رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محددات الموقف المصرى من سد النهضة

يعد التطور الأخير فى مفاوضات سد النهضة التى شاركت فيها مصر واستضافتها مؤخرا العاصمة الأمريكية واشنطن بمثابة التطور المهم والذى يجب التوقف عنده طويلا لدى تناوله بالتقدير والتحليل، إذ أنه يتوج عملية تفاوض شاقة جدا استمرت لعدة اعوام، وخاصة إذا قامت السودان بالتوقيع على الاتفاق الذى تم التوصل اليه بمساعدة البيت الأبيض وعلى رأسه الرئيس ترامب والإدارة الأمريكية بشكل عام، وإذا ما تراجعت إثيوبيا عن موقفها المتعنت والمتردد ومضت هى الأخرى بالتوقيع على الاتفاق الذى تم إقراره من قبل الدول الثلاث بشكل مبدئى فى منتصف فبراير الماضى.

وما من شك فى ان توقيع الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا على الاتفاق المذكور سوف يسمح بإطلاق عنان مجمل العلاقات خاصة بين مصر واثيوبيا والانطلاق الى بدء تنفيذ العديد من التدابير التى سبق بحثها على مختلف المستويات بشأن تعزيز علاقات التعاون الاقليمى بغية تحقيق التكامل بين اقتصاديات تلك الدول بالشكل الذى يحقق الكثير من المنافع التى سوف تستفيد منها شعوب هذه الدول. والأمر يرتبط بالضرورة بالتزام الدول الثلاث وبصفة خاصة إثيوبيا بشكل مسئول بكل بنود الاتفاق المشار اليه وبحيث يمكن لمصر والسودان وإثيوبيا أن يضعوا الخلاف الخاص بإشكالية سد النهضة وراء ظهورهم والاقتناع بأن التكامل الاقليمى بينهم والدخول فى شبكة أكثر كثافة من المصالح المشتركة والمتبادلة كفيل بتجاوز الاختلاف فى المواقف بشأن قضية مياه النيل واستخداماتها. وهنا يجب علينا ان نشيد بالجهد الذى بذلته الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى قاد عملية التفاوض المضنية، تساعده فى ذلك مؤسسات الدولة وبصفة خاصة وزارتا الخارجية والموارد المائية والرى والأطقم الفنية والخبرات القانونية التى تعاملت بكل حسن نية وبشكل احترافى مع إشكاليات ملف سد النهضة وإثيوبيا كطرف عنيد يصر على مواقفه ويرفض التزحزح عنها.

كما ان الجانب المصرى استمر فى طرح العديد من البدائل التى كان يمكن إذا ما تم الأخذ بأى منها التوصل بشكل أسرع وأسهل لاتفاق يحسم الخلاف بخصوص ملف سد النهضة، وذلك بشكل حاصر الطرف الاثيوبى طوال السنوات الماضية، وهو أمر غير مستغرب إذ ان مصر زاخرة بخبرات فنية وقانونية تراكمت لديها الخبرات على امتداد أزمنة طويلة.

وفى الواقع فإن مصر أقبلت على مفاوضات سد النهضة بشكل ايجابى للغاية ولم تربط علاقاتها مع إثيوبيا والسعى للمضى فى تعزيزها بالخلاف الخاص بملف سد النهضة، ولقد مضت منذ عام 2014 فى بذل كل ما من شأنه وضع لبنات جديدة لعلاقات أفضل تربطنا بالسودان وإثيوبيا وخاصة الأخيرة، ونتذكر فى هذا الإطار الزيارة الاستثنائية التى قام بها الرئيس الى اثيوبيا، وهى أول زيارة رسمية لرئيس مصرى منذ عقود، وإلقائه للمرة الأولى خطابا أمام البرلمان الاثيوبى أكد خلاله اعتزاز مصر بعلاقاتها التاريخية بإثيوبيا، وحرصها على علاقات الجوار الاقليمى، وتطلعها لبناء علاقات أمتن تحقق مصالح الشعبين و تفتح المجال لتكامل إقليمى واندماج اقتصادى يشمل السودان بل وغيرها من دول الإقليم من منطلق الاقتناع بضرورة إعلاء قيم السلام والتنمية فى هذه المنطقة المضطربة من قارتنا. كما حرص الرئيس خلال زياراته لأديس أبابا للمشاركة فى القمة الإفريقية على الالتقاء برئيس وزراء إثيوبيا بل ولقائه على هامش مشاركتهما فى عدة محافل إفريقية وغير افريقية فضلا عن تشجيع عقد لقاءات تجمع زعامات الدول الثلاث سواء فى القاهرة او أديس ابابا او عواصم ومدن أخرى ليتحقق بذلك التواصل المستمر وتعزيز العلاقات الشخصية والتفاهم والثقة بين الدول الثلاث بالشكل الذى يمهد لاستمرار مفاوضات سد النهضة فى ظل مناخ أفضل. واستضافت القاهرة رئيسى وزراء اثيوبيا السابق والحالى عدة مرات انطلاقا من حرصها على تعميق التفاهم واستطلاع فرص جديدة للتعاون بين البلدين. وفى هذا الإطار تم الاتفاق بشكل مبدئى على أنشاء صندوق استثمارى ثلاثى يشمل مصر والسودان وإثيوبيا بهدف تمويل المشروعات التنموية فى الدول الثلاثة مما يضع الأساس لتحقيق تكامل اقتصادى فعلى بين هذه الدول. وعلى التوازى أنهت مصر الطريق البري الذى يربط مصر والسودان وقامت وللمرة الأولى بربط شبكتى الكهرباء فى البلدين.

واتصالا بملف سد النهضة فلقد أعلنت مصر عام 2017 قبولها التقرير الاستهلالى المقدم من المكتب الاستشارى الفرنسى «بى ار ال» الخاص بتنفيذ الدراسات الهيدروليكية والبيئية التى تحدد الآثار السلبية للسد على دولتى المصب والآثار المترتبة لبناء السد على حصة مصر والسودان من مياه النيل. وفى ضوء استمرار تعثر عمل اللجنة الفنية الثلاثية بسب تعنت إثيوبيا و تعمدها المماطلة وكسب الوقت اقترحت مصر وجود طرف ثالث له رأى محايد وفاصل يشارك فى أعمال اللجنة يتمثل فى البنك الدولى وهو الاقتراح الذى قوبل ايضا بالرفض الاثيوبى. وسعت مصر لتوفير أطار يسمح بتناول ملف سد النهضة و إصدار توجيهات إرشادية لأطقم المفاوضات تهتدى وتلتزم بها وذلك بإرساء عدد من المبادئ فى إعلان تم اقراره فى الخرطوم عام 2015 والذى سمح لاحقا بإشراك الولايات المتحدة والبنك الدولى كمراقبين لتسهيل عملية التفاوض تأسيساً على عمل اللجنة الفنية الذى استمر لسنوات طويلة، وهو الأمر الذى سمح بالتوصل للاتفاق المبدئى الذى وقعت عليه مصر بالأحرف الأولى مؤخرا فى حين غابت إثيوبيا عن المشاركة فى اجتماع واشنطن الأخير لاعتبارات غير مبررة. وفى ضوء ما تقدم يبدو أن أديس ابابا لم تدرك حتى الآن حقيقة موقف مصر من الملف الشائك لسد النهضة الإثيوبى ومجمل العلاقات المصرية الإثيوبية بل وعلاقات مصر والسودان واثيوبيا وهو الأمر الذى يدعو الى اعادة إثيوبيا النظر فى هذا الشأن بل والتحلى بالبصيرة اللازمة والحكمة المطلوبة وعدم تفويت الفرص العديدة التى قد يتيحها إطلاق عنان علاقاتها بمصر فى المستقبل وتفويت الفرص بالتالى على الشعب الاثيوبى الذى من المؤكد انه سوف يجنى ثمار إطلاق العلاقات المصرية الاثيوبية الى آفاق أرحب.


لمزيد من مقالات سفير ـ على الحفنى

رابط دائم: