رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صراع المعرفة وحرب المعلومات

تتشابه وظيفة الدبلوماسى مع مهمة الجاسوس مع الفارق الضخم بين جوهر كل منهما! فالدبلوماسى وطنى يعمل لحساب دولته ويتعامل مع الجميع فى علانية ووضوح، وهو أيضًا مؤهل بدرجة كافية تسمح له بانتقاء المعلومة والتقاط الخبر والتعبير عن الرأي؛ أما الجاسوس فهو ذلك الذى يعمل فى الخفاء ويسعى لكسر شفرة الدولة، ويحاول أن يعبث بها ويمارس نشاطه فيها بغية إضعافها أو تعزيز مكانة الطرف الذى أوفده فى مهمته وجنده للعمل لحسابه، ولذلك اعتمدت الدول المختلفة على إجادة دبلوماسييها لغة الدولة المبعوثين فيها، وأتذكر أن (معهد شملان) فى لبنان كان مدرسة لتعليم اللغة العربية للدبلوماسيين الأجانب، وكان البعض يطلق عليه تندرًا (مدرسة الجواسيس) ثم انتقل الأمر بعد ذلك إلى بعض الجامعات التى تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها وذلك فى عدة دول وليست مركزة فى مكان واحد، وأتذكر أن سفيرًا لدولة أجنبية فى القاهرة كان صديقًا لى وكنت أداعبه دائمًا قائلًا: إنك خريج لمدرسة الجواسيس، وكان يضحك من أعماقه ويقول لي: نتجسس على ماذا؟! إن بلادكم مكشوفة وأسراركم معروفة والعلم الحديث لم يعد يحتاج إلى جواسيس بشر، فالجاسوسية الإلكترونية أصبحت هى البديل الأقوى والأسرع فى كل الحالات، وأنا أتذكر اليوم محاولة لتجنيدى وأنا دبلوماسى صغير أملك مفاتيح الشفرة فى السفارة المصرية فى لندن فى مطلع سبعينيات القرن الماضي، وقد كنت أسكن فى منطقة (سان جونز وود) بجوار كنيس يهودى قديم تاركًا سيارتى دائمًا فى مكان آمن يفصل بين العمارة التى أسكنها والمعبد اليهودي، وفى إحدى الليالى الممطرة كنت أجلس أنا وزوجتى نتابع فيلمًا تليفزيونيًا فإذا بنا نسمع صوت دوى لارتطام سيارة بأخرى، فنظرت من النافذة عبر الأمطار المتساقطة لأرى سيارة قريبة من سيارتى وبجوارها شخص فقلت لزوجتي: إن سيارتى فى الغالب قد تعرضت لحادث ولكن النزول فى هذا الجو أمر مستحيل، ورددت كلمة: (إن الصباح رباح)، وعندما اقتربت من سيارتى فى طريقى إلى العمل فى ذلك الصباح البارد والممطر وجدت أن الفانوس الأيسر للسيارة قد تحطم، ولكننى فوجئت بممسحة الزجاج وقد تثبت فيها مظروف بلاستيك به رسالة ففضضتها لأجد مكتوبًا فيها (بسبب الأمطار اصطدمت سيارتى بسيارتكم ومستعد لدفع تكاليف الخسائر) موقعًا عليها من صاحبها ورقم تليفون العمل والمنزل، فأخذت الورقة واتجهت إلى السفارة المصرية حيث كنت أعمل، واتصلت بالرقم فرد على صاحبه فورًا وقال إنه يأسف لما حدث وأنه مستعد لإصلاح الخطأ غير المقصود، وبالفعل قدرت له التكاليف فأرسل لى شيكًا بالمبلغ بلا تردد؛ ثم أرسل لى باقة ورد فى اليوم التالى دون مناسبة ودعانى إلى الغداء معه فى مطعم قريب من السفارة ،وبدأ الشك يساورنى ويذهب بى فى جميع الاتجاهات ثم اختفى أسبوعًا ودعانى للقاء آخر فى ذات المكان على العشاء، وكنت قد أخذت حذرى وأخبرت المسئول الكبير فى الجهاز الأمنى بالسفارة عما جرى، فاقترح على أن أدعوه أنا إلى غداء نكون فيه نحن الثلاثة حيث تحدثنا كثيرًا وبدأ الضيف الإنجليزى يتطرق إلى الأوضاع فى الشرق الأوسط والظروف الاقتصادية فى مصر ويقول لى هامسًا: لماذا لا تعد لنا دراسة عما يمكن أن تقدمه بعض الشركات الغربية للاقتصاد المصري؟ وبانتهاء العشاء تحدثت أنا ومسئول الجهاز الأمنى الكبير الذى قال لي: إن هذه محاولة تجنيد من النوع النمطى المعروف وهى واضحة تمامًا، وكنت مقتنعًا بصحة ما قاله من البداية فبدأت أتوقف عن الرد على الشخص الإنجليزى وقطعت صلتى به تمامًا رغم المكالمات المتكررة، والتى بدأت تقل مع الوقت حتى اختفت تمامًا، ومنذ ذلك الحين شعرت بأن الدبلوماسيين مستهدفون بمحاولات التجنيد ولو بخلق الصدفة، وأن الخيط رفيع جدًا بين الدبلوماسية والتجسس، ولقد لاحظت أنه من الممكن زرع شخصية معينة فى مكان بذاته ليكون مركزًا لجمع المعلومات - وربما لمصلحة أكثر من جهة- وإن كنت أظن أننا فى هذا العصر نشهد تغييرات كبيرة فى العمليات المتصلة بالأمن القومى وحمايته، ولحسن حظنا فى مصر أن لدينا أجهزة أمنية مشهودا لها بالكفاءة العالية والصيت الذائع والتفوق المعروف فى حماية أمن البلاد ومصالحها العليا واكتشاف بؤر التجسس بكل أنواعه، سواء أكان سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا، كما أن تكنولوجيا المعلومات قد قللت إلى حد كبير من أهمية الجاسوس الفرد على اعتبار أن عمليات التنصت لم تعد تحتاج إلى الوجود المباشر ولم يعد نقل المعلومات محتاجًا إلى حبر سرى وشفرة خاصة، بل أصبح الأمر معتمدًا على أجهزة التقاط حديثة عن بعد قد يصعب اكتشافها أو الوصول إليها، ويكفى أن نتذكر الطريقة التى قتل بها الضابط الإيرانى سليماني, منذ فترة وجيزة, على أرض مطار بغداد، بينما العملية برمتها تدار من حجرة مجهزة فى مقر سرى بالعاصمة الأمريكية، فالأساليب التقليدية قد بدأت تختفى وتحل محلها أساليب جديدة، وأنا أتذكر الآن أن (لورانس العرب) الذى جرى زرعه إلى جانب الشريف حسين وأولاده فى مطلع القرن الماضى ومع نهايات الحرب العالمية الأولى كان تجسيدًا لنظرية الاقتراب المباشر للحصول على المعلومات وتغيير السياسات، ولم يعد الأمر كذلك الآن بل إن جمال الدين الأفغانى بتاريخه العريض وقامته السامقة فى التاريخ الإسلامى الحديث لم يبرأ هو الآخر من اتهامات مماثلة، فلقد أكد الدكتور لويس عوض أكثر من مرة اقتناعه بأن الأفغانى كان إيرانيًا ينقل المعلومات للجانب البريطاني، بل لقد قيل أيضًا، إن إدوارد الثامن الذى تخلى عن العرش من أجل محبوبته الأمريكية المطلقة كان هو الآخر عميلًا للنازى ومتعاطفًا مع هتلر وسياساته، كما تردد أن الأمير عبد الإله الذى كان وصيًا على عرش العراق قد تواصل سرًا مع أجهزة الرئيس عبد الناصر! وقد تكون هذه كلها شائعات، ولكن الأمر الذى لا جدال فيه هو أن ندرك أن حرب المعلومات هى الحرب الأشد فى عصرنا ،وتتميز قوة الدولة بما لديها من معرفة ومعلومات عن غيرها، ولذلك فإن صراع المعرفة وحرب المعلومات حقيقة قائمة!


لمزيد من مقالات ◀ د. مصطفى الفقى

رابط دائم: