رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إقرار أردوغان بالهزيمة فى سوريا

تراجع كبير للرئيس التركى أردوغان فى الاتفاق الجديد مع الرئيس الروسى بوتين حول إدلب، يمكن وصفه بأنه وثيقة هزيمة تركية فى سوريا، وانتهاء لمغامرة الدولة العثمانية الجديدة، فالاتفاق من حيث نصوصه المعلنة يتخلى بمقتضاه أردوغان عن مطلب عودة القوات السورية إلى المواقع السابقة لاندلاع المعركة قبل نحو شهر، والإقرار بسيطرة القوات السورية على كل المناطق التى حررتها، وهى تزيد على نصف مساحة محافظة إدلب، الواقعة جنوب طريق حلب اللاذقية المعروف باسم إم فور، وأن تتولى تركيا تصفية جميع الجماعات المصنفة إرهابية، وفى مقدمتها جبهة النصرة والجماعات القادمة من خارج سوريا، وأن تسمح أنقرة بعودة اللاجئين السوريين إلى مواطنهم، وهو ما كانت ترفضه تماما، وتسيير دوريات مشتركة لقوات روسية وتركية على طول خط التماس الجديد.

هذا التراجع الكبير لأردوغان له أكثر من سبب، أهمها الهزيمة الميدانية، خصوصا فى معركة سراقب، ومقتل وجرح آلاف المسلحين بينهم مئات الجنود الأتراك، رغم دفع تركيا بقوات مدرعة حديثة وطائرات مسيرة وصواريخ مضادة للدروع والدبابات، ولم تتدخل القوات الروسية فى المعارك بين الجيش السورى وحلفائه من جهة والقوات التركية والجماعات المسلحة من الجهة الأخري، وعندما استغاث أردوغان بحلف الناتو لم يجد أى تجاوب، أما الموقف الأمريكى فلم يختلف كثيرا عن موقف الناتو، وأعلنت واشنطن أنها يمكن أن ترسل كمية من الذخائر للجيش التركى ومساعدات إنسانية للسكان الخاضعين لسيطرة الجماعات المسلحة، وهو أقل جدا مما كان يأمله أردوغان، بل إن واشنطن طلبت تنازلات تركية تتعلق بالموقف من أكراد سوريا مقابل تلك المساعدات الأمريكية المتواضعة، أما أوروبا فقد كانت أكثر عدائية تجاه أردوغان، ووصفت دفعه لأعداد من المهاجرين نحو أوروبا بأنه ابتزاز غير مقبول، وأغلقت الحدود أمام المهاجرين بدعوى أن أغلبهم ليسوا سوريين، بل من جنسيات آسيوية وإفريقية، أراد أردوغان الدفع بهم إلى أوروبا ليسبب مشكلة أمنية وإنسانية إذا لم تقدم مساعدات اقتصادية وعسكرية له، أما الأخطر فهو ارتفاع الأصوات من داخل تركيا بالتوقف عن الحرب فى سوريا، خصوصا بعد معركة سراقب التى خسرت فيها تركيا عشرات القتلى خلال ليلة واحدة، وتدمير مدرعات وناقلات جنود وأسلحة تركية تركتها باقى القوات التى فرت باتجاه الحدود التركية، وكشفت تلك المعركة عن أن توغل تركيا فى سوريا ليس له تكلفة عالية فقط، بل سيؤدى إلى هزيمة عسكرية واستنزاف اقتصادى لن تتحمله تركيا، خصوصا إذا تدخل الحرس الثورى الإيرانى فى العمليات القتالية.

حرصت روسيا ألا يكون الاتفاق مهينا للرئيس التركي، لأن روسيا لا تريد أن يرتمى أردوغان فى أحضان الولايات المتحدة وأوروبا، وتأمل أن يستطيع البقاء، فهى قد زودته بمنظومات دفاع جوى من طراز إس 400 المتطورة، رغم الغضب الأمريكى من الصفقة، ووقعت معه اتفاقيات اقتصادية ضخمة، من أهمها تشغيل خط السيل الجنوبى لإمداد أوروبا بالغاز الروسى كبديل عن خط أوكرانيا، وهو ما يمنح تركيا ورقة ضغط على أوروبا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى اتفاق بناء روسيا لمحطات نووية، ومضاعفة التبادل التجارى بين البلدين، ولهذه الأسباب رأت روسيا أن تكون خطوة الانسحاب التركى من شمال سوريا متدرجة، وأن تتولى خلع أشواك الجماعات الإرهابية التى زرعتها بأيديها، ولهذا اشتعلت مواقع تلك الجماعات بالغضب فور الإعلان عن الاتفاق الذى وصفته بأنه بيع تركى للمجاهدين بعد تضحياتهم بالدماء من أجل دولة الخلافة.

سيحقق الاتفاق فوائد كبيرة لسوريا فى مقدمتها فتح الطريق الدولى الممتد من تركيا إلى حلب حتى العاصمة السورية دمشق ومنها إلى حدود الأردن ولبنان، وهو أكبر شريان برى فى سوريا، إلى جانب فتح الطريق السريع بين العاصمة الاقتصادية حلب وميناء اللاذقية على البحر المتوسط، إلى جانب تحرير ما يقرب من 300 بلدة ومدينة فى مساحة تزيد على نصف محافظة إدلب وشمال حلب، والانتصار العسكرى والمعنوى الكبير الذى يعد الأهم منذ تحرير شرق حلب وغوطتى دمشق ودير الزور والجنوب السوري، ولن يكون بأيدى تركيا أوراق ضغط مؤثرة فى مباحثات الحل السياسي، بل ستنتقل المشكلة إلى داخل تركيا، بين أردوغان والجماعات المسلحة غير الراضية عن الاتفاق ومع المعارضة التركية التى كانت ترفض التدخل العسكرى التركى المباشر فى الحرب، وسوف تحقق المعارضة شعبية أوسع تهدد بقاء أردوغان فى السلطة، وظهر ذلك فى الاشتباكات العنيفة داخل البرلمان التركى عندما تبادل نواب المعارضة اللكمات والصفعات والركل مع نواب حزب الحرية والعدالة الحاكم عند مناقشة نتائج معركة سراقب، وما حدث بالبرلمان يعكس حالة الاحتقان فى الشارع التركى الذى ينقلب على أردوغان بعد تحول حلم الإمبراطورية العثمانية الجديدة التى كان يبشر بها إلى هزيمة مذلة.


لمزيد من مقالات مصطفى السعيد

رابط دائم: