رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أفكار لن تسر التائهين

شعندما تشتد الأزمات، يكون أمام المرء طريقان: فإما الانهيار التام والاستسلام للموجات المصائبية المتتابعة, وإما البحث عن حلول قدر المستطاع للخروج من هذا المأزق أو ذاك. ورغم أن معظم الناس لأسباب لا يعلمها إلا الله، غالبا ماتجنح إلى البحث عن حلول، فمنهم من ينجو، ومنهم من ييأس، ربما قبل آخر محاولة حقيقية للنجاح، فيتردى!! غير أن الحقيقة المؤلمة هى أن واحدة من كبرى مشكلات هذا البلد، و نحن حل بهذا البلد، هى معضلة الخروج بحلول فعلية غير تقليدية ناجعة، وصحيح أننا لم نتوقف يوما عن محاولة إيجاد الحلول، وإنما المشكلة دائما تكمن فى كوننا نبحث عنها إما فى الطريق الخاطئ تماما، فإذا بالمشكلات تتفاقم، وأما أننا نبحث عنها فى الدفاتر القديمة البالية التى لا تسفر فى الغالب عن أى حل؛ ذلك لأنها متشابهة تماما مع ما قبلها، ومن ثمارها الحلول الباهتة!!

ولقد كان أن كتبت لى الأقدار منذ نحو عام أن أمكث لمدة شهرين متتاليين للدراسة فى مدينة أراها فاتنة مزدهرة دائما أبدا ــ مدينة دبي, وذلك بغية الحصول على دبلومة متخصصة فيما لسنا بصدد الخوض فى ماهيته. ورغم أن وسائل المواصلات هناك متعددة ومتنوعة، إلا ان اختيارى قد وقع على المترو كوسيلة مناسبة الثمن للتنقل. وبغض النظر عن بهاء هذا المترو وأناقة محطاته ومستوى الخدمات فيه وما إلى ذلك، إلا أن شيئا بعينه قد لفت انتباهى على نحو غريب طوال مدة إقامتى بالإمارات العربية: ألا وهو أسماء محطات المترو, كأن تجد محطة هناك باسم (داماك العقارية)، أو (مدينة دبى للإنترنت)، أو (بنك أبوظبى التجاري)، أو (شركة الخليج للاستثمارات العامة GGICO)، أو (مركز التجارة العالمي) أو (مول الإمارات)... وهكذا.

استوقفتنى هذه الأسماء كثيرا لغرابتها؛ فهى لا تحمل على هذا النحو رائحة معالم تاريخية أو أسماء مناطق أو أحياء أو مشاهير فى أى مجال، بقدر ما تحمل أسماء لمشروعات تجارية بحتة يبدو أنها متغيرة. فلما سألت عن السبب من وراء ذلك، عرفت الفكرة (العبقرية) من وراء هذه المسميات؛ فقد تفتق الذهن الإماراتى (كالعادة) عن السماح بتأجير أسماء المحطات كنوع من الدعاية المباشرة لهذه المشروعات. ولك أن تتخيل معى حجم الدعاية التى تحظى بها هذه الكيانات الاقتصادية العملاقة على هذا النحو سواء من خلال وضع اللافتة أعلى مدخل المحطة، أو من خلال ترديد الاسم عبر الإذاعة الداخلية للعربات فى كل حركة للمترو على هذا الخط أو ذاك بالقياس لعدد مستخدميه طوال اليوم, ثم لك أن تتخيل حجم المكاسب التى يمكن أن تعود على الدولة الإماراتية بصفتها المالكة (الوحيدة) لهذه الوسيلة فى دبى من جراء تلكم الفكرة. عدت إلى القاهرة، ولأننى لست من مستخدمى مترو الأنفاق للأسف، رحت أقرأ أسماء المحطات على مختلف الخطوط الحالية: كحلوان مثلا ، أو وادى حوف، أو دار السلام، أو مار جرجس، أو الملك الصالح، أو السيدة زينب، أو ساقية مكي، أو السادات، أو الخلفاوي، أو كلية الزراعة، أو العباسية، أو إمبابة... وهكذا. نحن نتكلم عن نحو 87 محطة مترو منتشرة فى ربوع المدينة العملاقة، تحمل أسماء تعريفية (شديدة المباشرة) والسطحية (تسر التائهين فقط)، وليس أحد سوى التائهين فى الأرض أو قل (تحت الأرض)، أما عن الخروج بفكرة من شأنها أن تحول هذا الزخم من المحطات إلى مصدر دخل ثابت لمصلحة القطاع نفسه، وبما يدر خيرا وفيرا على الجميع، فتلك أفكار ليس لها بيننا مكان .

..أغمض عينيك وتخيل معى 87 محطة ضرب 100 الف جنيه شهريا للمحطة الواحدة (مثلا وعلى أسوأ تقدير) ضرب 12 شهرا.. نحن إذن نتكلم عن 104 ملايين و 400 ألف جنيه (سنويا) لمصلحة هذا القطاع الحيوى يتم جلبها (من لا شيء) تقريبا. ولا أعتقد أن هذا المبلغ يستعصى على شركات عملاقة تعبث فى السوق المصرية ليلًا و نهارًا, إذ قد تفوق الميزانية الإعلانية للوحدة من هذه الكيانات هذا الرقم (مليون و 200 ألفً سنويًا ) ربما خلال شهر رمضان المعظم بمفرده, بل منها ما تفوق مخصصات بند لافتات الشوارع فقط فى ميزانيته الإعلانية هذا الرقم بمراحل دون إحداث التأثير الإعلانى المطلوب مقارنة بتأجير اسم محطة مترو واحدة يتردد عليها ملايين المواطنين من كل صوب وحدب!!

نحن نتكلم إذن عن تعظيم موارد الدولة لمصلحة الخدمات المقدمة لغير القادرين من مواطنيها دون إغفال مصلحة القادرين أيضًا . ثم أشيح بوجهى بعيدًا عن محطات المترو فأنطلق فى رحاب آفاق أكثر اتساعا و رحابة ما دام المبدأ واحدًا ، فأسأل نفسى سؤالا آخر مهما وأسألك: ما هى الجدوى الاقتصادية مثلا من وراء أسماء جميع الشوارع بطول مصر وعرضها، اللهم إلا من مجاملات تاريخية أو سياسية أو وطنية عصماء ، لا ننكر أهميتها فى شيء، ولكنها تظل بحاجة إلى تناول آخر من شأنه أن يستفيد منه كل الناس؟

.. وفى ذلك لك أن تتخيل عدد شوارع المحروسة, ثم عدد من هم ذو مكانة مالية و(يحلمون) بأن يحمل أحد الشوارع اسمهم تخليدا لذكراهم (العطرة), ثم حجم الأموال التى يمكن للمحليات حصدها من جراء تفعيل هذه الفكرة: السماح بإطلاق أسماء من يرغبون على الشوارع والميادين نظير مبلغ سنوى من المال، وبشروط وضوابط قاسية محكمة لا تحتمل لبسا، وليس بينها مكان للمتنطعين أو ذوى التاريخ الملوث، ومع الاحتفاظ (ببعض أسماء) ذات معنى وطنى حقيقى يستحيل تجاهلها.

وأخيرا.. ليس من المعقول أن تظل جل أسماء معالمنا بطول البلاد وعرضها مرتبطة بشخصيات التاريخ والأحياء العتيقة والحنين للماضى السحيق دائما أبدا، ويكأنها قد كتبت علينا كما كتبت على الذين من قبلنا، ما دام هناك مخرج يصب صبا فى مصلحة الناس (كل الناس).. فهل من مستجيب، ونحن الذين نتشدق يوميًا بضرورة البحث عن أفكار من خارج الصندوق؟


لمزيد من مقالات أشرف عبد المنعم

رابط دائم: