخية للقيادة. ومع الاحترام لكل وجهات النظر السابقة و تفهم دوافعها، بالرغم من الظروف الدقيقة و عملية إعادة البناء التى تمر بها مصر، فإن ذلك يجب ألا يعنى تخفيض النشاط المصرى فى الساحة الخارجية، أو الحد من الدور الإقليمي، بل تحتاج مصر إلى تنشيط دورها الخارجي، والتحرك فى دوائر جديدة تحقق مصالحها الوطنية وأمنها القومي.

وترجع أهمية تنشيط الدور الخارجى لمصر و البحث عن دوائر جديدة للحركة لعدة أسباب:

أولا: إن مكانة مصر فى العالم وعلى المستوى الإقليمى ارتبطت بدرجة كبيرة بجهدها النشط فى مجال السياسة الخارجية، والمبادرات التى طرحتها، والدور القيادى الذى قامت به، ومن ثم فإن خفض هذا النشاط سوف يضر بصورتها ومكانتها الدولية.

ثانيا: إن هذا الدور الخارجى النشط ترتبت عليه فوائد ملموسة، فكثير من الدول والمنظمات مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى تبرر تعاونها مع مصر فى ضوء الدور الإقليمى الذى تقوم به (عملية السلام - مكافحة الإرهاب..الخ) وبالتالى فإن تخفيض الدور المصرى أو حتى الإيحاء بالانشغال بالقضايا الداخلية قد يعطى الفرصة للقوى المناوئة لمصر فى هذه الدول لتغذية المطالب بتخفيض المساعدات أو التعاون. - خاصة أن هناك تياراً فى عدد من هذه الدول يردد مقولة إن مصر لم يعد لها أهمية إقليمية/ دولية، وبالتالى لاتستحق المعونات، والرد على هذه الادعاءات يكون بتنشيط الدور المصرى وليس تخفيضه.

ثالثا: إن دور مصر الدولى والإقليمى لا يرتبط فقط بما يمكن أن تقوم به، ولكن يرتبط أيضا بالطلب عليه، وفى هذا الإطار هناك طلب وتطلع لدور إقليمى مصرى نشط من العديد من شعوب ودول المنطقة نتيجة لخبراتها الإيجابية مع الدور المصري، وتفضيلها هذا الدور عن أدوار دول إقليمية ودولية أخري. ومن المهم أن يكون هناك عرض مصرى يقابل هذا الطلب، وإلا بحثت هذه الدول عن قيادات إقليمية أخري.

رابعا: إن العالم يشهد تراجعًا للدور القيادى للولايات المتحدة فى مناطق كثيرة من العالم ومنها الشرق الأوسط، وتسعى الولايات المتحدة إلى الاعتماد على قوى إقليمية لملء الفراغ الناتج عن هذا التراجع، وتحقيق الاستقرار فى المناطق التى تنسحب منها، وبالتالى فإن خروج مصر من مشهد القوى الإقليمية الفاعلة سيؤدى إلى قيام قوى أخرى بطرح نفسها لملء الفراغ الامريكي.

خامسا: إن البناء الداخلى وتنشيط الدور الخارجى يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب، ويعزز بعضها البعض. والتنمية الداخلية تحتاج بيئة دولية مستقرة، يمكن المساهمة فى تحقيقها من خلال النشاط الخارجي. والعديد من الموارد الاقتصادية المصرية (مثل السياحة وقناة السويس) ترتبط بالأوضاع الاقليمية والدولية، وبالتالى لا يمكن فصل التنمية الداخلية عن هذه الأوضاع. يضاف لذلك أن تكلفة النشاط الخارجى ليست ضخمة بحيث تؤثر على أولويات خطط التنمية الداخلية، وتنشيط الدور المصرى لا يعنى التورط فى قضايا تستنزف الموارد والقدرات.

سادسا: إن الدور الخارجى النشط لمصر لا يعنى التورط فى تدخلات عسكرية أو المشاركة فى تغيير النظم (مثل تجارب الستينيات)، ولا يعنى وجودًا فى كل المناطق الجغرافية، أو تبنى مواقف تجاه كل قضايا الكون، بل إن معظم دول العالم (بما فيها القوى العظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية)، تتبنى ما يعرف بـ الانخراط الانتقائى والذى يعنى إعطاء الأولوية لعدد من القضايا والمناطق والانخراط فيها بشكل أكبر، وترتبط هذه الانتقائية بالمصالح المباشرة للدولة. كما أن أدوات السياسة الخارجية التى يمكن أن تستخدم فى هذا الانخراط (أدوات دبلوماسية، اقتصادية، عسكرية، قوة ناعمة.. الخ) تختلف من حالة إلى أخري، وفى هذا الإطار فإن المفهوم الحاكم للنشاط الخارجى المصرى فى المرحلة المقبلة يمكن أن يطلق عليه الانخراط الذكى والمقصود به تحديد أولويات التحرك بشكل انتقائى واستنادا إلى المصالح الوطنية المصرية، والواقع الإقليمى والدولي، واستخدام خليط من الأدوات (الخشنة والناعمة) لتحقيق هذه الأهداف ارتباطا بخصوصية كل حالة.

سابعا: إن تحديد أولويات الانخراط الذكى تختلف من فترة لأخري، ومن المنطقى أن تضعف أهمية بعض الدوائر وتبرز دوائر اهتمام جديدة، كما أن الدوائر التقليدية يمكن أن يتم التعامل معها بأفكار وأدوات جديدة. أى أن حركة وأولويات وأدوات السياسة الخارجية ليست ثابتة بل هى فى حالة تغير وتطور بتغير أولويات المصالح، والبحث الدائم عن مزايا ومكاسب فى مناطق وقضايا جديدة.

ثامنا: إن مصر مرت بتحولات كبرى خلال السنوات الأخيرة وتبنت نهجا جديدا فى العديد من القضايا الداخلية وعلى رأسها قضايا الإصلاح الاقتصادي، وربما حان الوقت أيضاً لتبنى رؤية جديدة للسياسة الخارجية وقضايا الأمن القومي.

تاسعا: إن قضايا السياسة الخارجية والدور الذى يمكن أن تلعبه مصر على الساحة الإقليمية والدولية كان دائما محل توافق بين المصريين بالمقارنة بقضايا داخلية قد تكون محل اختلاف، كما أن الدور المصرى النشط كان يحظى بتأييد الرأى العام، بل هناك طلب داخلى لدور مصرى أكثر نشاطا، يضاف لذلك ان الإنجاز فى السياسة الخارجية يكون واضحا وأقل تكلفة، وهى كلها أمور تصب فى مصلحة القيادة السياسية.


لمزيد من مقالات د. محمد كمال

رابط دائم: