رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

31 أكتوبر عام 5220 مصرى.. عيد الدولة

انتصرت مصر على بريطانيا فى حرب عام 1807، وانتصرت بريطانيا على مصر فى الحرب التالية. احتلت بريطانيا مصر (8) سنوات منذ عام 1914 حيث إعلان الحماية البريطانية على مصر، وحتى عام 1922 حين استقلت مصر فى منتصف مارس من ذلك العام. هذا ما يقوله العلم، ولكن بعض ذوى الأغراض السياسية ممّن يمجّدون شخصًا على آخر، ويقدسون حقبة على أخرى سوف ينتصرون لما يؤيدون، من دون اكتراثٍ لخسائر الوطنية المصرية من هذا الانحياز.

لقد أدّت ثورة 1919 المجيدة إلى صدور تصريح 28 فبراير 1922 والذى بموجبه كان عيد الاستقلال المصرى فى 15 مارس عام 1922. عادت الدولة المصرية قوية من جديد، وبعد قليل كانت هناك نهضة كبرى فى الثقافة والاقتصاد، كان رمزها فى الاقتصاد الزعيم الوطنى طلعت حرب، ورموزها فى الثقافة قامات شامخة مثّلت زحامًا من نجوم القوة الناعمة.

ظلَّ التيار الوطنى المصرى بعد ثورة 23 يوليو 1952 يرى فى ثورة 1919 وفى استقلال مصر ونهضتها مدعاة للفخر والاعتزاز، ولم يخلط الوطنيون المصريون بين المباهاة ببلادهم وبين النقد السياسى للملك فاروق أو النخبة الحزبية قبل عام 1952. كانت الدولة فوق السياسة والانتماء الوطنى فوق الولاء السياسي. وهكذا ظلَّ معظم المثقفين المصريين الذين أيدوا ثورة 1952 فخورين ببلادهم قبل 1952، وحاسمين فى حصار خلافهم مع أشخاصٍ وسياساتٍ، لا مع وطن أو تاريخ. فى كل حقبة سياسية كان هناك دومًا أولئك الذين يروجون لبداية الدولة فى عهدهم، وأن كل ما سبق كان عبثًا وفشلًا، ولا قيمة له. وكان هناك دومًا أولئك الذين لم تتجاوز ثقافتهم عناوين الصحف أو ما يلوكه محترفو الثرثرة فى الإعلام والمقاهي، ممن يَرَوْن السلطة ولا يَرَوْن الدولة، ويتعثرون فى ضيق السياسة ولا يسيحون فى رحاب التاريخ. وربما كان لهؤلاء عُذرهم فى تحديد نشأة مصر بوجودهم وبداية الوطنية بعهدهم.. ذلك أنهم ببساطة: لا يعلمون. لقد شاعت مقولات جاهلة فى هذا السياق، حتى بات البعض يعتبرها من المسلّمات الكبري. تلك المقولة بأن مصر كان يحكمها الأجانب لمدة ألفيْ سنة. وتلك المقولة أن مصر كانت أكثر ازدهارًا فى عهود الحكام الأجانب للبلاد، ثم تلك المقولة: أن مصر كانت محتلة معظم تاريخها، وأن الاستقلال هو الاستثناء. لقد قمتُ فى كتابى الهندسة السياسية بتفكيك ذلك الخطاب المضلل، والردّ العلمى عليه، ولربما احتاج الأمر إلى إعادة الإشارة إلى جوانب من ذلك كلمّا كان الموضوع قريبًا. إن مصر هى أكثر الدول استقلالًا فى التاريخ، فقد عاشت دولة مستقلة بنسبة (80%) من تاريخها، وهى أعلى نسبة فى العالم، ولا ينافسها أحد. وقد كانت معظم عصور استقلالها هى الأعلى قوةً والأكثر ازدهارًا . إن حكام مصر فى الألفيْ عام السابقة لم يكونوا أجانب، فقد كانوا مصريين، وإن كان بعضهم قد ولد خارج مصر، لكن الذين ولدوا خارج مصر لم يكن لهم وطن خارجها، ومعظمهم لم يعرف موطنه الأصلي. لا أحد يقول إن نابليون بونابرت كان إيطاليًّا، ولا أن القيصرة الكبيرة كاترين الثانية - التى ظهر تمثالها خلف الرئيس التركى أردوغان بينما يجلس إلى الرئيس بوتين - والتى شهد عصرها مجدًا أسطوريًا، هى ألمانية وليست روسية. إن أحدًا لا يقول إن الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا تنتمى لأسرة ألمانية، ولا أن كل ملوك أوروبا جاءوا من غير ممالكهم. فضلًا عن العشرات من رؤساء الدول الذين قدم بعضهم من قارات أخري. إن أحدًا لا يقول إن هؤلاء حكام أجانب لبلادهم. لحسن الحظ أن الأجيال الجديدة فى مصر أصبحت أقل تأثُّرًا بالصراعات الحزبية والانتماءات الأيديولوجية، وباتت تفتخر بعَلَمِ بلادها وتاريخ وطنها على نحو أكثر نضجًا وحداثة. يأتى هذا الحديث بمناسبة ما أود أن اقترحه اليوم على النخبة السياسية والفكرية فى بلادنا.. وهو: وجوب تأسيس عيد جديد يمكن تسميته عيد الدولة. وهو عيد تأسيس الدولة المصرية. لقد تأسّست الدولة المصرية الموحدة بشكلها الحالى فى عام 3200 قبل الميلاد. وفى عام 2020 تكون الدولة المصرية قد أصبحت فى عامها الـ(5220) مصري. ومثل التقويم الميلادى والهجرى والقبطى ومثل أيضًا التقويم الصينى وغيره، يمثل عام 2320 قبل الميلاد بداية التقويم الحضارى المصري.

إن الرؤية الرسمية لتاريخنا هى أن الملك العظيم مينا نارمر قد قام بتأسيس الدولة المصرية، عبْر توحيد القطريْن وبناء عاصمة مركزية واحدة، وخلق المؤسسات اللازمة للدولة الموحدة. كان ذلك - حسب عدد من المؤرخين - ما يوافق بالتقويم الميلادى اللاحق - يوم 31 أكتوبر عام 3200 قبل الميلاد، وكانت انطلاقة الملك من سوهاج إلى الشمال هى لحظة التوحيد الوطنى الكبرى التى استمرت حتى الآن، لتسبق كل حضارات العالم فى الجهات الأربع، وبما لا يدع مجالًا للمزاحمة أو المنافسة. كانت مدينة الميناء الجميل واسمها الفرعونى نفر هى عاصمة الدولة المصرية قبل 5220 عاما. إن مدينة الميناء الجميل هى نفسها ممفيس وهى نفسها منف وهى الآن ميت رهينة مركز البدرشين محافظة الجيزة. كانت الرحلة الوطنية المقدسة من سوهاج إلى الجيزة، وانتقال الملك الموحّد مينا نارمر من البلينا إلى البدرشين.. هى العمل الأكثر وطنية فى كلِّ تاريخنا. يختلف المؤرخون بشأن الملك مينا نارمر، وبشأن تاريخ الوحدة، وبشأن أسلوبها وطريقتها. ولكنه اختلاف فى التفاصيل، وهو اختلاف ساحرٌ ورائع سيظل مددًا للفنون والآداب.. من دون انقطاع. لقد انتقلت مصر من الأسرة صفر إلى الأسرة الأولي، لتبدأ مجدًا فرعونيًا لم يعرف له العالم مثيلًا حتى اليوم. اخترع المصريون الكتابة، وعلّموا العالم الريّ والزراعة، وأعطوا البشرية الدروس الأولى فى الهندسة والبناء. وفى الفلسفة والعلوم. لقد قدمت النخبة الفرعونية قادةً عمالقة بوزن تحتمس الثالث.. صاحب المكانة المرموقة. ليواصل المؤرخون عملهم فى التدقيق، وليواصل الأثريون عملهم فى التنقيب.. لكن ما يجب أن نبدأ به ونواصل.. هو الاحتفال يوم 31 أكتوبر من كل عام بـ عيد الدولة المصرية. وفى عيد الدولة رقم (5220).. كل عام ومصر بخير.


لمزيد من مقالات أحمد المسلمانى

رابط دائم: