رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تعددية الصواب

يرى الخطاب الديني التقليدي أن الرأي الصواب واحد، وأن الآراء الأخرى المختلفة عنه خاطئة. ويُرتب على ذلك أن التفسير المقدم للقران أو السنة النبوية يجب أن يكون ذا معنى واحد صحيح فقط، بينما سائر المعاني خاطئة. ويمكنك أن تجد أمثلة كثيرة على ذلك عند الطبري في تفسيره «جامع البيان في تأويل القرآن»، والقرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن»، والرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب»، وغيرهم من المفسرين؛ وأيضا تجد أمثلة على ذلك عند شراح السنة النبوية مثل ابن حجر العسقلاني في كتابه «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، والنووي في كتابه «المنهاج في شرح صحيح مسلم». وأخشى أن يُفهم من كلامي أن هذا حكم شامل على هؤلاء المفسرين والشراح، وهنا أقول إنني أتكلم في نقطة محددة، ولا أصدر أحكاما عامة على هؤلاء العلماء الذين لأعمالهم ميزات وبها سلبيات شأن أي عمل بشري، ولا يصح إنكار جهودهم العلمية كلية ولا يصح قبولها كلية. والنقطة التي أتحدث فيها هي: هل الصواب في المتعدد الدلالة واحد أم متعدد؟ وهنا نختلف عنهم في موقفهم القائل بالصواب الواحد. إن الخطاب الديني الجديد يرى تعددية الصواب؛ لكن هذه التعددية ليست مفتوحة بشكل فوضوي، بل تحكمها ضوابط عديدة، من أهمها:أن تكون المعاني يحتملها النص طبقًا لقواعد اللغة ومعاجمها، وتلاؤم المعاني مع السياق، وأن تكون المعاني في إطار عدم التعارض مع نصوص أخرى في الكتاب الكريم، وفي إطار السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي في تحديد المعنى، إلى آخر الضوابط التي سوف نخصص لها حديثا منفصلا. لا يوجد معنى واحد صائب بإطلاق، بل معاني متعددة، لكنها ليست فوضى للمعاني دون ضوابط علمية. وهنا نتوقف قليلا لإعطاء الدليل على هذا الموقف المعرفي من الرسول (صلى الله علية وسلم) نفسه، فماذا نجد؟ تقبل النبي نفسه بشكل واضح وصريح في الحديث الصحيح، تفسير أوامره بطريقتين، وعدّ الطريقتين المختلفتين في تفسير أوامره صحيحة! ومن أشهر أمثلة نصوص السنة دلالة على هذا وأكثرها وضوحا، ما رواه البخاري ( 904) ومسلم (1770)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَادَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله علية وسلم) يَوْمَ انْصَرَفَ عَنْ الْأَحْزَابِ :(أَنْ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.
فقد بعث الرسول (صلى الله علية وسلم) كتيبة إلي بني قريظة، أمرهم بألا يصلي أحد العصر إلا عندما يصل إلي بني قريظة، وقبل آذان المغرب بقليل، رأى بعض الصحابة أنهم لم يصلوا بعد، والعصر سوف يضيع وقته، وكان من رأيهم أنهم لابد أن يصلوا قبل الوصول إلى المكان المنشود حتى لا يضيع وقت صلاة العصر. أما البعض الآخر فرأيهم ألا يصلوا حتى يصلوا إلي بني قريظة. فبعض الصحابة صلوا قبل الوصول؛ لأنهم فهموا أن المقصد من كلام الرسول (صلى الله علية وسلم) هي فكرة الحث على الإسراع في الوصول. والآخرون أخذوا كلام الرسول (صلى الله علية وسلم) بالمعني الحرفي ووصلوا بني قريظة بعد آذان المغرب وصلوا بها العصر، ثم صلوا المغرب. وعندما عادوا للرسول (صلى الله علية وسلم) حكوا له الموقف، فأقر الرسول الاثنين وعدّهما على صواب. والدرس الأول هنا هو إقرار الرسول(صلى الله علية وسلم) لتعددية المعني وتعددية الصواب في الوقت نفسه. وهذا يمكن تعميمه طبقا لضوابط علمية في موقفنا المعرفي كله من المتغيرات التي تتجاوز 90% من الدين، وأيضا في طرق إنزال الثوابت على الواقع. وهو الأمر الذي سوف تتغير معه طريقتنا في التفكير القائمة على الصواب المطلق للمعنى الواحد، وَمِنْ ثَمَّ التعصب المطلق ورفض الآخر ورأيه، وَمِنْ ثَمَّ الدخول في مشاحنات ومعارك تؤدي إلى الفرقة والتفرق والتكفير. وَمِنْ ثَمَّ الحالة التي نحن عليها منذ فتنة عثمان والتي لم تنته حتى الآن في بنية التفكير وفي معارك التطرف والإرهاب! فلا يزال ملاك مفاتيح الحقيقة المطلقة يصرون على واحدية الصواب وجمود المعنى من الأزل إلى الأبد! والدرس الثاني الذي يمكن أن نخرج به من الاختلاف على تفسير أوامر النبي (صلى الله علية وسلم) في حادثة بني قريظة، أن الفريقين المختلفين من الصحابة لم يدخلوا في معركة جانبية للتشاحن حول معرفة مَنْ على صواب ومَنْ على باطل، بل واصل الجميع تحقيق الهدف الرئيسي، وتركوا الخلاف جانبا. وهذا ضد التعصب وضد التطرف، وهو علامة على الحصانة العقلية ضد التورط في معارك جانبية. والدرس الثالث أن الدين به ثوابت، وبه متغيرات أو اختيارات متعددة أحيانا ومفتوحة أحيانا أخرى، والثابت أن الصلاة ركن من أركان الدين لا مجال للخوض في ركنيتها ولا في الثوابت في عددها أو في طريقتها، لكن بها ولها أمور متغيرة من المحتمل فهمها بمعان متعددة، والاختيارات مفتوحة بقدر هذا التعدد طالما وردت في السنة الصحيحة الثابتة، ويمكن التعامل معها على أنها كلها صواب، ويمكن أن نضرب أمثلة أخرى من الصلاة، فطريقة وضع اليد أثناء الوقوف، اختلفت الآراء فيها، وكل منها يستند إلى حديث من أحاديث النبي أو الصحابة بدرجات مختلفة من الثبوت، فالإمام مالك كان يرسلهما ولا يضع إحداهما على الأخرى، وهي الأشهر، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبو إسحاق المروزي: يجعلهما تحت سرته. وقال النووي في شرح مسلم: «يجعلهما تحت صدره فوق سرته، هذا مذهبنا المشهور، وبه قال الجمهور. ويدخل الخطاب الديني السائد في الأغلب الأعم في نزاع حول أي وضع هو الصحيح، وقد يصل هذا النزاع أحيانا إلى تصنيف كل فريق للآخر تصنيفا سلبيا! ولا أبالغ في ذلك، فقد حدثت صراعات بين أطراف عديدة في بعض المساجد (بعض وليس كل) حول هذا الموضوع وغيره من الفروع التي جاءت فيها روايات متعددة بدرجات مختلفة من الثبوت عن النبي (صلى الله علية وسلم) حول هذا الموضوع وبعض الهيئات الأخرى في الصلاة، مثل جلسة الاستراحة، وتحريك السبابة أثناء التشهد، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم سرا أم جهرا، إلخ.
وفي الواقع أنها كلها هيئات كان يفعلها الرسول (صلى الله علية وسلم) وهي لا تدخل في بنود الأركان أو الفروض أو الواجبات، لكن أهل الأفق الضيق يدخلون كل المعارك الزائفة ولا يميزون بين الثوابت والمتغيرات، ويرفضون سنة النبي في الاختيارات المفتوحة في كثير من الأمور، ويصرون على الرأي الواحد، والصواب الواحد، وهنا يقدمون حاضنة معرفية لطريقة التفكير القائمة على الأحادية ورفض التنوع والأخر، ومن هنا تبدأ أول خطوات التعصب، ثم التطرف والإرهاب! إذن لا معنى واحد صائب بإطلاق، بل معان متعددة، لكنها ليست فوضى للمعاني دون ضوابط علمية.


لمزيد من مقالات د. محمد عثمان الخشت

رابط دائم: