رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كورونا.. وتداعيات يجب الاستعداد لها

فى خضم التركيز المطلوب على النواحى الطبية، نُهمل تداعيات أخرى مهمة فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى يجب الاستعداد لها. مثلا ما مدى تأثير كورونا على ثلاثة مصادر رئيسية للدخل فى مصر: السياحة وقناة السويس، وتحويلات المصريين فى الخارج؟

يربو عدد المصابين بوباء كورونا حاليا قليلا على 100 ألف، بينما عدد المتوفين نحو 3100، أى 3% من المصابين، معظمهم من المسنين وضعيفى المناعة بين الأطفال والنساء الحوامل خاصة فى المناطق الفقيرة. بالمقارنة فى سنة 1918 قتلت الإنفلونزا الإسبانية نحو خمسين مليون نسمة. أى أننا فى خلال قرن تقدمنا كثيرا فى مقاومة الأوبئة. ففى كل شهر يأتى إلى منظمة الصحة العالمية فى جنيف نحو 500 إنذار مبكر عن ظهور وباء عالمي، وتقوم المنظمة باستقصاء 300 الأكثر احتمالا ثم متابعة 30 فقط, الاستخلاص الرئيسى هو أننا أصبحنا على المستوى الطبى أكثر تأهلا لمواجهة الأوبئة والسيطرة عليها. هل حدث مثل هذا التقدم على المستوى الاقتصادى والاجتماعي؟

النظرة السريعة على الإعلام العالمى تؤكد أن هذا لم يحدث، على الرغم من أهمية هذه التداعيات وبالتالى ضرورة الاستعداد لها، خاصة مع زيادة الاعتماد المتبادل فى القرية العالمية، فمثلا يقول البنك الدولى إننا نفقد سنويا فى المتوسط بسبب الأوبئة بما فيها الإنفلونزا نحو 570 بليون دولار أو أقل من 1% من الدخل العالمي. وبما أن كورونا ظهرت أولا فى الصين، القوة الاقتصادية الثانية فى العالم التى هى عملاق فى التجارة والتصنيع العالميين، فإن التأثير الاقتصادى الاجتماعى سيكون كبيرا ليس فقط على مستوى الإنتاج والاستهلاك، ولكن على قطاعات محددة مثل التجارة والسياحة. فمثلاً أغلقت مطاعم ماكدونالدز وكذلك قهاوى ستاربكس STARBUCKS نحو نصف فروعها فى الصين كما أجبروا العاملين على أخذ إجازة أو حتى الاستغناء عنهم، وبالتالى فقدان الدخل مع هذه البطالة.

تقول الإحصائيات أيضا إنه بسبب زيادة التشابك الاقتصادى العالمي، سيمتد التأثير الاقتصادى الاجتماعى إلى نحو خمسة ملايين شركة، من شركات السيارات مثل نيسان وهيونداى إلى شركات الأدوية. فمثلا قامت شركة نايكى Nike للملابس والأحذية بإغلاق نصف محالها فى الصين وخفضت ساعات العمل فى النصف الآخر. كما قامت شركات اتصال بإجراءات مماثلة، مثل شركة كوالكوم Quolcomm التى يأتى نحو 47% من عائدها من الصين. مصانع تُغلق إذن فى الصين، ثم فقدان للدخل الذى ينتقل إلى أجزاء أخرى فى العالم مثلا بسبب انخفاض أعداد السياح الصينيين تصل خسائر اليابان إلى 1.3 بليون دولار، وتايلاند 1.2 بليون دولار أما بنك كوريا الجنوبية فيقول إن دخل السياحة قد انخفض فى بداية 2020 بنحو 41% ويترتب على نقصان تنقل السياح تأثير مباشر على شركات الطيران، قامت الشركة الوطنية ـ الصين للطيران ـ بتخفيض رحلاتها للولايات المتحدة من أكثر من 100 أسبوعيا إلى 7 فقط، أى بنحو 93% كما قامت شركات طيران أمريكية مثل يونانيتد ودلتا بنفس الإجراء. وتقول التقديرات إن حجم خسائر شركة الطيران عالميا قد يتعدى 65 مليار دولار، بما فيها شركات منطقتنا التى ستزيد على 103 مليارات. تأثير انخفاض النمو فى هذا العملاق الاقتصادى العالمى من 6% إلى 4.5% يؤدى أيضا إلى انخفاض النمو العالمي، فمثلا الصين هى أكبر مستورد عالمى للبترول، وبالتالى ستتأثر بعض اقتصادات الخليج. هل ستضطر بعض هذه الدول إلى الاستغناء عن بعض العمالة المهاجرة، عربية أو مصرية؟ ما حجم معاناة مطار القاهرة أو دبى العالمى من انخفاض عدد السياح الصينيين؟ وهل سيؤثر انخفاض مستوى التجارة العالمى على عدد السفن والناقلات فى قناة السويس، وبالتالى مستوى الدخل فى هذا المرفأ المهم؟

فى مرحلة العولمة وزيادة ترابط القرية العالمية، تنتشر التأثيرات الداخلية ـ حتى ولم تكن الصين القوة الاقتصادية الثانية فى العالم ـ بقية أنحاء المعمورة بما فيها مصر وبقية المنطقة العربية. وتقول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية العالمية ـ وهى أكبر تجمع اقتصادى للدول الصناعية ـ إن أزمة وباء كورونا هى فى تداعياتها الاقتصادية، قد تكون أكبر أزمة اقتصادية منذ سنة 2008 عندما تهاوى العديد من البنوك وأجبرت الحكومة الأمريكية وغيرها من الحكومات فى الدول الصناعية الكبرى على التدخل لإنقاذ النظام المالى العالمي.

لقد حقق العالم تقدما كبيرا من الناحية الطبية فى مواجهة الأوبئة، ولكنه لم يحدث تقدما مماثلا على المستوى الاقتصادى والاجتماعي. العكس هو الصحيح. بل إن تهميش هذه التداعيات الاقتصادية ـ الاجتماعية فى الإعلام العالمى يثير القلق، لأنه يقلل من الاستعداد لمواجهة هذه التداعيات فى المستقبل ، من انخفاض فى النمو، إلى حدوث البطالة وبالتالى تدنى الدخل، مما سيكون له تأثير متزايد على الحياة اليومية للجميع ـ تماما مثل تناثر كرة الثلج الطائرة. وبما أنه طبقا لآخر الإحصائيات تكون وتيرة انتشار عدوى كورونا هى حاليا على المستوى العالمى تسع مرات سرعة ما حدث فى الصين، يجب على الجميع التذكرة بالتداعيات الاقتصادية ـ الاجتماعية والاستعداد لها بالنسبة للناحية الطبية كما فى التداعيات الاقتصادية ـ الاجتماعية لا تزال الوقاية خير من العلاج.


لمزيد من مقالات د.بهجت قرنى

رابط دائم: