رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

راسل والتنوير الساخر

بدأ برتراند راسل إنتاجه الفكرى متخصصاً فى المنطق والرياضيات البحتة وحينما قامت الحرب العالمية الأولى ندد بدخول إنجلترا فى الحرب، وعوقب بالسجن، خرج منه عازماً على أن تتعرض الفلسفة للأمور العامة، ويقول: لولا الحرب لبقيت متخصصاً فى المنطق. كانت السخرية عنصراً يمنح كتابات راسل جاذبية وجماهيرية ولهذا يعد أكثر الفلاسفة الساخرين شعبية بعد فولتير ولهذا أيضا حصل على جائزة نوبل فى الأدب عام 1950. ولكى نعرف مم كان يسخر، علينا أن نحيط علماً بمذهبه الفلسفى وهو الوضعية المنطقية. مذهب يحتفى بالعلم ونتائجه وينفر من القضايا الميتافيزيقية ويعتبرها كلاماً فارغاً، لأن معيار صدق أى حكم نطلقه هو التحقق منه فى الواقع، فأنا حين أقول الخشب يطفو فوق سطح الماء يمكننى أن أخضع هذا الحكم للتحقق، أما حينما أقول الروح خالدة، فلا سبيل للتحقق من ذلك. سخرية راسل إذن وجهها إلى الفلاسفة الميتافيزيقيين وإلى أعداء العلم فى المجتمع.

زعم أرسطو أن للإنسان نفساً خالدة، والسبب فى ذلك ليس اللغة ولا الخيال ولا الانفعال فكلها أمور يشترك فيها مع الحيوانات ولكن السبب هو أن الإنسان يستطيع أن يقوم بإجراء عمليات حسابية مثل الجمع والطرح والضرب والقسمة، ويشير راسل إلى أن الآلات الحاسبة اليوم تقوم بعمليات أكثر تعقيداً وبصورة أسرع من الإنسان ورغم ذلك لا يزعم أحد أن لها نفساً خالدة.

وحينما تعرضت الفلسفة لمشكلة كيف أن هذا العالم من صنع إله خير ورغم ذلك فهو مليء بالشرور، قدم ليبنتز فكرته عن توصيفه لهذا العالم بأنه، رغم ما به من شرور، هو أفضل العوالم الممكنة ويعقب راسل قائلاً : لاشك أن صوفيا ملكة بروسيا كانت سعيدة وهى تعيش فى بلد يسوده البؤس والجوع وتجد عالماً عظيماً وفيلسوفاً كبيراً مثل ليبنتز يقول لها إن هذا هو أفضل العوالم الممكنة. ويقول كانط: هيوم هو الذى أيقظنى من سباتى الدوجماطيقي،بسبب نقد هيوم لموضوعات الميتافيزيقا التقليدية. وعلى أثر ذلك كتب كتابه نقد العقل الخالص الذى يستبعد فيه الموضوعات الميتافيزيقية من مجال عمل العقل. ثم كتب بعد ذلك كتاب نقد العقل العملى الذى يعيد فيه استدعاء هذه الموضوعات الميتافيزيقية ويقبل بها من أجل إقامة حياة أخلاقية بين البشر، ويصور راسل الأمر قائلاً: أيقظ هيوم كانط فأصدر نقد العقل الخالص، وبعد سبع سنوات عاد ونام مرة ثانية ليصدر نقد العقل العملي.

وجه راسل نقداً ساخراً للأحكام الشائعة وميل الجمهور نحو الحسد والغيرة والعنف تجاه الآخرين وهو لا يؤمن بأن هذه هى الطبيعة البشرية، ولكنه يرد ذلك إلى الجهل والغباء. وهو يرى أن البشر يولدون جهلاء والتعليم يحولهم إلى أغبياء، فالبشر يعتبرون هزائمهم فى الحروب عقاباً من الآلهة على خطايا ارتكبوها، هكذا ظن أهل قرطاج بعد هزيمتهم أمام جيوش روما، فمن المفروض أن يقدموا أبناءهم قرابين مذبوحة لإلههم مردوخ ولكنهم كانوا يذبحون أبناء العبيد بدلاً من أبنائهم. وبعد الهزيمة عادوا لذبح أبنائهم ومع ذلك استمرت جيوش روما فى الانتصار. وهذا ما حدث فى إنجلترا عند بداية الحرب العالمية الأولى أثناء تفوق جيش ألمانيا، صرح أحد رجال الدين بأن هذه الهزيمة جاءت عقاباً للإنجليز لأنهم يزرعون البطاطس فى حدائق بيوتهم يوم السبت مخالفين بذلك الوصايا العشر التى تأمر بأن يكون يوم السبت راحة. وفى نهاية الحرب انقلب الحال وانتصر الإنجليز رغم استمرارهم فى زراعة البطاطس يوم السبت، فيبدو أن الآلهة اكتشفت أن الإنجليز يخالفون وصية واحدة فقط، أما الألمان فيخالفون الوصايا العشر كلها! ويتصور الإنسان أن حوادث الطبيعة تدور كلها حول ذاته، إما عقاباً له وإما مكافأة، ويصور راسل هذا الوضع بمجموعة من الأبقار ترعى فى هدوء، ثم يمر القطار بضجيجه فتفزع، من بينها توجد بقرة فيلسوفة ترى أن هذا القطار إما أن يريد بهم خيراً وإما شراً، ومن الصعب إقناعها بأن القطار يسير فى طريقه على القضبان غير مبال بالبقر، فمثل هذا القطار فى نظرها يكون أكثر هولاً وفظاعة.هذا ما حدث حين اخترع بنجامين فرانكلين مانعات الصواعق وكان الناس يعتقدون أن الصاعقة عقاب يرسله الله ليجازى به المجرمين الذين أفلتوا من العدالة الإنسانية. وحينما حدث زلزال فى مدينة بوسطن فسره أحد رجال الدين بأنه جاء بسبب استخدام مانعات الصواعق التى تحول دون تنفيذ إرادة الرب فى معاقبة المجرمين، وبعد ذلك انتشر تركيب مانعات الصواعق وقلت الزلازل. صور أخرى كثيرة يسخر منها راسل فى منتصف القرن العشرين ولاتزال حية بيننا اليوم ويسميها نفايات فكرية باعتبارها بقايا من اعتقادات قديمة عفا عليها الزمان.


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: