رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عوالم مبارك النفسية

حاول البعض بجملة: له ما له وعليه ما عليه، أن يصادر الجدل حول الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وهو موقف عاطفى يظل صحيحا إزاء عموم الناس، احتراما لحرمة الموت ولكنه غير ذلك إزاء حكامهم، فلم يكن مبارك مجرد رجل كبير رحل بل رئيسا حكم دولة كبيرة وتحكم فى مصائر شعبها لعقود ثلاث، وهى حقبة طويلة صبغتها على وجه العموم إستراتيجية دفاع سلبي، لكنها لم تسر على شاكلة واحدة، بل توزعت على مراحل ثلاث أساسية، كان لكل منها ملامح خاصة صاغتها تحولات عميقة فى سيكولوجية الرجل.

المرحلة الأولى كانت إيجابية جدا، تمتد من 1981 حتى 1991م، سادتها سيكولوجية التواضع، فالرجل، بمحض الصدفة، ورث مقعدا خطيرا جلس عليه سلفا بطل تاريخى كعبد الناصر، وزعيم سياسى كالسادات.

كان يشعر أن مصر أكبر من قدراته، وأن عليه أن يسابق الزمن ويبذل قصارى الجهد كى يرتقى إلى مستواها ويتمكن من حفظ سلامتها، ولذا اتسمت شخصيته بالواقعية، والرغبة فى الاستماع إلى الآخرين، ما كان يتبدى فى حواراته مع المفكرين والكتاب، وفى تصريحاته التى وشت بزهد فى الثروة: الكفن بلا جيوب، أكدها بمحاربة فساد السبعينيات، وألمحت إلى عدم رغبة فى الاستبداد الحكم، عبر الاكتفاء بولايتين رئاسيتين.

عبر تلك السيكولوجية استطاع الرجل أن يعبر بمصر حالة الاحتقان المتولدة عن حادث المنصة وانفجار العنف الدينى والفتنة الطائفية.

كما تمكن من إجراء أكثر الانتخابات نزاهة فى تاريخ جمهورية يوليو عامى 1984، و1987م، على أساس القائمة النسبية، لينتج أكثر البرلمانات تمثيلا للمعارضة من حزبى الوفد والعمل المتحالفين مع الإخوان المسلمين.

واقتصاديا تمكن من تجاوز الأزمة الضاغطة بعقد عدة مؤتمرات اقتصادية، وتنفيذ خطتين خمسيتين أنتجتا إصلاحا ماليا أتى ثماره فى العقد التالي. أما خارجيا فتمكن من استعادة علاقات مصر العربية، تجاوزا للمقاطعة التى تلت معاهدة السلام مع إسرائيل.

أما المرحلة الثانية فيمكن وصفها بالعادية وتمتد بين عامى 1991 وحتى 1999م. هيمن على مبارك خلالها سيكولوجية الثقة، التى اكتسبها بفعل المشاركة الفعالة ضمن التحالف الدولى لتحرير الكويت (حرب عاصفة الصحراء) بقوات برية بلغ عددها 35 ألف جندي، ظهرت مصر خلالها كطرف مسئول، يحافظ على الشرعية الإقليمية، ويرفض انتهاك السيادة الوطنية، وهو ما ترتب عليه تحسن صورتها الدولية، وإسقاط جزء كبير من ديونها لنادى باريس، كما بدأ الإعلام الغربى يداعب الرجل ممتدحا حكمته السياسية.

ومن ثم أخذت طبقة من النرجسية تغطى على ملكة التواضع، ومسحة من التعالى تغطى على نزعته الواقعية.

ولأن شخصيته لم تكن تحتوى (جوهريا) على أى كاريزما فقد حاول الرجل اصطناعها عبر طريقين: أولهما هو التوقف عن الإنصات للآخرين ومحاولة التعلم منهم. وثانيهما التخلص من رجال الدولة أصحاب الصيت لدى الجمهور.

فطالما أن كاريزميته الطبيعية محدودة، وطالما أراد أن يكون زعيما فلا يجب أن تعلو قامات أخرى على قامته، ومن ثم كانت المفارقة مع كل تغيير وزارى هى رحيل المجيدين الذين تعلق بهم الناس، وبقاء العاديين، ما أفقد مصر أبرز كفاءاتها السياسية بنهاية تلك المرحلة.

أفضت تلك السيكولوجية إلى فشل مصر سياسيا فى التكيف مع الموجة الثالثة للديمقراطية التى هبت بنهاية الحرب الباردة، بل وشهدت تراجعا واضحا فى نزاهة انتخابات عامى 1990، 1995م، حيث خلا البرلمان تقريبا من تمثيل المعارضة.

كما فشلت فى أن تؤسس على الإصلاح المالي، الذى تم إنجازه فى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، انطلاقة اقتصادية حقيقية، فبدلا من التصنيع الثقيل وزيادة الصناعات التحويلية، والتشغيل الكثيف للعمالة، بدأ قطار الخصخصة رحلة سيره، ومعه بدأ الاتجار الواسع فى الأراضى ووحدات القطاع العام، بما صاحبه من فساد خطير يبدو حتميا طالما أُديرت عملية الخصخصة، التى تنسب نفسها لنظام اقتصادى مفتوح فى ظل نظام سياسى مغلق، ذلك أن فساد النظم الاشتراكية والمغلقة يبقى صغيرا، كونه بيروقراطيا، يقوم به موظفون صغار مقابل عدم تعطيل الحاجات، أما النظم الرأسمالية العريقة فتمارس عملياتها الكبيرة فى سياق مجتمع مفتوح لديه من وسائل الرقابة البرلمانية والصحفية بل والمجالس المحلية ما يكفى للحد من الفساد.

أما الأخطر من أشكال الفساد فيكمن فى تلك اللحظات التحولية، عندما تمارس عمليات تُنسب إلى الاقتصاد المفتوح فى مجتمع سياسى مغلق، تسيطر على مراكز قوى ثابتة، فلا يبقى الأمر مجرد جنيهات معدودة يطلبها الموظف الصغير من مواطن حتى لا يفوت عليه بكرة بل يصبح مليارات الجنيهات يتحكم فيها موظف كبير قادر على إصدار قرارات بيع مؤسسات وتخصيص أراض دون رقابة حقيقية.

أما المرحلة الثالثة (1999 و2011م) فسلبية بامتياز، هيمن على مبارك خلالها سيكولوجية الغرور، فقد حكم الرجل عقدين كاملين، تراجعت خلالهما صورة حكام يوليو السابقين، ولم يعد فى خلفيته الذهنية سوى صورة حكمه هو، التى زينها له من حوله بتزكية جوانبها المضيئة وإخفاء سلبياتها.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك عاملى السن والمرض، اللذين قللا من قدرته على الإدراك والحركة، يمكن فهم لماذا انفصل الرجل تدريجيا عن الجماهير، ولماذا ترك كثيرا من الخيوط للابن العائد من لندن، أمينا للجنة السياسات بالحزب الحاكم، ولماذا تراجعت مكانة مصر.

لقد عاشت مصر إذن على وقع تحولات عوالم الرجل النفسية، فبعد مرحلة أولى شعر فيها أن مصر كبيرة بما يفرض عليه بذل جهد فائق للارتقاء إلى مستواها، ومرحلة ثانية شعر خلالها بأنه، وقد صار ندا لأسلافه من حكام يوليو، قد ارتقى إلى مستواها، دخل فى مرحلة ثالثة شعر فيها بأنه القائد الضرورى لها، الذى لا يستطيع سواه أن يحكمها، وأن ابنه هو الحل الوحيد لملء الفراغ الذى يمكن أن يخلفه، ولو على حساب القيم الجمهورية.

وهنا كانت كارثته، التى صنعتها تحولاته: من التواضع إلى الثقة، وأخيرا التعالى الواضح فى كلمته الشهيرة للمعارضة السياسية (خليهم يتسلوا) والتى دخلت إلى عالم الأدب السياسي.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: