رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفنان فاروق حسنى: قضيت 32 سنة من الأشغال الثقافية الشاقة الممتعة..
العالم يشهد تراجعا فى المبدعين الكبار رغم توافر مناخ الإبداع

أجرى الحوار ــ محمـد هلال
[تصوير- محمد مصطفى]
> تصوير ــ محمـد مصطفى

  • أحلم بتحويل «متحف التحرير» إلى «مدرسة عالمية لعلم المصريات» .. و متحف الحضارة عملاق لم يأخذ حظه من الشهرة

 

 

الحديث مع وزير ثقافة مصرالأسبق الفنان فاروق حسنى من الأهمية بمكان، لتعدد أسباب غوايته التى منها المدة الطويلة التى قضاها ممسكًا بدفة الوزارة قرابة ربع قرن من الزمان؛ بها مابها من الحراك الثقافى والقرارات المهمة والمشروعات العملاقة التى يتم استكمالها الآن.. ولأنه بعد تركه الوزارة منذ تسع سنوات شرع فى التفكير لتحقيق حلمه الكبير «مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون» حتى بدأ قطف ثمارها بمسابقات كبرى للشباب هذا العام.

فى شارع العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبى الذى حكم مصر فى 1193 وحتى 1200 م، استوقفتنا لافتة «متحف فاروق حسنى».. بعد عبور البوابة الالكترونية واجهتنا حديقة المكان التى تعد مدخلًا ثقافيًا وجماليًا لتعدد مستنسخات الأعمال الفنية العالمية بها، يتوسطها تمثال للفنان فاروق حسنى أهداه إليه أحد تلامذته المحبين - على حد قوله ـ الفنان

عصام درويش.

بهدوئه الحالم كان الترحيب بنا فى القاعة الرئيسية للمتحف، وكان حديث «المؤسسة الثقافية» هو الشغل الشاغل للفنان فاروق حسنى ففرضت عبقها

وشذاها على بداية الحوار:

«مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون»..كيف بدأت الفكرة وبواعثها، وماهو المأمول مستقبلًا حتى يكتمل رضاكم عنها؟

المؤسسة مستعدة للعمل فى جميع الأنشطة الثقافية وهذا مايبعث على الرضا، لكن تضاريس المكان تفرض علينا أنشطة معينة، مثلًا لو أردنا عمل مسرحيات فالمكان لايتسع لذلك ولذا أقوم بالتنسيق مع الدولة فى توفير أحد المسارح.. أما عن طموحاتى للمؤسسة فهى أكبر من امكانياتى، وكان هذا دأبى منذ كنت فى الوزارة، ولهذا السبب انشأت صندوق التنمية الثقافية وذلك مكننى من تحقيق مشروعات قيمة.

هل وجدت «مؤسسة فاروق حسنى» الصدى الذى يليق بها محليًا وعالميًا؟

الحقيقة أدهشنى جدًا وأسعدنى أن وجدت هذا الصدى الواسع محليًا وعربيًا وعالميًا للمؤسسة، ورأيت من الاستعداد الجاد للمساهمة المادية الكثير حتى يكتمل الهدف المنشود، ولكننى قلت لهم: اتركونى هذا العام أعمل بأموالى الخاصة حتى أشعر بأننى فعلت شيئًا.. ويمكننا فى العام المقبل التفكير فى ذلك وكيفيته.. ولذا فكل تكاليف الأنشطة على نفقتى الخاصة وذلك مصدر سعادة كبير، والمؤسسة هى هديتى لوطنى مصر وشبابها المبدعين.

شهد عصركم حراكًا ثقافيًا كبيرًا ولكنه لم يثمر رموزًا ثقافية مثلما حدث فى العقدين السابقين عليكم.. ماتفسيركم لهذه الظاهرة السلبية رغم توفر المناخ المساعد للإبداع؟

هذا سؤال مهم جدًا، الملاحظ عندى أنها ظاهرة عالمية، هناك تراجع فى المبدعين الكبارويمكننا تسميتها «فترة تحاريق» رغم أن الفترة السابقة كانت مليئة بالكبار عندنا وفى العالم، وأرى ذلك قدر الإنسان مع إمكانياته الداخلية التى لم يستطع إخراجها، لماذا؟ لا توجد أسباب ظاهرة.. وهنا تتجلى ظاهرة العقم الإبداعى رغم الإمكانيات الجبارة فمثلًا عندنا قمنا بترجمة ستة آلاف كتاب ليس بهدف تقليدهم ولكن لمعرفة تجارب الآخرين والاستفادة المعرفية منهم، كما أصدرت وزارة الثقافة الكثير من الإصدارات الأدبية، وأنشأنا المسرح التجريبى وكذا الرقص المسرحى الحديث ولكن كما قلت إنها «فترة تحاريق» عالمية.

بعيدًا عن تصنيف النقاد..هل يشكل فاروق حسنى مدرسة فنية مستقلة؟ أم يعتبر نفسه امتدادًا لمدرسة ما؟

الحقيقة لاأدعى كونى مدرسة فنية تجريدية مستقلة لكننى رسمت لنفسى نهجًا وأسلوبًا فنيًا خاصا بى لامقلدًا لغيرى ولا امتدادا لأحد، ورغم أننا لم نتعلم التجريد فى الجامعة ولكن كان فى داخلى قلق فنى، ماهو؟ لاأدرى حتى اهتديت إليه وأنا جالس أمام البحر فى نيس جنوب فرنسا استمع لموسيقى «الهندل» وهى من موسيقى «البروك»، فى هذه اللحظات اكتشفت نفسى وأنا ارسم بتدفق غير متعمد، فالتجريد كما نعلم تعبير وجدانى وليس أدبيا.

من هم الفنانون التشكيليون التجريديون المُلهمون لكم سواء على المستوى العالمى أو المحلى؟

عندما رأيت لوحات الفنان الإسبانى «أنطونى تابيس» رأيتنى وكأننى أقف أمام نفسى، أيضا أحب بيكاسو جدًا والمجموعة الأمريكية وبخاصة جاكسون بولو، وعندنا الفنان الكبير منير كنعان استاذ التجريد، ولصداقتى بالنحات الكبير آدم حنين التى دامت مدة طويلة فى فرنسا وأوروبا كان يرى النحت فى لوحاتى وأنا أرى التصوير فى منحوتاته.

ما الجديد الذى أضافه الوزير فاروق حسنى لمعرض الكتاب على مدار «23» دورة؟

شهد معرض الكتاب الكثير من الفاعليات التى لم تكن موجودة ومنها خيام الإبداع والمقهى الثقافى والندوات المتنوعة ودعوة المبدعين العرب والأجانب الكبارللقاء جمهور المعرض حتى أصبح فرصة ذهبية لشباب المبدعين فى ربوع مصر مناقشتهم والاستماع إليهم والاستمتاع بإنتاجهم فى وجبات ثقافية متميزة.. ومن الطرائف التى لاأنساها أن دعوت المبدع الإيطالى العالمى «البرتومورافيا» وكان صديقًا لى، وفى ندوته سألوه عما يشعر به قبل الكتابة ويكون حافزًا له؟ وكانت إجابته كلمة واحدة «الإيقاع»، يقصد إيقاع الحركة الداخلية فى وجدانه.. لم يقتنع المثقفون بالإجابة فجعلوا يرددون السؤال وهو يرد بنفس الكلمة «الإيقاع».. يعود ذلك لتعودنا على الشرح والإسهاب.. والحقيقة باختصار ان معرض الكتاب فى عهدى شهد نقلة ثقافية كبيرة متنوعة الفعاليات.

ما هى أهم المشروعات المتميزة التى نفذتها وتعتبرها علامات مضيئة فى حياتكم الوزارية؟

هناك مشروع ضخم فريد ولكن حظه قليل من حيث الشهرة وهو متحف الحضارة بالفسطاط، يضم تاريخ البشرية من فترة ما قبل التاريخ حتى اليوم، وكان التخطيط له أن يتم البناء مكان الأوبرا القديمة بمنطقة العتبة مكان «جراج الأوبرا» ولم يعجبنى المكان لضيق المساحة واتساع الفكرة وعملت على تأجيل التنفيذ حتى وجدت الأرض المناسبة بالصدفة البحتة، ذات يوم استضافنا وزير الداخلية فى ذلك الوقت على طعام الإفطار فى منطقة عين الصيرة، فوجئت ببحيرة كبيرة وأراض واسعة ولكن كانت مقالب القمامة كثيرة ومتجمدة مثل الجبال، وتوقفت طويلًا أمام المكان وأنا أتخيله بعد تنظيفه ليصبح حالة عبقرية وعلمت من محافظ القاهرة آنذاك عمر عبدالآخر أن المنطقة تتبع المحافظة فحدثته فقال: وما المساحة المطلوبة؟ ووجدتنى أقول 25 فدانا، فقال: أبعث لى طلبا بذلك، وتم التخصيص.. ثم بدأنا العمل وشاركتنا اليونسكو والجمعية الدولية المعمارية والخبراء المصريون، كانت النتيجة مبهرة متحف عظيم تفخر به مصر يحوى 50 الف قطعة أثرية وصورا فوتوغرافية ومخطوطات ولوحات زيتية وتحفا فنية تشمل العصر الحجرى والفرعونى واليونانى والرومانى والقبطى والإسلامى وحضارة السودان والعصر الحديث وهذا المتحف عملاق لم يأخذ حظه من الشهرة.

أما المشروع الضخم الثانى الذى ملأ الدنيا وشغل الناس هو «المتحف الكبير» بمنطقة الأهرامات فقدت تركت الوزارة وقد انجزنا فيه حوالى 60% من الإنشاءات منها أبنية المخازن والترميم والمخازن وجميع المراكز العلمية بأحدث الأدوات والأساليب، وقبل ذلك ظلت دراسة الجدوى نظرًا لضخامة المشروع أربع سنوات عن طريق بيوت خبرة فرنسية وإيطالية، ومن الطريف أن الذى حصل على جائزة التصميم أيرلندى من أصل صينى ولنا أن نعلم أن 1575 بيتا معماريا عالميا قد شاركت فى تلك الملحمة الضخمة التى تستكملها الدولة الآن.

معروف عن أهل الفنون حب الانطلاق وكراهية التقييد الرسمى بالوظائف.. كيف وفقتم بين الفنان ومنصب الوزير؟

أنا محظوظ بوزارة الثقافة وهى بالمثل محظوظة بى، ساعدتها وساعدتنى حيث نقلت خبرتى الطويلة فى إيطاليا وفرنسا إليها، وقمت بإنشاءات لم تكن موجودة مثل متاحف الأقاليم ومكتبات المراكز والقرى فى محافظات مصر وخاصة فى الصعيد وكذا نشاطات معرض الكتاب مثل المقهى الثقافى والندوات والمشروع الذى استطاع من خلاله كل من يرغب فى تكوين مكتبة بأسعار زهيدة وهو «مكتبة الأسرة». وكذا الترجمات وفى مجال الآثار تم ترميم القاهرة الفاطمية بالكامل وكذا كل آثار مصر من أسوان وحتى الإسكندرية، أضف إلى ذلك صالون الشباب وسمبوزيوم النحت.. أما استفادتى فقد ساعدتنى الوزارة فى الاطلاع على كل ماهو موجود فى مصر من إرث حضارى جبار من الفراعنة وحتى الآن، وكذا اكتسابى شهرة جماهيرية وكانت شهرتى بين المتخصصين، ومن الطريف أن شهرتى فى دول أوروبا وأمريكا والبلاد العربية كانت تفوق شهرتى بمصر بمراحل كبيرة.. ورغم كل هذه الأعباء حققت نداء الفنان داخلى بعمل معرض سنوى فى القاهرة وآخر خارج مصر فحققت التوازن بين الوزير والفنان، الحقيقة أننى قضيت فى الوزارة 23 سنة من الأشغال الثقافية الشاقة الممتعة.

هل من قرارات كنت تنتوى اتخاذها ولكن الوقت لم يسعفكم لتحقيقها؟

نعم هناك مشروع غاية فى الأهمية ولكننى كنت أنتظر إتمام المتحف الكبير، وهو تحويل مبنى متحف التحريرالفريد إلى أهم «مركز للمصريات» فى العالم يضم قاعة معارض نختار لها قطعاً من كل المتاحف المصرية تتغير كل ستة أشهر، ومدرسة لعلم المصريات يأتى إليها طلاب «علم المصريات» من كل أنحاء العالم.. وقد رأت فى فرنسا» مدرسة اللوفر» والتحقت بها عاماً ونصف العام، وكان حلمى أن يكون فى مصر أقوى مدارس العالم فى تخصص المصريات..وبذلك نحقق للزائر والدارس علما وكفاءة وشكلا حضاريا متميزا لا نظير له.

شاهدناكم تقفون فى طوابير التصويت الانتخابى دون حراسة تتكلم مع الناس بود واطمئنان، ألم يراودك اعتداء أحد المتشددين عليك ثأرًا من آرائك فى الحجاب؟ ولماذا؟

راودتنى تلك الأفكار لكنها لم تمنعنى فأنا رجل قدرى، ولاأخاف الاقتحام، طالما قبلت الموقع فعليّ تقبل تحدياته وكذا قناعاتى فطبيعتى كما يقال أحب «المناهدة»، صحيح لا أسعى للمعارك ولكن إذا جاءت انتصرت فيها، وأهم من ذلك إذا كان القدر سينهى حياتى بهذا الشكل فأهلًا بقدرى، والحقيقة أنا عشت حياتى بالعرض، أقصد لست محتاجًا لشيء، لست ماديًا ولا أعرف حسابى فى البنك هذا عمل السكرتارية، باختصار لا أحب «الفلوس» ولاهى تحبنى، أغلى ماعندى مرسمى ولذا حرصت على أن يكون بجوار غرفة نومى حتى إذا ماجأتنى فكرة لوحة أسرعت إليه.

كان الوزير فاروق حسنى صاحب تصريحات مثيرة للجدل حول الحجاب..ما الدافع والمقصد وراء ذلك وبخاصة أنه ليس من مهام وزير الثقافة؟

كنت أسكن بجوار مدرسة وكنت أرى التلاميذ الصغار من شرفة مسكنى وقد أفزعنى مشهد الأطفال المحجبات ويزداد عددهن بشكل ملحوظ لأن معنى ذلك أننا نجعل الصغيرات يشعرن بالأنوثة المبكرة يعنى انشغالهن بالجسد، وحرمانهن من حياة براءة الطفولة، فتوجست أنه مخطط غريب وبالفعل جعل عدد المحجبات يزداد بشكل كبير جدًا فى الشارع فى الوقت ذاته تخلو عقولهن من العلوم المفيدة التى تميزت بها المرأة المصرية عبر التاريخ وهكذا تم استبدال العلم الذى هو أساس النهضة بالدوران حول الجسد، وإن ما سيحدث هو حجاب لكل البيوت عن العلم.. تلك كانت رؤيتى وعندما أقتنع بشيء فلا مانع عندى من التصريح به مهما تكن النتائج وما نتج عنها من عداوات فإن إنسانا بلا أعداء معناه أنه غير موجود.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق